الدروس المستفادة من سقوط سلطان كازاخستان

تقارير مترجمة/ إعداد رولا ضاهر

 

شهدت كازاخستان منذ مطلع يناير/كانون الثاني الماضي، انتفاضة شعبية خرج فيها الشعب الكازاخي احتجاجاً على ارتفاع أسعار الوقود، وسرعان ما انتهى الأمر إلى المطالبة بإقالة الحكومة وإجراء انتخابات حرة نزيهة. كانت ستة أيام من الاضطرابات منذ بداية العام الجديد كفيلة بإنهاء ثلاثة عقود من حقبة نور سلطان نزارباييف، التي بدأها بمنصب الرئيس حتى عام 2019 ثم “قائد الأمة”، المنصب الذي منحه سلطات واسعة وحصانة قانونية مدى الحياة. وقد انطلقت التظاهرات الحاشدة في اليوم الأول من يناير/كانون الثاني، مُفضية إلى أعمال عنف غير مسبوقة في عدد من المدن راح ضحيتها المئات. وصدمت هذه الاحتجاجات وأعمال الشغب النظام الذي بناه نظربایيف وحصنه طيلة 30 عاما، ومنحت خليفته الصوري، الرئيس “قاسم جومارت توكاييف”، الدافع اللازم لإفلات البلاد أخيرا من قبضة نزارباييف.

مهَّد نزارباييف الطريق أمام توكاييف حينما تنحَّى عن الرئاسة عام 2019، وقد احتفت وسائل الإعلام حينها بالخبر مع تمنيات بتغيير حقيقي. لكن سرعان ما بدا جليا أن نزارباييف لن يرحل، إذ أعاد توكاييف تسمية أستانة، عاصمة البلاد، باسم نورسلطان تكريما لسلفه، في حين بقي نزارباييف على رأس حزب “نور أوتان” (تعني بالعربية نور الوطن) ورئيسا لمجلس الأمن، وهو هيئة استشارية دستورية. وظل نزارباييف علاوة على ذلك يُمثِّل كازاخستان في المحافل الدولية الكبرى (وكان آخر ظهور له في قمة رابطة الدول المستقلة بسان بطرسبرغ في ديسمبر/كانون الأول 2021)، وظهرت الحقيقة لا تخطئها عين بأن نزارباييف لا يزال صاحب اليد العليا.

بيد أن الحال لم يعد كذلك. وعلى الرغم من غموض تسلسل الأحداث، يبدو أن الاضطرابات الشعبية طوال شهر يناير/كانون الثاني عجَّلت بالشقاق بين جماعة نزارباييف وتوكاييف، وثمَّة مزاعم بأن الرئيس السابق استخدم شبكة علاقاته لتحريك الهجمات وإثارة الفوضى في “ألماتي”، أكبر مدن كازاخستان، هادفا بذلك إلى الإطاحة بالرئيس الحالي. وفي المقابل، استدعى توكاييف جنودا من “منظمة معاهدة الأمن الجماعي” -تحالف إقليمي بقيادة روسيا- للمساعدة في إخماد الاضطرابات وتأمين الحكومة. وحتى الآن، يبدو توكاييف منتصرا، بتوليه السلطات التنفيذية كاملة، وتجريد نزارباييف من منصبه رئيسا لمجلس الأمن، وإقالة واعتقال الرموز السياسية الموالية له.

حتى مطلع يناير/كانون الثاني، حَكَم نزارباييف كازاخستان حكما فعالا على مدار العقود الثلاثة التي هي عُمر البلاد منذ استقلالها. وقد أشرف الرئيس الأول للبلاد على تحوُّل كازاخستان الهائل نحو اقتصاد السوق، وسعيها إلى الاستفادة من الاحتياطي الكبير لديها من البترول والغاز. فعلى غرار روسيا، سارعت كازاخستان في التسعينيات إلى تبني إصلاحات اقتصادية عبر العلاج بالصدمة. وقد فكَّك الإصلاحيون الكازاخ، بتوجيه من استشاريين تابعين للمؤسسات المالية الدولية مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، دولة الرفاه السوفيتية جزءا من محاولة كاسحة لتأسيس اقتصاد سوق، وخفَّضوا وخصخصوا جزئيا مخصصات اجتماعية كانت شاملة وقائمة على أساس المساواة في السابق.

ما لبث أن ظهر تناقض صارخ بين مناطق الثروة ذات الثقافة العالمية البرَّاقة، الظاهرة في وسط مدينة ألماتي، وبين ضواحي المدينة الأفقر والمناطق الريفية المُعدَمة. ولم يستفد عامة الكازاخيين استفادة كبيرة كما كان مفترضا من الثروة الناتجة عن تلك التغييرات، فلم تُوزَّع العائدات أبدا بالتساوي، بل ساعدت في تأسيس طبقة من أصحاب رؤوس الأموال وأعوانهم الذين دعموا نظام نزارباييف بينما تزايد فساده يوما بعد يوم.

كان مستصغر الشرر الذي أشعل معظم النار الشهر الماضي هو إصلاح آخر من أجل تحرير السوق. ففي الأول من يناير/كانون الثاني، رفعت الحكومة سقف أسعار البيوتان والبروبان على أمل التخلُّص من العجز الناتج عن أشكال معينة من الدعم، وقد أدَّى ذلك إلى ارتفاع تكلفة الغاز النفطي المُسال إلى الضِّعْف، وهو الوقود الأرخص الذي يستخدمه معظم الناس في غرب كازاخستان لتشغيل سياراتهم. وقد أشعل الغضب جرَّاء ارتفاع الأسعار الاحتجاجات في مدينة جاناوْزِن، مدينة في شرق كازاخستان، وسرعان ما تحوَّلت الاحتجاجات إلى موجة شملت جميع أنحاء البلاد.

سرعان ما تحوَّل السخط الذي بدأ في جاناوْزِن بسبب ارتفاع أسعار الوقود إلى موجة غضب سياسية أوسع. وقد وجَّه الكازاخيون حنقهم نحو نزارباييف ونظامه الذي بناه، مطالبين بخلع الحكومة وإجراء انتخابات حرة ونزيهة، وسرعان ما تجمَّع الناس في ميادين المدينة مُنشدين نشيد البلاد الرسمي ومُلوِّحين بعلم كازاخستان. هذا وأظهرت الاحتجاجات أن 30 عاما من بناء الدولة استطاعت على الأقل خلق شريحة فاعلة من المواطنين، إذ هتفت الجموع “شال كِت” أو “ارحل أيها العجوز”، وهي دعوة ذات لهجة غير متحفظة إلى نزارباييف، البالغ من العمر 81 عاما، كي يترك السلطة.

تمتع نزارباييف لسنوات بدعم شعبي مُخلِص. فقد امتطى إصلاحات الرئيس السوفيتي، “ميخائيل غورباتشوف”، ووصل بها إلى قمة جمهورية كازاخستان الاشتراكية السوفيتية، وكان يُنظر إليه على أنه شديد التمكُّن وذو عقل متفتح وكاريزما. أما بعد ثلاثة عقود، فقد تلطَّخت هذه الصورة اللامعة يوما ما، إذ استهزأ كثير من الكازاخيين بالنظام الذي بناه نزارباييف بوصفه نظاما ظالما وفاسدا حتى النخاع. وبات أفراد عائلته وأصدقاؤه ضمن أكثر الشخصيات نفوذا في البلاد، مع احتلالهم المناصب المرموقة، كما أنهم صُنِّفوا ضمن أغنى أغنياء الكوكب، ويحيون حياة بالغة البذخ والاستهلاكية. هذا ونخر الفساد قَلب الحكم، حيث كوفئ موظفو الدولة على ولائهم لأعوان نزارباييف لا على فطنتهم وكفاءتهم.

في الوقت نفسه، استخدم النظام أساليب مألوفة لقمع المعارضة السياسية من خلال الترغيب والترهيب. فقد مارس ضغطا مستمرا على الإعلام المستقل، وهمَّش جماعات حقوق الإنسان، وسعى إلى الإعلاء من تقدير شخصية الحاكم، نزارباييف، في ظل غياب أي أيديولوجيا سياسية واضحة.

لربما صار الانتقال السياسي مستحيلا حينئذ، بيد أن هذا لم يعنِ موت التوترات السياسية، بل على العكس، اشتدت الخصومة داخل العائلة الحاكمة وبلاط الحكم وأحيانا ما ظهرت إلى العلن. ففي عام 2001، أُقيل زوج ابنة نزارباييف، “راحَت علييف”، من منصبه النافذ رئيسا للجنة الأمن القومي، وذلك بعد تدبيره محاولة انقلاب مزعومة. وقد اتهمت السلطات أربعة رؤساء آخرين لهذه اللجنة -بمَن فيهم “كريم ماسِّيموف” حليف نزارباييف في الاضطرابات الحالية- بالخيانة على مدار العقود الثلاثة الماضية، ما يعكس عدم استقرار متأصل في النظام الكازاخي.

هزَّت انتفاضة الشهر الماضي النظام السياسي في كازاخستان بقوة. وقد سارع توكاييف، الذي يمارس السلطة التنفيذية منفردا الآن، إلى إظهار تفهُّمه للمزاج الشعبي، فأعلن عن تغييرات اقتصادية ووعد بإصلاحات سياسية مستقبلا.

وبالفعل، فقد تحدَّد بوضوح اتجاه الإصلاحات الاجتماعية-الاقتصادية، حيث يريد توكاييف بناء دولة رفاه حديثة، وقد اعترف في خطابه أمام البرلمان في 11 يناير/كانون الثاني بالتوزيع الإشكالي للثروة في البلاد وتراكم عائدات النمو الاقتصادي في جيوب طبقة محدودة، وانتقد الهيئات الحكومية لتقزيمها المعاناة الاقتصادية في البلاد، وتغطيتها على “الوضع الحقيقي بكلمات مثل (المنتجين من أصحاب المهن الحرة والعمالة غير الرسمية)”، مما جعل كثيرين “في حالة بطالة وعدم أمان اجتماعي”، ودعا في الأخير إلى “تجديد نوعي في السياسات الاجتماعية وسياسات العمل”.

من ضمن التدابير التي اقترحها توكاييف إدخال إصلاح على قرارات تخصيص الموازنات بين المركز والأقاليم، وتبنِّي كود اجتماعي من شأنه تحديد اتجاه جديد لسياسة الحكومة، وليكون بمنزلة “أساس جوهري للعقد الاجتماعي الجديد”، وتنمية العمالة المستهدفة وبرامج التعليم، بالإضافة إلى إنشاء صندوق بين القطاعين العام والخاص بهدف حل المشكلات الاجتماعية والاقتصادية. وتُرجِّح هذه الإصلاحات أن توكاييف يعي مطالب الشارع، كما تعكس اتجاها دوليا يتنامى بعيدا عن اقتصادات السوق الحرة ونحو تحسين أوجه حماية الرفاه الاجتماعية.

على جانب آخر، لا يزال اتجاه الإصلاحات السياسية مُبهَما. فقد أدَّت أحداث الشهر الماضي إلى هزة سياسية مع إعادة توزيع السلطة على رأس الهرم السياسي. ويأمل المتفائلون أن يمحو توكاييف أبغض ملامح حقبة نزارباييف، بيد أن النظام السياسي -في جوهره- يبقى على حاله دون تغيير حتى اللحظة، هذا وأبدى توكاييف سابقا رغبته في تحسين قنوات التواصل والثقة بين الدولة والشعب، لكن مثل هذا الخطاب ثبت أنه مجرد قول دون فعل.

أيضا سوف يتعيَّن على توكاييف الاشتباك مع القلق الشعبي إزاء لجوئه إلى روسيا طلبا للمساعدة. فقد أبرزت الانتفاضة إلى أي مدى لا تزال كازاخستان ونخبها معتمدة على روسيا، ومدى الرغبة الشعبية في وجود سيادة حقيقية للبلاد. وقد صُدم كثير من الكازاخيين بسبب قرار توكاييف دعوة قوات “منظمة معاهدة الأمن الجماعي”، ونظروا إلى هذا التحرُّك على أنه خيانة لاستقلال كازاخستان. ويخشى كثيرون أن يُقوِّي هذا الأمر شوكة الاستعماريين الجدد من الروس الذين يُشكِّكون بحق كازاخستان في مناطقها الشمالية المتاخمة للحدود الروسية، لا سيما وقد صارت روسيا تحت حكم الرئيس فلاديمير بوتين أكثر حزما في فضائها السوفيتي السابق، وهو ما يفاقم من قلق ومخاوف كازاخيين كُثُر.

ستُثير كلٌّ من التظاهرات ودعوة القوات الروسية للمساعدة في حل الأزمة انعكاسات أكبر بين النخبة المثقفة في البلاد وبين العامة حول وضع كازاخستان. وقد تُحفِّز الهزة التي تعرَّض لها النظام السياسي الكازاخي وانكشاف أكبر أوجه القصور فيه تحسين أساليب الحكم، وربما تدرك النخب السياسية أن من مصلحتها تحمُّل مسؤولية أكبر تجاه رخاء عامة الشعب. أما توكاييف فلا يزال ابنا من أبناء النظام القديم، ولعل حكومته تُخفِق في الوفاء بإصلاحاتها الموعودة، وتعود إلى سياسات حقبة نزارباييف القديمة. بيد أن أحداث الشهر الماضي أظهرت لنا على الأقل أن الكازاخيين لن يسمحوا لقادتهم بتجاهل سخطهم في صمت، بل سيرفعون أصواتهم كي تكون مسموعة دائما.

 

 

 

 

 

 

 

 

About Post Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظة © 2020 مجلة السفير | Newsphere by AF themes.