إدوارد سعيد .. رجل بأمة

أحمد أبو صالح

” لو سُئل الفلسطيني عمّا يتباهى به أمام العالم ، لأجاب على الفور: إدوارد سعيد ، فلم ينجب التاريخ الثقافي الفلسطيني عبقرية تضاهي إدوارد المتعدّد المتفرّد. ومن الآن ، وحتى إشعار آخر بعيد ، سيكون له الدور الرياديّ الأول في نقل اسم بلاده من المستوى السياسي الدارج إلى: الوعي الثقافي العالمي. لقد أنجَبتهُ فلسطين. ولكنه – بوفائه لقيم العدالة المهدورة على أرضها، وبدفاعه عن حق أبنائها في الحياة والحرية – أصبح أحد الآباء الرمزيين لفلسطين الجديدة. إن منظوره إلى الصراع الدائر فيها هو منظور ثقافي وأخلاقي لا يبرر فقط حق الفلسطينيين في مقاومة الاحتلال، بل يرى إليه باعتباره واجباً وطنياً وإنسانياً أيضاً”

 

لن نجد كلمات أقوى وأصدق من كلمات الشاعر الراحل محمود درويش في تقديم قامة إنسانية وحضارية بقيمة ذلك الرجل الذي وظف حياته وتجاربه وعلمه من أجل مكافحة الاستعمار الثقافي بكل أشكاله وألوانه، رجل التأمل والحكمة في قضايا العصر الكبرى، ذلك المسيحي الذي لم يكن يوماً طائفياً أو عنصرياً، الذي دافع عن الإسلام والحضارة الإسلامية كما لم يدافع أي مسلم آخر، والذي تصدي للتغول الأمريكي وهو في عقر داره، لم يهادن مطلقاً العرب والمسلمين المتأمركين الكارهين لعقيدتهم الاسلامية، وجذورهم العربية، إنه بحق رجل بأمه .. إنه المناضل والناطق الرسمي باسم الحقوق والقضايا الإنسانية، إدوار سعيد!

 

من هو إدوارد سعيد ؟

ولد إدوارد سعيد في القدس عام 1935 لعائلة مسيحية. بدأ دراسته في كلية فيكتوريا في الأسكندرية في مصر، ثم سافر إلى الولايات المتحدة كطالب، وحصل على درجة البكالوريوس من جامعة برنستون عام 1957 م ثم الماجستير عام 1960 والدكتوراه من جامعة هارفارد عام 1964 م.

انضم إدوارد عام 1963 إلى جامعة كولومبيا قسم اللغة الإنكليزية والأدب المقارن، وعمل كأستاذ زائر للأدب المقارن في جامعة هارفرد عام 1974. وفي عام 1975 أصبح زميلاً لمركز الدراسات المتقدم للعلوم السلوكية التابع لجامعة ستانفورد، وفي عام 1977 أصبح أستاذاً مساعداً للغة الإنكليزية والأدب المقارن في جامعة كولومبيا، كما عمل عام 1979 كأستاذ زائر في جامعة جونز هوبكينز، وأستاذ زائر في جامعة ييل، وحاضر في أكثر من مئة جامعة، وحصل عام 1992 على منصب “أستاذ جامعي” وهي أعلى درجة علمية أكاديمية في جامعة كولومبيا، كما عمل كرئيس لجمعية اللغة الحديثة، ومحرر في فصلية درسات عربية، كما كان عضواً في الأكاديمية الأمريكية للفنون والعلوم وعضواً تنفيذياً في نادي القلم الدولي والأكاديمية الأمريكية للفنون والآداب والجمعية الملكية للأدب والجمعية الأمريكية للفلسفة.

كما دعي إدوارد سعيد في عام 1993 لإلقاء محاضرات في البرنامج الإذاعي السنوي لدى “بي بي سي” بعنوان تمثيل المثقف،  وهي محاضرات تدرس دور المثقفين في المجتمعات الحديثة. وقد جعلت الـ”بي بي سي” هذه المحاضرات متاحة للعامة عام 2011.

كما كان إدوارد سعيد ينشر بشكل دوري مقالات في دورية ذا نيشن وصحيفة الجارديانومجلة لندن ريفيو أوف بوكس وصحيفة ليموند ديبلوماتيك وصحيفة كونتربونش وصحيفة الأهرام، إضافة إلى صحيفة الحياة. وقد ترجمت كتابته إلى ست وعشرين لغة، وشملت كتاباته أمور سياسية وأدبية وشؤون الشرق الأوسط والموسيقى والثقافة.

الإستشراق ..

عرف إدوارد سعيد بشكل كبير بفضل وصفه ونقده الاستشراق. وقد بدأ في كتابة كتابه “الاستشراق” في الفترة الممتدة بين عامي 1975-1976 وهي الفترة التي كان يعمل فيها أستاذاً زائراً في جامعة ستانفورد، وقد وصف الاستشراق بعدم الدقة والتشكل على أسس الفكر الغربي تجاه الشرق، فهو يرى الاستشراق بصورة أعم من صورة المبحث الأكاديمي، بل هو تقليد أكاديمي يقوم على التمييز المعرفي والوجودي بين الشرق والغرب لتتطور هذه النظرة في أواخر القرن الثامن عشر لتصبح أسلوباً في التعامل مع الشرق من أجل الهيمنة عليه، وقد رأى أن الصور الرومانسية التقليدية الأوروبية تجاه ثقافة آسيا عموماً والشرق الأوسط خصوصاً ما كنت إلا تبريراً للطموحات الاستعمارية الإمبريالية لدول أوروبا والولايات المتحدة. وقد ندد في الوقت نفسه بممارسة النخب العربية التي حاولت استيعاب واستبطان الأفكار الاستشراقية الأمريكية والبريطانية.

يؤكد إدوارد سعيد في كتابه أن معظم الدراسات الأوروبية للحضارة الإسلامية كانت ذا منحى عقلاني غربي تهدف إلى تأكيد الذات بدلاً عن الدراسة الموضوعية، حيث قال إن الدراسات الغربية للشرق تقع في موقع الشك ولا يمكن الأخذ بها على الإطلاق، وأضاف أن تاريخ الحكم الاستعماري والهيمنة السياسية للشرق من قبل أوروبا شوهت هذه الكتابات حتى كتابات المستشرقين ذوي النيات الحسنة أو ذوي المعرفة الجيدة بالشرق، كما رأى أن الغرب لديه رؤية نمطية للشرق في الفن والأدب منذ العصور القديمة مثل رؤية إسخيلوس لتركيبة المجتمع الفارسي، وقد هيمنت أوروبا على سياسة أسيا في العصر الحديث، لذلك حتى نصوص أكثر الدارسيين موضوعية كانت مخترقة بالتحيز للغرب، لذلك اتخذ الدارسون الأوروبيون مهمة استكشاف وتفسير اللغات الشرقية وتاريخهم وثقافتهم مع الإيحاء بأن الشرقيين غير قادرين على سرد رأيهم وروايتهم في ذلك، وأخذوا يكتبون ماضي آسيا ويشيدون هويتهم الحديثة من منظور استعلائي قائم على أخذ أوروبا كمعيار ونموذج.

جوائز وتكريم

إلى جانب تكريمه بعدة عضويات والمشاركة في العديد من المؤسسات المرموقة، حصل إدوارد سعيد على 20 شهادة فخرية من جامعات عالمية،  فحصل من جامعة هارفرد على جائزة بودين وحصل على جائزة ليونيل تريلينغ مرتين، أولاهما كانت النسخة الأولى من هذه الجائزة، كما حصل على جائزة ويليك من قبل الجمعية الأمريكية للأدب المقارن، وعلى جائزة سبينوزا في سنة 2001 ، كما حصل على جائزة لانان الأدبية عن مجمل انجازاته، وفي سنة 2002 نال جائزة أمير أستورياس كما كان أول أمريكي يحصل على جائزة سلطان بن علي العويس،  وفي سنة 1999 حصلت سيرته الذاتية خارج المكان على جائزة نيويوركر لفئة غير الروايات وحصلت في سنة 2000 على جائزة كتب أنسفيلد ولف لنفس الفئة، وجائزة مورتن داوين زابل للأدب ، كما دون اسمه كراعي فخري لجامعة الجمعية الفلسفسة وكلية ترينتي في دبلن بعد وفاته بوقت قصير في إحدى مستشفيات نيويورك عام 2003 نتيجة إصابته بمرض اللوكيميا ( سرطان الدم ).

About Post Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظة © 2020 مجلة السفير | Newsphere by AF themes.