السياحة الحمراء.. مرآة صعود الدولة ونهوض الأمة الصينية

علي أبو مريحيل – رئيس التحرير

مع احتفاء الصينيين بالذكرى المئوية الأولى لتأسيس الحزب الشيوعي الصيني هذا العام، تزدهر زيارة المواقع ذات الطابع الثوري في البلاد والتي ترتبط مباشرة بتاريخ الحزب، وهو ما يعرف على نطاق واسع باسم “السياحة الحمراء”. وتشمل المواقع السياحية أكثر من 150 معلماً رئيسياً في 13 مقاطعة ومنطقة، أبرزها منزل الزعيم الصيني الراحل ماو تسي تونغ في مقاطعة خونان جنوبي البلاد الذي يستقبل يومياً ما لا يقل عن عشرة آلاف زائر، بالإضافة إلى مناطق أخرى لا تقل أهميّة عنه من قبيل بحيرة نانخو في مقاطعة تشجيانغ حيث عُقد المؤتمر الوطني الأوّل للحزب الشيوعي الصيني على متن قارب في عام 1921، ومنطقة يان آن في مقاطعة شانشي التي تُعَدّ القاعدة الثورية لماو تسي تونغ والتي بلغها الجيش الأحمر في أثناء المسيرة الكبرى، ونان تشانغ عاصمة مقاطعة جيانغ شي التي شهدت انتفاضة مهمّة في عام 1927 بقيادة رئيس الوزراء الصيني السابق تشو إن لاي.

وعلى الرغم من أنّ تقاليد السياحة الحمراء قائمة في الصين منذ عقود، فإنّ اعتمادها من ضمن خطة سياحة وطنية على مستوى البلاد بدأ في عام 2004، وتسعى السلطات الصينية من خلالها إلى الترويج للمواقع ذات الأهمية التاريخية والثقافية بالنسبة إلى الحزب الشيوعي مع توفير قوّة دفع للحركة السياحية الداخلية. وكانت إدارة التراث الثقافي في الصين قد أعلنت في وقت سابق أنّ مواقع السياحة الحمراء جذبت قبل تفشّي فيروس كورونا الجديد في عام 2019 ما يُقدَّر بنحو 1.4 مليار زيارة، أي ما يعادل عدد سكان الصين. كذلك حقّقت إيرادات بقيمة 62.2 مليار دولار أميركي، بحسب الإدارة نفسها.

منذ وصول الرئيس الصيني الحالي شي جين بينغ إلى سدة الحكم عام 2012، راح يروّج بقوة للسياحة الحمراء بهدف تعزيز “الانتماء” من خلال إطلاع الأجيال الجديدة على تاريخ الحزب الشيوعي. وكانت وسائل إعلام صينية رسمية قد نقلت عن الرئيس قوله: “يجب علينا الاستفادة بصورة جيدة من هذه الموارد والعمل على توريث الجينات الحمراء من جيل إلى آخر”، مؤكداً أنّه “من خلال الاطّلاع على تجربة الأسلاف واختبار صعوبات العصر الثوري، يمكن للناس أن يتلقوا تعليماً حقيقياً”.

ويرى منظّرو الحزب أنّ السياحة الحمراء تساعد الشعب الصيني في مراجعة صعود الدولة ونهوض الأمّة الصينية، وأنّ من شأن ذلك أن يجعل الناس، خصوصاً فئة الشباب، يوطّدون إيمانهم بالقيم الاشتراكية ليدركوا في النهاية أنّ طريق الاشتراكية ذا الخصائص الصينية هو السبيل الوحيد نحو الاستمرار في مسيرة التنمية بقيادة الحزب الشيوعي.

لي تياو واحدة من هؤلاء الشباب، وهي طالبة في جامعة بكين للدراسات زارت أخيراً مناطق حمراء عدّة من ضمن مجموعات طالبية. تقول أحرص في كلّ عام على استغلال وقت الإجازة للقيام بمثل هذه الرحلات. من المفيد والمثير الاطّلاع على إرث القادة الذين ضحّوا بحياتهم من أجلنا”. تضيف: “زرت شاوشان، مسقط رأس الزعيم ماو تسي تونغ، وشاهدت السرير البسيط الذي كان ينام عليه في غرفة صغيرة. كذلك زرت جبل جينغ قانغ في مقاطعة جيانغ شي، وشاهدت بأمّ عيني آثار الجيش الأحمر. وهناك أقمنا مجسّماً للرقم مائة مؤلفاً من 400 طالب احتفاء بالذكرى المئوية لتأسيس الحزب. وقد انتشرت صورتنا بشكل واسع على منصات التواصل الاجتماعي”. ولا تخفي شعورها بـ”السعادة والفخر لأنّني كنت جزءاً من هذا العمل”.

وفي ردّ على سؤال حول ما إذا كانت قد دُفعت للقيام بمثل هذه الزيارة، تقول لي تياو: “لست في حاجة إلى دفع من أجل الاطّلاع على تاريخ بلدي. هي مزارات مفتوحة دائماً، غير أنّ الأمر تزامن هذا العام مع الذكرى المئوية الأولى لتأسيس الحزب، وهو ما أعطى زخماً كبيراً وشكّل دافعاً إضافياً لزيارة المواقع الثورية، خصوصاً منزل ماو تسي تونغ مؤسس الجمهورية الحديثة”. وتتابع أنّ “ثمّة مرافق وخدمات جديدة في تلك المواقع بالإضافة إلى العروض الفلكلورية المصاحبة في كلّ منطقة، من قبيل عرض أفلام  قصيرة ثلاثية الأبعاد تجسّد المعارك والملاحم التي خاضها الثوّار ضد اليابانيين والكومينتانغ في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي، ساهمت ربّما في جعل الشباب أكثر انجذاباً إلى السياحة الحمراء. لكنّه في المقام الأوّل يأتي الشعور بالفخر والاعتزاز والاعتداد بالهوية الوطنية”.

من جهته، يوضح رئيس شعبة التراث في المركز الثقافي الوطني في مقاطعة فوجيان، تشانغ وان، أنّ “الهدف من الترويج للسياحة الحمراء لا يأتي فقط لأغراض تجارية وتحقيق عائدات مادية كبيرة بالنسبة إلى قطاع السياحة في البلاد، بل ثمّة حاجة إلى تعزيز الأيديولوجيا الحزبية عند الشباب من خلال ربطهم بتاريخ وطنهم ورموزه”. يضيف، أنّه “لا شكّ في أنّ السياحة الحمراء جلبت عائدات ضخمة أدّت دوراً مهماً في انتعاش الاقتصاد الوطني بعد أزمة كورونا، لكنّ الأهم هو نشر الوعي حول تاريخ الحزب الشيوعي وتذكير الأجيال الجديدة بالتضحيات التي قدّمها قادة الحزب من أجل النهوض بالأمة الصينية والعبور بها إلى برّ الأمان بعدما عانت لعقود من الحروب والنزاعات والأطماع الاستعمارية”. ويلفت تشانغ إلى أنّ “شباب اليوم أكثر فخراً بتاريخ بلدهم، ولديهم فضول كبير للتعرّف إلى المراحل المفصلية التي مرت بها الصين، من قبيل المسيرة الكبرى للجيش الأحمر التي استمرّت عاماً كاماً قطع في خلاله الثوّار أكثر من تسعة آلاف كيلومتر، وكذلك المعارك ضدّ الجيش الياباني، وصعود ماو تسي تونغ إلى السلطة، وغيرها من أحداث”. ويتابع أنّ “عطلة عيد العمّال في شهر مايو/ أيار الماضي شهدت نمواً كبيراً في زيارة المواقع التراثية بنسبة 300 في المائة مقارنة بالعام السابق”، موضحاً أنّ “الشباب الذين تراوح أعمارهم ما بين 20 عاماً و30، شكّلوا نحو 45 في المائة من عدد الزائرين الإجمالي للمواقع الحمراء في خلال العام الجاري”. ويؤكد أنّ “هذا هو جوهر صناعة السياحة الحمراء في البلاد”.

 

About Post Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظة © 2020 مجلة السفير | Newsphere by AF themes.