الانتحار في الصين… كورونا تقضي على نجاحات مواجهة الظاهرة

بعدما نجحت الصين في احتواء ظاهرة الانتحار التي تفاقمت بشكل خطير منذ تسعينيات القرن الماضي، جاء فيروس كورونا وما رافقه من تداعيات الإغلاق الصارم للمدن ليعيد الظاهرة إلى الواجهة حتى تصبح خامس مسبب للوفاة في البلاد .

– انتحرت الطالبة الصينية لو فنغ، بالقفز من شرفة منزلها بمدينة شانغهاي في أبريل/نيسان من العام الماضي، جراء ظروف الحجر الصحي والعزل التي تعرض لها سكان المدينة أثناء جائحة كورونا.

لم يكن لدى لو فنغ، (24 عاماً)، تاريخ من معاناة اضطرابات نفسية، كما كانت تستعد للعودة إلى المملكة المتحدة من أجل استكمال دراستها بعد إجازة عيد الربيع (1 – 15 فبراير/شباط)، كما يقول تشي فنغ ابن عم الضحية، موضحا أنه عقب انقطاع عن الدراسة دام لأكثر من عامين بسبب إغلاق الصين حدودها وتشديد إجراءات السفر، بدت مؤشرات إيجابية بداية عام 2022، وكان من المقرر أن تسافر لو فنغ منتصف مارس/آذار، لكن السلطات أغلقت المدينة بسبب ظهور حالات إصابة جديدة، فما كان منها سوى إنهاء حياتها.

وخضعت مدينة شانغهاي لإغلاق كامل من قبل السلطات بسبب ارتفاع حالات الإصابة بفيروس كورونا في مارس 2022، وجرى فرض حجر صحي إلزامي استمر لأكثر من شهرين على سكان المدينة البالغ عددهم 25 مليون نسمة، ما أدى إلى تكرار حوادث مشابهة لحالة لو فنغ من أبرزها إقدام مسؤول لجنة الصحة في المدينة تشيان ون شيونغ 55 عاماً، على الانتحار في شهر أبريل/نيسان من العام الماضي، وعلى الرغم من أن البيان الحكومي لم يشر إلى طريقة الوفاة، إلا أن قصة انتحاره أثارت ضجة كبيرة كما يقول تشي فنغ المقيم في نفس المدينة، مشيرا إلى أن الأخبار المتداولة تتحدث عن أن المسؤول الصحي انتحر بسبب ساعات العمل المتواصلة والضغوط الكبيرة التي تعرضت لها الكوادر الطبية، إذ تم الإبلاغ عما يزيد على 20 ألف حالة إصابة بالفيروس على مدار 10 أيام متتالية.

ينتحر مائة ألف شخص في الصين سنويا، بمتوسط وفاتين وثماني محاولات انتحار كل دقيقة، وفق ما تكشفه بيانات صادرة عن المركز الطبي لصحة الدماغ في جامعة بكين (حكومي) مطلع عام 2022، والذي لفت إلى أن الانتحار أصبح السبب الرئيسي لوفاة من تتراوح أعمارهم بين 15 و34 عاماً.

ولا تنشر الدولة بصورة دورية بيانات حول أعداد المنتحرين حتى لا تنتشر المشاعر السلبية في المجتمع، كما يوضح الباحث في المعهد الصيني للعلوم النفسية والاجتماعية، دا بينغ مو، والذي أشار إلى أن المعهد الصيني للعلوم النفسية والاجتماعية أعد مطلع العام الماضي دراسة حول ظاهرة الانتحار، وقدم نتائجها في وقت سابق للجهات الحكومية المختصة مثل اللجنة الوطنية للصحة.

ويعد الانتحار خامس مسبب للوفاة في الصين بحسب دراسة المعهد الصيني والتي توضح أن معدل الانتحار بلغ 9.1 لكل مائة ألف شخص خلال عام 2021، كما أن عدد المنتحرين في عموم البلاد خلال الفترة الممتدة بين 15 يناير/كانون الثاني و15 يونيو/حزيران من عام 2022، بلغ 65 ألف حالة، وكانت وسيلة الانتحار الأبرز القفز من أماكن مرتفعة مثل الجسور والمباني السكنية (58 في المائة)، وفي المرتبة الثانية عمليات الشنق (24 في المائة)، وثالثاً تناول مبيدات سامة تستخدم لمكافحة الحشرات (13 في المائة).

ولفت الباحث الصيني إلى أن معدل انتحار الإناث 52 في المائة بينما الذكور 48 في المائة، كما أن معدل انتحار الأشخاص غير المتزوجين 71 في المائة والمتزوجين 29 في المائة.

خلال فترة التسعينيات انتحر ما يقرب من ثلاثمائة ألف صيني كل عام، إذ كان الانتحار مشكلة صحية عامة وخطيرة وكان عدد المنتحرين في الصين يمثل حوالي 40 في المائة من إجمالي حالات الانتحار في جميع أنحاء العالم آنذاك، ومع التنمية الاقتصادية التي شهدتها البلاد تراجعت معدلات الانتحار إلى الحد الأدنى من 18.1 لكل مائة ألف في عام 1990 إلى 8.6 لكل مائة ألف في عام 2015، بينما يكشف آخر تحديث لمنظمة الصحة العالمية والصادر عام 2021 أن نسبة الانتحار في الصين بلغت في عام 2019 أي قبل جائحة كورونا، 8.1 لكل مائة ألف شخص، بحسب دراسة للفهرس الطبي لإقليم غرب المحيط الهادئ، وهو جزء من مبادرة لانسيت الإقليمية للصحة العالمية التي تنشط في مجال جودة الرعاية الطبية وإمكانية الوصول إليها في دول الإقليم، منشورة في شهر فبراير/شباط من عام 2021.

وتبدو الانتكاسة في عودة معدلات الانتحار للارتفاع، مقارنة مع تسعينيات القرن الماضي، عبر بيانات دراسة المعهد الصيني للعلوم النفسية والاجتماعية التي كشفت أن 42 ألف حالة انتحار وقعت بسبب تداعيات عمليات الإغلاق والحجر الصحي، فيما توزعت الحالات الأخرى بين أسباب منها اضطرابات عقلية وعاطفية، ونزاعات أسرية، وخلافات شخصية، كما أن نسبة من استخدموا الانتحار كوسيلة للاحتجاج على ظروف احتجازهم في الحجر الصحي وتداعيات ذلك النفسية والاجتماعية، مثلت حوالي 86 في المائة من إجمالي المنتحرين خلال النصف الأول من عام 2022، في ظل محاولة 245 ألف شخص الانتحار خلال ذات الفترة كما يقول نائب رئيس جمعية الصحة النفسية بمدينة تيانجين، جيانغ ووي، موضحا أن هذا الرقم يستند إلى تقارير دورية تقدمها مراكز الصحة النفسية في البلاد، والتي ترصد إفادات المرضى الذين تمت معالجتهم، وأضاف أن الرقم الفعلي قد يكون أضعاف الرقم المعلن لأن عدداً كبيراً من المرضى الذين تراودهم فكرة الانتحار يحجمون عن زيارة الطبيب.

وأوضح أن الدولة تنبهت إلى خطورة الأمر، ما دفعها إلى تخصيص خطوط اتصال مجانية لتقديم خدمات الدعم النفسي للمحتاجين، خاصة في ظل وقوع سلسلة من حالات الانتحار في مناطق متعددة من الصين مثل مدينة لاسا (العاصمة التقليدية للتبت)، إذ سجلت المدينة في غضون يومين من شهر أغسطس/آب عام 2022، انتحار خمسة أشخاص عبر القفز من أماكن مرتفعة، بحسب تقرير لـ”الحملة الدولية من أجل التبت” (منظمة غير حكومية)، صدر في 29 سبتمبر/أيلول الماضي، وتوصل التقرير إلى أن جميع حالات الانتحار كانت بسبب الصعوبات الشديدة التي واجهها السكان في ظل قيود الإغلاق والحجر الصحي الصارمة.

لا تعتبر الثقافة الصينية الانتحار فعلاً مذموماً على غرار المجتمعات الأخرى، وإنما وسيلة للاحتجاج تعتبر الأسمى بين أقرانها نظراً لأن الفرد يضحي من أجل الجماعة، خصوصاً إذا كان الانتحار في سبيل قضايا أو قرارات مصيرية كما تقول الباحثة في مركز دونغوان للإرشاد والتأهيل النفسي (خاص)، لورا شانغ، موضحة أن التراث الشعبي الصيني يزخر بقصص عن منتحرين خلدت أسماءهم بسبب تضحياتهم، ولعل أبرزهم قصة الشاعر الذي مات منتحراً قبل آلاف السنين احتجاجاً على فساد الدولة، ولا يزال الصينيون حتى اليوم يحيون ذكرى وفاته كل عام في مهرجان قوارب التنين.

وتابعت شانغ: “خلال فترة الممالك المتحاربة في الصين (1027 ق.م إلى 278 ق.م) ظهر شاعر اسمه تشو يوان، كان يدعو في قصائده إلى الوحدة والتلاحم بين الممالك المختلفة، كما كان يطالب بالإصلاح في فترة استشرى فيها الفساد، ولأن صوته كان مؤثراً ومسموعاً، تم نفيه خارج بلدته الواقعة في مقاطعة خوبي وسط البلاد، فلم يحتمل ذلك، وقرر أن ينتحر، فألقى نفسه في نهر مي لو، وعندما علم سكان القرية المحيطة بالنهر بأمر انتحاره، هرعوا إلى المكان لإنقاذه، وبدأوا بإلقاء لفائف الأرز في قاع النهر لدرء خطر الأسماك الجائعة عنه، وشرعوا في قرع الطبول وافتعال الضجيج والأصوات الصاخبة لطرد الأرواح الشريرة من المكان، غير أنّ محاولاتهم المتكررة لم تفلح في استعادة شاعرهم، لتخلّد ذكراه في ما بعد، ويصبح أيقونة شعبية”.

ومثل هذه القصص لا تزال حاضرة في أذهان الصينيين وربما كانت محركاً ودافعاً قوياً عند بعض المنتحرين كما توضح الباحثة شانغ أن معظم الحالات التي تتردد على المركز من الأشخاص الذين فكروا بالانتحار، أفادوا بأنهم فكروا في فعل ذلك لتسجيل اعتراضهم على شيء ما، سواء ما يتصل بفشل علاقة عاطفية، أو نزاع أسري، أو تنمر اجتماعي، ولفتت إلى أن ذلك يشير إلى أي حد قد تأثرت الأجيال الجديدة بتلك الثقافة.

وحول الطريقة التي تتعامل فيها الدولة مع هذه الظاهرة، وإن كانت هناك قوانين للحد منها، أوضحت الباحثة الصينية أنه لا توجد قوانين نافذة أو رادعة، لأن الدولة تعتمد على تدابير وقائية أخرى لمنع السلوكيات ذات العواقب المميتة بهدف الحد من الوفيات الناجمة عن الانتحار، مثل السيطرة على الأسلحة النارية وحظر المواد السامة، إلى جانب الإرشاد النفسي، فضلا عن أن الانتحار خيار شخصي، وحتى لو فشل المنتحر في وضع حد لحياته، لا يترتب على ذلك أي عقوبة، وفي أفضل الأحوال يحال من قبل أهله وذويه إلى مراكز التأهيل، وأضافت أن دور الدولة يقتصر على تمويل عشرة مراكز في كل مقاطعة تعمل على مواجهة الظاهرة عبر الأنشطة الخاصة بتوعية المجتمع بخطورة الانتحار، وهو أمر يلقي العبء الأكبر على كاهل مؤسسات ومراكز الإرشاد النفسي، ولفتت إلى أن عدد الأطباء النفسيين غير كاف وليس متاحاً لكافة الفئات في مجتمع يبلغ تعداده 1.4 مليار نسمة.

واستندت في ذلك إلى تقرير صادر عن اللجنة الوطنية للصحة في شهر يوليو/تموز الماضي، ورد فيه أن عدد الأطباء النفسيين في البلاد بلغ 40 ألف طبيب فقط، بمعدل 3.8 واحد لكل مائة ألف شخص وهي نسبة متدينة جداً مقارنة بدول أخرى مثل الولايات المتحدة التي تصل فيها نسبة الأطباء النفسيين إلى 12 طبيباً لكل مائة ألف شخص.

 

نقلاً عن صحيفة العربي الجديد اللندنية – تحقيق: علي أبو مريحيل

 

About Post Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظة © 2020 مجلة السفير | Newsphere by AF themes.