الرواية ضمن الأدب الصيني ، من الهامش إلى الصدارة

صالح أبو عسر – كاتب يمني

 

لا يمكن البدء بالكتابة عن الرواية الصينية ، دون المرور ب (( التُحف الأربع)) ، إذ تُعد الإشارة إلى هذه الأعمال العظيمة بمثابة البسملة الإجبارية لمحاولة قراءة ما ينتجه حكّاؤو بلاد التنين ، وهي روايات يعدّها الصينيون ، أعظم الأعمال وأكثرها تأثيراً من بين الإنتاجات الصينية الأدبية قبل المعاصرة ، هذه الروائع  الكلاسيكية، تُصنف ضمن أصول الروايات العالمية وتحتل رأس هرم الإنجاز الأدبي الصيني ، وقد انعكس صدى هذه الأعمال بصورة تصل حد التناص في استخدام شخوصها وعباراتها ، كاستشهادات أو إشارات ، ضمن الأعمال الأدبية المعاصرة .

ويمكننا التعريف بهذه الكلاسيكيات الأربع ، باختصار شديد ؛ إذ يلزمها مؤلفات مطولة إذا ما أردنا تناولها تفصيلاً .

الرائعة الأولى ( حافة الماء ) ، إذا ما أخذنا الترجمة الحرفية للعنوان ، حسب اللغة الصينية ، لكن ترجمتها إلى اللغات الأخرى تمت تحت أكثر من اسم ، أشهر هذه الأسماء : ( كل الرجال إخوة  ) و ( رجال المسستنقعات ) و …. ، هذه الرواية تنسب ل ( شي ناي آن ) ، وترصد الحياة في عهد أسرة سونغ ، ويتابع فيها الكاتب بالتفاصيل مسيرة ثلة من المتمردين عسكروا عند جبل ليانغ ، وتصعلكوا – بالمفهوم العربي للصعلكة- إذ أسسوا جيشاً لمقاومة الظلم ، ومساعدة المحتاجين ، والرواية كانت قد كتبت باللهجة الدارجة حينها ، قبل أن تنقل إلى الصينية الفصحى ومنها إلى أغلب لغات العالم .

وثانياً تأتي رواية ( رومانسية الممالك الثلاث ) التي كتبها ( لو قوانغ تشونغ ) وترصد بأسلوب حكائي مُفرط في التفاصيل ، نهاية حكم سلالة ( هان ) ؛ إذ تقدم في قالب درامي رومانسي ، حياة الأرستقراطيين والأتباع ، وتكثف متابعتها لنشوء السلطات الثلاث ، التي ورثت سلالة ( هان ) ، والتي كونت فيما بعد الممالك الثلاث :

( وي – شو – وو ) ، ونظراً لثراء هذه الرواية لغوياً وسردياً ، يعتبرها الكثير من المتخصصين الصينيين ، المعادل الموضوعي الصيني لتراث شكسبير الغربي .

والتحفة الحكائية الثالثة هي :رواية ( الرحلة إلى الغرب ) ل ( وو تشنغ ان ) ، هذه الرائعة هي خليطاً من المغامرة والأسطورة والإيديلوجيا الصينية ، وتصف رحلة حج دراماتيكية من الصين إلى الهند ، قام بها الكاهن  ( شو آنز آنغ ) باتجاه الغرب ، برفقة طلابه ، وطلابه هؤلاء ليسو سوى : قردٍ و خنزير!

رصدوا خلالها الكثير من المغامرات والمعارك ، ورووا الكثير من الأساطير على طول المسار الممتد لآلاف الكيلومترات ، في مهمة استغرقت 17 عاماً .

والضلع الرابع في هذا المستطيل الكلاسيكي ، هي أيقونة ( حلم الغرفة الحمراء ) ل ( ساو تشين ) ، ويمكن اعتبارها معزوفة متفردة من حيث كونها فعلاً موسوعياً بالغ الوفرة في تتبعه لتفاصيل الحياة ،وفي كثرة شخصياته ، وتناوله الفريد والعميق للمرأة من حيث عالم المشاعر الخاص بها ،وتطلعاتها للحب والتقدير ، ولأن الكاتب رحل قبل إتمامه للرواية ، يعتبرها الكثيرون رواية مفتوحة قابلة للامتداد ، إذ يشطح البعض بقوله :

( إن ساو قد تعمّد عدم إكمالها حتى يجعل منها عملاً ممتداً قابلاً للإضافة ؛ حتى يشمل كل الحقب القادمة ) .

وإذا قُدِّر لك ان تقرأ لعددٍ من روائيي الصين ، فستكتشف بالإضافة إلى المد الرباعي للكلاسيكيات ، أن أغلب الأعمال المعاصرة تشترك في حرصها على إظهار شيئاً من المأزق الحقيقي الذي يعيشه الكائن الإنساني في حقبتنا الحالية ( حقبة شرائح السيليكون ) ؛ فتظهر بجلاء أو على استحياء إيحاءات أن الحياة المعاصرة تخفي خلف الصخب الظاهري ، واقعاً هشاً إلى درجة مرعبة .

وما عدا الصدى الكلاسيكي ،ومأزق الحياة المعاصرة ، تفترق طرق الأعمال الروائية الصينية بزوايا قائمة ، واتجاهات متباينة ؛ إذ تدرك من لحظة ولوجك الأول أنك بصدد السياحة في غابة لا نهائية من الصور والابتكارات والموضوعات والاتجاهات ، غابة تصيبك بالذهول من كمية الثراء الثقافي الذي توارثه حكاؤو بلاد السور  منذ ما قبل التحف الأربع ، وحتى ما بعد حصول الروائي الصيني غوان موييه ( مويان )، على جائزة نوبل للآداب عام 2012 م .

ويمكننا استعارة العبارة التي عبّرت بها لجنة نوبل للآداب ، عند تسليمها الجائزة ل ( مويان ) ؛ لنصف بها أغلب الروايات الصينية ، فعبارة :

( أعمال تمزج بين الهلوسة الواقعية ، والحكايات الشعبية ، والتاريخ والمعاصرة ) قيلت لوصف أعمال غوان ، لكنها تصلح لاستخدامها على كثيرمن السرد الروائي الصيني .

وإذا أردنا تناول الرواية الصينية بمستوى أعمق قليلاً من المستوى العام ، فإن ثمة تقسيماً لا يمكننا تجاوزه ، هذا التقسيم لم أجد له أي ذكر أو إشارة – على الأقل في المراجع التي لجأتُ إليها – إلا أنني أجازف بخلق هذا التقسيم الذي أستطيع اثباته إن لزم الأمر ، من خلال الروايات التي اطلعتُ عليها بطريقة منهجية ، و رغم محدودية هذه الروايات إلا أن هذا التقسيم يكاد يكون ظاهراً بما يكفي ، يتمثل هذا التقسيم في :

–  روايات أنتجها كُتّاب المنفى ، وهذا النوع من الأعمال تكاد تتلاشى أمامه كل الثوابت ، إذ لا تابوهات ، ولا أفواه مكممة ، بل أعمالاً تضع القارئ أمام بنك من الأسئلة التي تُحاكِم فيه العقل ، وتضعه أمام أخيلة وحتى حقائق ، لم يكن ليصل إليها لو لم يمر بتجربة قراءة مثل هذه الأعمال .

ويمكننا وضع أعمال ( غوان موييه ) و ( وانغ شياو يو ) على رأس  خالقي هذا النوع من الأعمال ، وإذا كنا قد عرفنا  غوان من خلال جائزة نوبل ، فإن وانغ شياو المتوفي- شابّاً –  عام 2017 م  ما يزال أكثر الكُتّاب الصينيين تأثيراً في أوساط الشباب والطلاب حتى اللحظة ، وقد علّق أحد القراء الصينيين على منشور كُتب أثناء رثاء وانغ ، بعبارة جزلة تستحق تضمينها هنا ، إذ كتب :

( إنه خارق للعادة بالفعل ! فقد مزج الواقعية بالفانتازيا ، والحب بالثورة ، والفكاهة بالنقد الساخر ، والجنس بالعمل السياسي ، والتاريخ بالمعاصرة )

وينظر الجيل الحالي إلى هذا القسم من الإنتاج الروائي بشيء من التقدير ، ويروا في كُتّابه نماذج تستحق الاحترام، فيكتب أحدهم تقديماً لرواية ،و يُضمِّن التقديم هذا النص :

( إن هذا النوع من الكُتّاب يشبهنا نحن العامة ، لكننا لا نشبههم ، يشبهوننا لأنهم صعاليك مثلنا ، ولا نشبههم لأننا لا نستطيع فلسفة الحياة عبر أعمال عظيمة  كما يفعلون ) .

والقسم الآخر يتمثل في :

–  روايات أنتجها كُتّاب الداخل ، وفي هذا النوع من الأعمال تصل العناية باللفظ والأسلوب حداً مرتفعاً ، ليجد فيها القارئ – ربما – تعويضاً ولو نسبياً عن انخفاض سقف الحرية المتاح لكتابها ، فتجد الكاتب هنا يبني الرواية بدقة نسّاج ، وبأصابع عازف ، ويطارد التفاصيل ويلجأ إلى الاستعارات والكنايات مفتوحة التأويل ، حتى يهرب عبر أحد هذه المخارج إذا ما اضطر إلى ذلك .

وفي القِسمين يمكنك ملاحظة متلازمة ( القص والقنص ) التي تعتبر عبارة نقدية مستهلكة هنا ، لكنها تلخِّص فعلاً السرد القصصي اللذيذ حد شعورك بنشوة حبكاته ودقة تفاصيله ، واقتناصه للحظة المناسبة تماماً للتصريح أو التلميح أو الإسهاب أو الانعطاف .

وتُدرج بكثافة الكثير من المفاهيم التي يحاول بها الراوي -على لسان أبطاله – كنس مفاهيم علقت بأذهان العامة لقرون .

لنقرأ مقطعاً من رواية ( حب الجبل العاري ) ، للكاتبة( وانغ آن لي) على لسان أحد شخصيات الرواية ( فتاة تبيع الفواكه المجففة ) :

ما بهم الأباطرة أيضاً ؟ أليسو بشراً مثلنا ؟

ما الفرق بيننا وبينهم ؟ هم يتزوجون ، ونحن نتزوج ، الإمبراطور ينجب أطفالاً ، ونحن ننجب أطفالا أيضاً ، الإمبراطور يضعف أمام المرأة كما يفعل الفقير وأكثر ، ألم تتلاعب محظية بسيطة بإمبراطور أسرة تانغ حتى كاد يفقد دولته ؟

جميعنا متشابهون ، وأكثر من ذلك يمكنني أن أفشي لكم سراً :

إنني أحتقر الإرستقراطيين بالوراثة ؛ لأنني أشعر أنهم مجرد أشخاص عاديين عديمي المسؤولية ، تماماً مثل الديك الذي تعلّم الصياح للتوّ فيما ريش ذيله لم يكتمل بعد .

أنظر باحترام وحب لأولئك الرجال الكبار اللذين عاشوا عمراً ، وعلى وجوههم التجاعيد ، لأنهم قد مروا بالكثير من المتاعب ، وتحمّلوا المعاناة ، هذا هو الشيء الذي يشبه الرجال  ، إني أراهم في زيٍ أنيقٍ جداً .

في هذا المقطع من كلام فتاة الرواية ، يمكننا ملاحظة كمّ الرسائل التي أرادت الروائية أن توصلها للقارئ ومن وراءه المجتمع .

وإن كان من إشارة أود رسمها قبل ختم المقال ، فستكون الإعجاب بمسار ( أفلمة الأعمال الروائية ) ، وإن كانت الروايات الغربية قد سبقت الصين في هذا المسار بعقود ، إلا أن الطفرة التكنولوجية الحديثة في الصين قد أتاحت لها إخراج العديد من الأعمال بطريقة احترافية تجمع بين جودة الأداء وبقاء الفكرة .

About Post Author

2 thoughts on “الرواية ضمن الأدب الصيني ، من الهامش إلى الصدارة

  1. مشكور استاذ صالح على هذا المقال الجميل، مبدع كالعادة، نتطلع دائماً إلى كتاباتك الفريدة الرائعة و المختلفة عما هو متداول عادة

  2. اكثر ما اثار الرعب والخوف هو هذه القطعة من المقال

    وإذا قُدِّر لك ان تقرأ لعددٍ من روائيي الصين ، فستكتشف بالإضافة إلى المد الرباعي للكلاسيكيات ، أن أغلب الأعمال المعاصرة تشترك في حرصها على إظهار شيئاً من المأزق الحقيقي الذي يعيشه الكائن الإنساني في حقبتنا الحالية ( حقبة شرائح السيليكون ) ؛ فتظهر بجلاء أو على استحياء إيحاءات أن الحياة المعاصرة تخفي خلف الصخب الظاهري ، واقعاً هشاً إلى درجة مرعبة .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظة © 2020 مجلة السفير | Newsphere by AF themes.