أي دور للصين في أزمة البحر الأحمر؟

علي أبو مريحيل – رئيس التحرير

يبدو أن الصين تسير على حبل مشدود في ما يتعلق بأزمة البحر الأحمر فمن ناحية تحاول عبر دعوتها إلى الحوار وضبط النفس خفض التوتر عبر الطرق الدبلوماسية، ومن ناحية أخرى تجد نفسها مطالبة بالتعامل بحزم لحماية مصالحها الاقتصادية التي تضررت بطبيعة الحال بسبب هجمات جماعة الحوثيين على السفن التجارية في البحر الأحمر. وكان نائب وزير الخارجية الصيني دنغ لي، قد أجرى محادثات يوم الثلاثاء الماضي في العاصمة الصينية بكين، مع وكيل وزارة الخارجية اليمنية منصور علي سعيد بجاش، وتبادل الجانبان وجهات النظر حول القضايا الإقليمية والدولية، بما في ذلك الصراع الفلسطيني الإسرائيلي وأزمة البحر الأحمر.

وقال دنغ لي، إن الصين تدعم حماية سيادة اليمن واستقلاله ووحدته وسلامة أراضيه، وتدعم الحكومة اليمنية الشرعية، وتدعم حلّ القضية اليمنية عبر السبل السياسية، وإن بلاده مستعدة للعمل مع المجتمع الدولي من أجل تعزيز استعادة السلام والاستقرار في اليمن في أسرع وقت.

وفي تعليقه على هذا اللقاء، قال المتحدث باسم الخارجية الصينية وانغ وين بين، إن “موقف الصين بشأن أزمة البحر الأحمر ثابت وواضح. إننا ندعو إلى بذل جهود دولية مشتركة للحفاظ على أمن الممرات الملاحية”. وأضاف أن بكين “لا ترغب في أن ترى توترات في المنطقة، وتدعو إلى وقف المضايقات والهجمات على السفن المدنية، وإلى احترام سيادة اليمن والدول الساحلية الأخرى على البحر الأحمر، وأنها ملتزمة بالعمل بنشاط مع جميع الأطراف لتخفيف حدة التوترات”.
ولفت المتحدث الصيني إلى أن الحالة الراهنة في الشرق الأوسط معقدة وحسّاسة للغاية، معرباً عن “أمل بكين في أن تظل الأطراف المعنية هادئة وتمارس ضبط النفس وتكثف الحوار والتواصل وتتجنب الدخول في حلقة مفرغة من الانتقام وتمنع المزيد من تصعيد التوترات في المنطقة”.

وكانت واشنطن قد دعت بكين صراحة إلى التدخل من أجل حثّ طهران على كبح جماح الحوثيين في البحر الأحمر. وفي وقت لاحق، قالت مصادر إيرانية (لوكالة “رويترز”)، إن مسؤولين صينيين طلبوا من نظرائهم الإيرانيين المساعدة في وقف هجمات الحوثيين على السفن، وقالوا إن ضرراً قد يلحق بالعلاقات التجارية مع بكين في حال عدم الاستجابة لهذه المطالب.
وحول أوراق الضغط التي تملكها الصين وإلى أي حد يمكن أن تذهب في هذا الاتجاه، قال الأستاذ في معهد الدراسات السياسية في جامعة جينان، شياو لونغ: “بداية يجب أن نوضح بأن المطلب الأميركي ينطلق من قناعة راسخة بتأثير بكين الكبير على طهران، وقد ظهر نفوذ الصين جلياً خلال العام الماضي عندما سهلت التوصل إلى اتفاق بين إيران والسعودية لوضع حد لسنوات من القطيعة والعداء بين الجانبين. وبالتالي يعتبر ذلك إقراراً أميركياً بتأثير بكين ودورها البناء في إدارة علاقاتها الدولية”.

ولفت إلى أن الصين تربطها علاقات متينة مع جميع الأطراف، سواء الحكومة اليمنية الشرعية أو النظام الإيراني وكذلك الأمر بالنسبة للفلسطينيين، ما يجعل منها وسيطاً موثوقاً. وما يعزز ذلك، بحسب قوله، “الموقف الصيني المتزن من جميع الأزمات انطلاقاً من مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، على خلاف الولايات المتحدة التي لا تزال تعرقل الجهود الدولية الساعية إلى إحلال الأمن والسلام في المنطقة”.

وأضاف لونغ أن الصين تتحرك باعتبارها دولة مسؤولة وعضواً دائماً في مجلس الأمن الدولي، هذا في ما يتعلق بجهودها الدبلوماسية، وعلى منحى آخر هناك تأثير كبير لمبادرة الحزام والطريق التي تم بموجبها إطلاق مشاريع تنموية ضخمة في دول عدة، بما في ذلك الدول المطلة على البحر الأحمر، معتبراً أن “هذا البعد لا يمكن إغفاله حين نتحدث عن تشعب علاقات الصين ودورها في التأثير البنّاء على حلفائها وشركائها التجاريين”.

من جهته، قال الخبير في العلاقات الدولية بمركز تايبيه للدراسات السياسية، وان زانغ، إن دعوة الصين للحوار وضبط النفس في البحر الأحمر لا تعد عاملاً مؤثراً في هذه المرحلة الصعبة والمعقدة، ومن غير المتوقع أن تلقى قبولاً مع استمرار الحرب في غزة”.
وأشار زانغ إلى أن “المصالح الصينية تضررت في المنطقة، سواء ما يتصل بمشاريع طريق الحرير أو سلاسل التوريد، وهو أمر يستدعي ردعاً عسكرياً، لأننا لا نتحدث هنا عن دولة ذات سيادة بل مليشيات مسلحة تستهدف سفناً تجارية في عمليات أشبه بالقرصنة”.

وذكّر زانغ بأن “الصين أنشأت قبل سنوات أول قاعدة عسكرية لها في جيبوتي لمكافحة هذا النوع من الهجمات، لكن ما يمنع بكين من القيام بهذه المهام، أن ذلك سوف يُفسّر بأنه انضمام صيني للتحالف الذي تقوده الولايات المتحدة، فضلاً عن أن عمليات الحوثيين انطلقت في سبيل الدفاع عن الفلسطينيين، وبالتالي فإن استهدافهم يتناقض مع موقف الصين الداعم للقضية الفلسطينية، وسوف يعتبر اتساقاً من الموقف الأميركي”.

إلى أي حد تأثرت المصالح الصينية بسبب هجمات الحوثيين في البحر الأحمر؟ برأي الباحث الاقتصادي تشي جيانغ، فإن “البحر الأحمر يعد أهم الطرق البحرية التي تمر من خلالها حركة التجارة الدولية، واستهداف السفن سوف يضر بالمصالح المشتركة لدول العالم، والصين واحدة من هذه الدول”.

ولفت جيانغ إلى أنه “على الرغم من تأكيد الحوثيين مراراً أن السفن الروسية والصينية لن تتعرض للتهديد عند إبحارها في البحر الأحمر، فإن العديد من شركات الشحن الصينية المملوكة للدولة أوقفت عملياتها بشكل مؤقت، وقامت بتحويل مسارها عبر الطريق الالتفافي من جنوب أفريقيا باتجاه مضيق جبل طارق، ما أدى إلى زيادة تكاليف الشحن وتأخير عمليات النقل”.

أما من ناحية أخرى، وفق قوله، فإن “هناك مشاريع ضخمة ضمن استثمارات الصين على امتداد قناة السويس تقدر بعشرات المليارات، خصوصاً في قطاعي النقل والطاقة”، مضيفاً أن “استمرار الهجمات سيوقف هذه المشاريع، كما أن المستثمرين الصينيين سوف يحجمون في المستقبل عن الدخول في مشاريع مماثلة في المنطقة خشية من تكرار الهجمات في المستقبل”. وينسحب ذلك، وفق شرحه، على “مبادرة الحزام والطريق التي تتعرض لتهديد كبير مع استمرار العمليات، خصوصاً أنها تمسّ جوهر المبادرة القائم على ربط الشرق بالغرب عبر ممرات مائية أبرزها وأهمها البحر الأحمر”.

 

 

About Post Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظة © 2020 مجلة السفير | Newsphere by AF themes.