الحزب الشيوعي الصيني .. مائة عام من السلطة المطلقة

تحتفي الصين هذا الشهر بالذكرى المئوية لتأسيس حزبها الشيوعي وسط اضطرابات كبيرة تشهدها البلاد على عدة صعد، يأتي في مقدمتها، تأزم العلاقات مع الولايات المتحدة وارتدادات ذلك سياسياً واقتصادياً، بالإضافة إلى إثارة ملف حقوق الإنسان في إقليم شينجيانغ، وتضاؤل هامش الحريات في جزيرة هونغ كونغ، والتوترات الأمنية في مضيق تايوان، فضلاً عن النزاعات الحدودية مع دول الجوار.

غير أن ما يهيمن على هذه المناسبة ملفات أخرى لها علاقة بمستقبل الحزب بعد قرن من تأسيسه في ظل التحديات التي يواجهها داخلياً وخارجياً، ولعل أبرزها: التعديل الدستوري الذي أجراه الأمين العام للحزب والرئيس الحالي للبلاد، شي جين بينغ، وذلك بعد شطب البند الخاص بتحديد مدة ولاية الرئيس، الأمر الذي طرح تساؤلات حول شكل القيادة الجديدة التي كانت قد تجاوزت منذ عقود فكرة قيادة الفرد الواحد الملهم.

وكذلك إلغاء سياسة تحرير الاقتصاد من قبضة الحزب التي أطلقها الزعيم الراحل دينغ شياو بينغ ضمن خطة الإصلاح والانفتاح، بالإضافة إلى قضايا أخرى تمس مسيرة التنمية، مثل: شيخوخة السكان، ومعالجة الفجوة الكبيرة بين طبقات المجتمع الصيني بما يتناقض مع القيم الاشتراكية التي ينادي بها الحزب.

هذا وكان الحزب الشيوعي الصيني الذي يبلغ عدد أعضائه 92 مليوناً، قد تأسس في شهر يوليو/تموز 1921، ويعتبر واحداً من أكبر الأحزاب السياسية في العالم. مرّ الحزب الذي يتخذ من الماركسية اللينينية نهجاً له، بمراحل ومحطات تاريخية هامة، يمكن تلخيصها في أربع فترات، أولاً: الفترة الثورية التي استمرت ثلاثة عقود وشهدت خوض حروب ضد الاستعمار الياباني، وكذلك الاقتتال الداخلي في إطار الصراع على السلطة ضد الحزب الوطني كومينتانغ. ثانياً: فترة ماو تسي تونغ، التي شهدت تأسيس جمهورية الصين الشعبية عام 1949  وما تخلل ذلك من محطات بارزة بدأت بالقفزة الكبرى إلى الأمام والتي هدفت إلى تحويل البلاد من الزراعة إلى الصناعة في زمن قياسي، وانتهت بالثورة الثقافية التي كانت في مضمونها أيضاً صراعاً على السلطة تحت شعار الحرب على الرجعية والطبقة البرجوازية داخل الحزب.

ثالثاً: فترة الإصلاح والانفتاح في عهد دينغ شياو بينغ، صاحب مقولة (لا يهم إن كان لون القط أسود أم أبيض مادام يستطيع أن يصطاد الفأر)، في إشارة إلى عدم أهمية شكل النظام سواء كان اشتراكياً أو رأسمالياً مادام قادراً على تحقيق الإصلاح والتنمية. وقد شهدت هذه الفترة التحول من

الاقتصاد الموجّه إلى اقتصاد السوق، وساهم ذلك في نهضة الصين لتصبح فيما بعد ثاني أكبر اقتصاد على مستوى العالم.

رابعاً: فترة الرئيس الحالي شي جين بينغ، الذي يعتبر الرجل الأقوى في الحزب بين أسلافه منذ رحيل ماو تسي تونغ. تولى شي السلطة عام 2012، في فترة أتاح التوسع الاقتصادي لأعضاء الحزب بالكسب غير المشروع، فأطلق حملته الشهيرة لمكافحة الفساد وطالت شخصيات بارزة، ما دفع مراقبون للقول بأن الحملة تستهدف في المقام الأول تصفية الخصوم لتمهيد الطريق أمامه نحو سلطة مطلقة. وكذلك أحكم قبضته على الجيش، واتخذ إجراءات غير مسبوقة في تاريخ الحزب، تمثلت في إلغاء بند خاص بتحديد ولاية الرئيس، ما يعني تنصيب نفسه رئيساً إلى ما لا نهاية، بالإضافة إلى إدراج أفكاره في دستور الحزب على خطى الزعماء التاريخيين.

في هذا الشأن قال الباحث في معهد كولون للدراسات الاستراتيجية بهونغ كونغ، فرانك تشو، في بعد مائة عام من تأسيس الحزب الشيوعي الصيني، نجد أنفسنا أمام سؤال عما تبقّى من القيم الإشتراكية، وعن دور ومكانة العمّال والفلاحين المنسيين بطبيعة الحال على هامش مجتمع تستفحل فيه الرأسمالية. معتبراً ذلك مؤشراً على إخفاق وتراجع عن ما تأسس الحزب من أجله قبل قرن.

وعن التحديات التي يواجهها الحزب داخلياً، اعتبر فرانك مسألة القيادة واحدة من أبرز المعضلات التي سيقف أمامها الحزب في مؤتمره العشرين الذي سيعقد العام المقبل، على اعتبار أن شطب البند الخاص بمدة ولاية الرئيس، سيصعب فكرة طرح قيادات بديلة، حتى بعد أن يكون

الرئيس الحالي قد أنهى ولايته الثانية عام 2022، ما يعني احتمال التمديد لفترة ثالثة، وبذلك سيكون شي أول رئيس للصين يحكم البلاد ثلاث فترات متتالية.

وأضاف بأن عدم حل هذه المسألة قد يؤدي إلى اضطرابات كبيرة داخل الحزب في المستقبل القريب، وسيمثل خرقاً لالتزامات ضمنية بين قيادات الصف الأول، تؤكد على وجوب التنازل عن السلطة بشكل سلمي عند اقتراب الرئيس من عقده السبعين. يشار إلى أن الرئيس شي جين بينغ، يبلغ من العمر 68 عاماً. في المقابل، قال أستاذ الدراسات السياسية في جامعة صن يات سن، وانغ جو، هناك الكثير من السلبيات التي يركز عليها الإعلام الغربي في حديثه عن المئوية الأولى، لكن هذا يجب ألا يجعلنا نغفل عن دور الحزب الشيوعي في طرد القوى الاستعمارية وتوحيد الصينيين، وقيادة شعب هو الأكثر عدداً في العالم لمدة قرن كامل، والنهوض باقتصاد البلاد إلى مصاف الدول الكبرى. ولفت أنه مع تفشي فيروس كورونا في العالم، كانت الصين أول دولة تنجح في مكافحة الوباء والسيطرة عليه، وذلك بفضل الإجراءات القوية التي فرضتها الدولة الممثلة بالحزب الشيوعي، وأضاف بأن تجربة الصين باتت مرجعاً لبقية الدول. فضلاً عن تقديمها مساعدات طبية لمعظم دول العالم بمن فيها الولايات المتحدة التي تناصبها العداء. وأشار وانغ، إلى أن الشعب الصيني يثق بقيادته، ويدرك حجم الإنجازات التي تحققت خلال مائة عام، ويلمس ذلك من خلال مواقف الصين الدولية وقدرتها على الدفاع عن حقوقها وسيادتها، وحجم التحدي الذي تمثله لدول أخرى تخشى نموها وتقدمها.

About Post Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظة © 2020 مجلة السفير | Newsphere by AF themes.