التلوث في الصين… اتفاقية باريس تذهب أدراج الرياح

تذهب تعهدات الصين في اتفاقية باريس للمناخ بالحد من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون أدراج الرياح، إذ تتوسع في توليد الطاقة عبر الوقود الأحفوري، وعلى رأسه الفحم، في ظل منافسة مع أميركا على ريادة الثورة الصناعية الرابعة.

– اضطر الخمسيني الصيني ووي مينغ، إلى مغادرة قريته الواقعة على ضفاف نهر لو جيانغ في مقاطعة خنان وسط البلاد قبل عام، بسبب ارتفاع معدلات التلوث في النهر الذي كانوا يعتمدون على مياهه في الشرب والزراعة.

يقول مينغ لـ”العربي الجديد”: “250 أسرة في قريتنا كانت تعتمد أساساً على مياه النهر، وخلال العامين الماضيين لاحظنا ارتفاعاً في معدلات الإصابة بالتسمم، وخصوصاً بين الأطفال، وبعد تحليل عينات المياه منتصف عام 2021، اتضح أن السبب يعود إلى إلقاء نفايات ومخلفات المصانع الموجودة في مدينة جوتشو المجاورة في النهر”.

ويوجد على ضفاف لو جيانغ 15 مصنعاً، أدت نفاياتها وما تحويه من معادن ثقيلة إلى إتلاف 3 آلاف كيلومتر مربع من الأراضي الزراعية في المنطقة، بحسب ما يوضحه لي مانغ يون، الخبير في مركز السيطرة على الأمراض والوقاية منها بمدينة جوتشو، مشيراً إلى أن انبعاثات الكربون في مدينة جوتشو تقدَّر بنحو 125 مليون طن سنوياً، وفق نتائج بحث أكاديمي عن حجم الانبعاثات في المدن الصناعية بالصين.
كيف يدمر التلوث حياة الصينيين؟
تُعَدّ أسرة ووي مينغ، واحدة من بين 76 عائلة غادرت المنطقة خلال الفترة الممتدة من يونيو/حزيران 2021 وحتى يونيو 2022 بسبب التلوث البيئي الناجم عن انبعاثات الكربون والمخلفات الصناعية، حسب ما أفاد المختص لي مانغ يون، مؤكداً وجود مستويات “غير آمنة” من عنصري الفلورايد (سام وضار بالبيئة) والزرنيخ (مادة شديدة السمية) في المياه والآبار الجوفية بالمدينة البالغ عدد سكانها 4 ملايين نسمة، ما جعل جوتشو، واحدة من أكثر عشر مدن تلوثاً في البلاد خلال العقد الأخير.

وتعد جوتشو واحدة من أولى المدن التي احتضنت الصناعات الثقيلة بعد تأسيس جمهورية الصين الشعبية في عام 1949، إذ يوجد فيها 55 مصنعاً، وكانت موطناً لصناعات الاسمنت والكيماويات والصلب كثيفة الاستهلاك للطاقة وشديدة التلوث، ولفت بمقتضى عمله في مركز السيطرة على الأمراض والوقاية منها، إلى أن 25 مليون شخص في مقاطعة خنان وسط البلاد يعانون من أمراض تنفسية ناتجة من التعرض المفرط لانبعاثات الكربون الناتج من المصانع، بينما يتعرض 87 مليوناً آخرين للخطر ذاته، ولكن بدرجة أقل.
وبلغ نصيب الفرد (مقارنة بعدد السكان) من انبعاثات الكربون في الصين 10.1 أطنان في العام، أي إنها حوالي نصف مثيلتها في الولايات المتحدة المقدرة بـ 17.6 طناً في العام، وهي الأكبر في العالم منذ عام 2006 حتى اليوم، ويشكل البلدان معاً أكثر من 40 في المائة من انبعاثات الكربون العالمية، بحسب دراسة “سعي الصين الدؤوب لتحقيق الحياد الكربوني بحلول عام 2060″، الصادرة في نوفمبر/ تشرين الثاني عام 2021 عن معهد البحوث والدراسات الصينية، (منظمة غير حكومية مقرها هونغ كونغ).

ويهيمن الفحم على إنتاج الطاقة في الصين، إذ يمثل 57 في المائة، بينما في أوروبا وأميركا نسبته 30%. ومع ذلك، لا تزال محطات الطاقة التي تعمل بالفحم في الصين تتزايد. بالإضافة إلى ذلك، حددت الصين هدفاً من “بلوغ ذروة الكربون” إلى “حياد الكربون” خلال الفترة بين 2030 و2060، وهي أقصر من الفترة الانتقالية التي تراوح بين 50 إلى 70 عاماً لأوروبا وأميركا.

اتفاقية باريس للمناخ تذهب أدراج الرياح
وقّعت الصين في 12 ديسمبر/ كانون الأول 2015 اتفاق باريس للمناخ ضمن 194 دولة تعهدت بالحد من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري، وبالتالي احتواء الاحترار العالمي لأقل من درجتين، أو تحديداً إلى درجة ونصف، وتعهد الرئيس الصيني شي جين بينغ، بالانتقال إلى وضع تنموي صديق للبيئة عبر كبح انبعاثات ثاني أكسيد الكربون في البلاد قبل عام 2030 وتحقيق الحياد الكربوني قبل عام 2060، ووعد بالتخلص التدريجي من إنتاج الطاقة عبر بالفحم، والاتجاه نحو الاعتماد المطلق على الطاقة الخضراء، وفق تقرير “الصين على المدى الطويل، تنمية منخفضة الكربون”، الصادر عن معهد تغير المناخ والتنمية المستدامة بجامعة تسينغهوا في بكين (حكومي).
لكن الحكومة الصينية أمرت منتجي الفحم، منتصف العام الماضي، بزيادة طاقتهم الاستخراجية بمقدار 300 مليون طن خلال عام 2022، أي ما يعادل شهراً إضافياً من إنتاج الفحم في البلاد، خوفاً من نقص الطاقة، حسبما كشفت منظمة Greenpeace غرين بيس (عالمية غير حكومية)، في تقريرها الصادر في يوليو/ تموز الماضي بعنوان “تفاقم محطات الفحم في الصين”، الذي كشف عن سماح الصين في الربع الأول من عام 2022، بعمل مناجم فحم بسعة إجمالية تبلغ 8.63 غيغاوات، بنسبة زيادة تصل إلى حوالى 48 في المائة مقارنة بالعام السابق 2021.

وفي ظل حالة الركود الاقتصادي التي سببتها جائحة كورونا، يبدو أن مستقبل الصين الخالي من الكربون أكثر ضبابية من أي وقت مضى، خصوصاً أن بكين عاقدة العزم على مضاعفة الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2035 لتتجاوز الولايات المتحدة، غير أن عمليات الإغلاق المتكررة بسبب الوباء وتخفيض إنتاج الطاقة الكهرومائية، أدت إلى تراجع حاد في معدلات النمو الاقتصادي، وبالتالي لم يكن أمام بكين من خيار سوى العودة إلى الفحم لتوليد الكهرباء بشكل واسع، كما أوضح دونغ يي عميد كلية الاقتصاد السابق في جامعة جينان، (حكومية جنوبيّ الصين)، وقال: “لطالما وعدت الصين بالتخلص التدريجي من إنتاج الطاقة عبر الفحم، ولكن بسبب الأزمات المتعاقبة دأبت خلال السنوات الأخيرة على بناء المزيد من محطات الطاقة في الداخل، في محاولة لضمان الاكتفاء الذاتي”.

وبنت الصين 225 محطة لتوليد الطاقة داخل حدودها خلال الخمسة أعوام الماضية، كما يقول لي مانغ يون، مضيفاً أن خطورة ذلك تتمثل في أن استمرار توليد الطاقة عبر الفحم سيسهم في ارتفاع درجة حرارة الأرض من 3 إلى 4 درجات مئوية، وهو ما يتناقض مع تعهدات الصين بشأن اتفاق باريس للمناخ بالحد من ارتفاع درجات حرارة الأرض بنسبة 1.5 درجة مئوية، ما عرقل خطط التحول إلى مصادر الطاقة المتجددة، وتقويض آفاق الصين للوفاء بالتزاماتها تجاه اتفاق باريس للمناخ، وتابع: “في ظل التحديات التي تعرّض لها الاقتصاد الصيني، فإن أولوية الحكومة تعزيز الناتج المحلي الإجمالي بغض النظر عن تداعيات ذلك على التزامات البلاد الدولية بشأن تقليل انبعاثات الكربون”.

تناقضات متواصلة مع تعهدات بكين
وافقت الحكومة الصينية في عام 2020 على توليد جديد لـ47 غيغاوات من الطاقة عبر الفحم، أي أكثر من ثلاثة أضعاف السعة المعتمدة في عام 2019. ووافقت في عام 2021 على 73 غيغاوات أخرى، أي أكثر من خمسة أضعاف الكمية المقترحة في ذلك العام والمقدرة بـ 13 غيغاوات، فضلاً عن أن 85 في المائة من استهلاك الطاقة الأولية في الصين لا يزال يأتي من الوقود الأحفوري، وهو ما يتناقض مع تعهدات الصين بكبح انبعاثات ثاني أكسيد الكربون قبل عام 2030، حسب دراسة صادرة في فبراير/ شباط 2021 عن مركز أبحاث الطاقة والهواء النظيف (CREA – منظمة غير حكومية مقرها فنلندا) بعنوان الصين تهيمن على الفحم في عام 2020.

في ظل المعطيات الراهنة، كيف ستخرج الصين من معضلة الاعتماد على الوقود الأحفوري مع تدفق الكثير من الاستثمارات على إنتاج الطاقة عبر الفحم والنفط والغاز، واعتماد البلاد بصورة أقل على الطاقة الشمسية وطاقة الرياح؟ يردّ المتخصص في مركز النجمة الخضراء لدراسات الطاقة النظيفة بمدينة شيامن شرقيّ البلاد، لو جوان، قائلاً: “حقيقة، لا توجد فرصة في أن يحقق شي هدفه الخاص بعدم انبعاثات الكربون، لا يستطيع نزع الكربون من الاقتصاد، لأنه منذ أيام الزعيم الصيني الراحل ماو تسي تونغ، كان الحزب الشيوعي ملتزماً تجاوز الولايات المتحدة لتصبح الصين الاقتصاد الرائد في العالم، وهذا لا يترك لـ شي خياراً سوى تعظيم نمو الصناعات ذاتها التي تدفع الانبعاثات خارج المخططات، بما في ذلك توليد الكهرباء باستخدام الفحم”.
كذلك “هناك حواجز أخرى لا يمكن التغلب عليها لإزالة الكربون من الصين، إذ تعد البلاد موطناً لأكبر تجمع في العالم للصناعات كثيفة الكربون، التي يصعب تخفيفها، مثل: الألومنيوم والطيران والأسمنت والكيماويات وبناء السفن والصلب. كذلك نصف الانبعاثات في الصين تأتي من صناعات لا يمكن إزالة الكربون عن معظمها باستخدام التكنولوجيا الحالية (صناعة الطائرات والغواصات والسفن)، وبالتأكيد ليس الوقت مناسباً للصين لتجنب الاحتباس الحراري العالمي وانهيار المناخ في ظل الوضع الاقتصادي العالمي” كما يؤكد الباحث لو جوان.

تنافس مع أميركا
على مدار العقود الماضية، سعى الحزب الشيوعي إلى التربع على عرش الاقتصاد والتنمية في العالم، وغالباً ما رأى قادة الحزب التكنولوجيا والتقدم الصناعي من منظور سياسي، باعتبار الأمر وسيلة لتعزيز القوة الشاملة للصين وتجنب التبعية للغرب، إذ كان يُنظر إلى “حقبة الذل” التي امتدت من حروب الأفيون إلى تأسيس جمهورية الصين الشعبية في عام 1949، على أنها نتاج فشل البلاد في تحقيق النهضة الصناعية لذلك، في عام 1958 طرحت الدورة الثانية للمؤتمر الوطني الثامن للحزب الشيوعي الصيني الخط العام للبناء الاشتراكي الذي يقوم على أساس التفوق الصناعي، وفق ما جاء في صحيفة الشعب الصينية الناطقة باسم الحزب الشيوعي الصيني في عددها الصادر في 16 أغسطس/آب 2018، ويعتقد دونغ يي، أن الصين في وضع جيد يمكنها من التفوق على الولايات المتحدة في المنافسة على ريادة الثورة الصناعية الرابعة وأن لديها ثلاث مزايا رئيسية: الاستثمار الهائل في البحث والتطوير العلمي، وعجلة التصنيع الضخمة التي تتفوق على جميع القوى الصناعية، .ومصادر الطاقة والمواد الخام.

وعن دور وحجم الصناعات التي تسبب انبعاثات ثاني أكسيد الكربون في استراتيجية التفوق الصينية، قال لو جوان: “من المؤسف أن الصناعات الثقيلة تمثل حوالى 65 في المائة من قوة البلاد الصناعية، وتتركز جميعها في وسط البلاد وفي شمالها، مثل: أفران الطوب، ومحطات توليد الكهرباء بالفحم، ومصانع الصلب، وحاولت الصين في أعقاب توقيع اتفاق باريس للمناخ تقليص حجم هذا النوع من الصناعات بسبب انبعاثات ثاني أكسيد الكربون التي كانت قبل سنوات تغطي سماء العاصمة بكين، غير أن جائحة كورونا التي ضربت البلاد في مطلع عام 2020، جعلت بكين تعيد حساباتها بسبب الركود الاقتصادي، فأطلقت العنان من جديد للمصانع التي تعمل بالوقود الأحفوري، من أجل تسريع وتيرة الإنتاج، الأمر الذي حال دون قدرتها على التزام تعهداتها الدولية التي قطعتها في وقت سابق.

 

نقلاً عن صحيفة العربي الجديد اللندنية – تحقيق: علي أبو مريحيل

 

About Post Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظة © 2020 مجلة السفير | Newsphere by AF themes.