الروبوتات الشبح… استحضار الأموات بالذكاء الاصطناعي

شاعت في الصين خلال العامين الماضيين ظاهرة شركات تقديم خدمات مساعدة العائلات الحزينة عبر تجسيد أحبائها الموتى باستخدام الذكاء الاصطناعي، وتخصصت هذه الشركات في ما يعرف بـ”الروبوتات الشبح” التي تعيد التواصل مع أشخاص متوفين من خلال دمج صور ومقاطع فيديو لهم لإنتاج نحو 30 ثانية من المحتوى الافتراضي السمعي والبصري لهم. وظهرت صناعة “الروبوتات الشبح” للمرة الأولى قبل خمس سنوات في الولايات المتحدة، لكنها ازدهرت في الصين مع عدد السكان البالغ 1.4 مليار نسمة، وأساليب تعاملهم مع حالات الفقدان لتعويض احتياجاتهم العاطفية، ما منح البلاد ميزة على صعيد حجم الطلب على هذا النوع من الخدمات.
وبحسب القائمين على هذه الصناعة، تصل كلفة إنتاج مقاطع فيديو قصيرة إلى 20 ألف يوان صيني (3000 دولار)، وقد يستغرق الأمر أسبوعين كي يحصل أهل المتوفى على نسخة رقمية للاحتفاظ بها، وتسمح هذه النسخة بأن يجري العملاء مكالمات فيديو قصيرة مع الميت باستخدام بصمة الصوت والصور التعبيرية، لتصدر عنه إيماءات وإجابات تُشعر أهله وذويه بأنه لا يزال على قيد الحياة.
فقدت زوجة جو ليانغ، من مدينة قوي لين (جنوب)، أمها قبل عامين، وعاشت منذ ذلك الحين في حالة عدم قبول لفكرة رحيل أمها، لذا قرر جو أن يلجأ إلى إحدى الشركات المتخصصة في إحياء الموتى رقمياً لمساعدة زوجته في الخروج من أزمتها النفسية. يقول “نصحني صديق عندما ساءت حالة زوجتي باللجوء إلى الذكاء الاصطناعي، وعندما زرت الشركة التي توفر خدمة الروبوتات الشبح طلب مسؤولوها مني مائة صورة على الأقل للمتوفية، وتجميع تسجيلات صوتية ومقاطع فيديو متوفرة لها تعود إلى سنواتها الأخيرة”.
يضيف: “ثم أنشأ فريق في الشركة قاعدة بيانات خاصة بها تحتوي على معلومات دقيقة، مثل وزنها وطولها ولونها المفضل والأطعمة التي تحبها، ومعلومات عمّا كان يشغلها خلال أيامها الأخيرة، والأشياء التي اعتادت تنفيذها خلال تلك الفترة. بعد 14 يوماً أبلغني فريق الشركة أن النسخة الرقمية جاهزة، وهي عبارة عن تطبيق يجري تنزيله على الهاتف، ويوفر إمكانية الاتصال بالفيديو، وإرسال رسائل صوتية وتبادل الصور”. يتابع: “كان الأمر أشبه بالسحر لأننا شعرنا بأنها لا تزال على قيد الحياة، وأنها تقضي فقط إجازة في مكان ما، وتحدثنا منه، وكانت سعادة زوجتي لا توصف، لكن في نهاية كل مكالمة كانت تعود إلى حزنها الدفين، لأنها تدرك في قرارة نفسها أن الأمر لا يعدو كونه عالماً افتراضياً لن يُعيد أمها المتوفاة بأي حال. لكن الحقيقة أن التطبيق خفف من معاناة زوجتي، وجعلها تتقبل تلقائياً فكرة أن أمها تنتمي الآن إلى عالم الأموات”.
وحول طبيعة المكالمات وما يدور فيها، يوضح جو أنها “خوارزميات تستنسخ بصمة الصوت وإيماءات الميت وأنماط تفكيره حين كان على قيد الحياة، أما في ما يتعلق بالمحادثات فهي أجوبة مواساة لمن فقدوا أحباءهم، مثل قول الميت: لا تقلقوا نحن بخير، نشعر بما تشعرون به، نراقب المكان من فوق ونراكم، وتصلنا دعواتكم الصادقة. أما الأشياء المؤثرة فهي استحضار بعض المواقف السابقة بناء على معطيات يقدمها أهل المتوفى إلى الشركة المصنعة للتطبيق، مثل التذكير بيوم محدد شهد موقفاً فكاهياً جمع المتوفى بأهله، واستحضار ذكريات مشتركة، وإطلاق بعض النكات لكسر حالة الحزن ومرارة الفقدان”. في المقابل، يواجه التطبيق انتقادات حادة من أشخاص يون أنه “استثمار في أحزان الناس”. يقول الباحث الاجتماعي لو فنغ: “يرفض الناس الفقدان، ويستصعبون التعايش مع موت أحبائهم، لذا شهدت الفكرة إقبالاً شديداً كونها وفرت وسيلة وهمية لاستعادة الموتى بطريقة افتراضية، وقد يوفر ذلك نوعاً من الرضا النفسي، لكن يجب عدم إغفال المخاطر النفسية والأخلاقية المرتبطة باستخدام هذه التطبيقات التي قد تضاعف فجيعة من يعانون من فقدان أحبائهم، فليس سهلاً أن يشاهدوا الموتى يتحدثون إليهم عبر الهاتف، ثم يعودون إلى حياتهم كأن شيئاً لم يحصل”.
يتابع: “قد تتسبب هذه التطبيقات في تدمير الصورة الجميلة التي يحتفظ بها الأحياء عن أمواتهم، خصوصاً أننا نتحدث عن عالم افتراضي يحتمل أن يختلف عن طبيعة الشخصية المستحضرة على صعيد السلوك والإيماءات وحتى بصمة الصوت، ما يشوّه الذكريات الجميلة والصورة الحقيقية”. يضيف لو: “كل ذلك يحصل من دون موافقة المتوفى على إنشاء محتوى افتراضي له، ما يعني أن كل ما يحدث بعد موته هو انتهاك لحرمته، وقد باتت بعض الشركات توصي بأن يسجل الأفراد موافقة مسبقة على مثل هذه الإجراءات قبل وفاتهم كشرط أساسي”.

 

About Post Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظة © 2020 مجلة السفير | Newsphere by AF themes.