الشعر الصيني مكتبة أدبية وثقافية نغفل عنها

صالح أبو عسر  كاتب يمني

 

ثمة مبدأ مذهل، يمكنه أن يطلعنا على المكانة التي تنظر بها الأمة الصينية إلى الأدب بشعره ونثره، وما يحدثه في حياة الفرد والأمة، هذا المبدأ الذي بقي ساري المفعول حتى بداية القرن العشرين، تمثل في ضرورة إخضاع المتقدمين للوظائف الحكومية المرموقة لاختبار القدرة على نظم الشعر، وكتابة النثر، لذا لا تستغرب أبداً إذا ما اكتشفت أن أغلب الأدباء الكبار هم من المسؤولين في الامبراطوريات الصينية المتعاقبة

 

وبالنظر إلى أساس هذا المبدأ نتبين أنه استند إلى رغبة شعبية في أن يتولى أمور الأمة أدباء ذوو ثقافة مرتفعة، إذ يسود مفهوم عصامية الأديب، وعدم قدرته على حمل الربابات والمباخر طويلاً، في حال رأى المظالم كثرت؛ فضمير الأديب يثقل سريعاً إذا ما رأى الشعب يعاني، هذه النظرة المليئة بالتقدير أسهمت بشكل كبير في رفع المكانة الاجتماعية للشعراء، وبالتالي للشعر بمختلف أغراضه، على امتداد الجغرافيا الصينية لآلاف السنوات، وعلى مدى أكثر من 3200 عام، قدّم الشعراء الصينيون أعمالاً هامة، أثروا بها الأدب العالمي، وأرّخوا لتاريخ المجتمع الإنساني على هذا الجزء من الكوكب.

 

كتاب (الأغاني)، هو أقدم المراجع التي وثقت الكثير من أغاني الزراعة والحرب والحب، إذ يمتد عمره لما يقارب أحد عشر قرناً قبل الميلاد، وهو (عمل كلاسيكي لفؤاد الانسان ولبّه)، كما وصفه أحد النقاد، وتقول بعض المصادر بأن كونفوشيوس هو من اختصر عدد الأغاني فيه إلى 300 أغنية من أصل 3000، إذ حذف التكرار، واختار ما يناسب الطقوس التي كان يتبعها، وقد لعب هذا الكتاب دوراً تجاوز الدور الأدبي بكثير، وترك أثراً لا يمحى على الحضارة الصينية، حتى أن أثره على المسار الصيني، يفوق تأثير ملاحم الشاعر الإغريقي الأسطوري هوميروس على الثقافة الغربية، ويعتبر كتاب الأغاني هذا، مع كتاب (الوثائق )، جناحي الأدب الصيني بشعره ونثره .

 

واللغة الصينية بطبيعتها شاعرية في معانيها، رسومية في كتابتها، ولذا فإن الشعر والرسم توأمين هنا، وصفة (شاعر ورسام) ستظهر معك كثيراً جداً، عندما تتصفح السير الذاتية لشعراء الصين، وعلى مدى آلاف السنوات لم يتحمس الصينيون كثيراً لترجمة مخطوطات شعرائهم إلى لغات أخرى؛ لأن الشعر الصيني حسب اعتقادهم يقف على قدمين، هما :الموسيقى، والمعاني ؛ وبالتالي فإن شعراً بساق واحدة، هو شعراً كسيحاً، لا يمكن أن يكون ملهماً من وجهة نظرهم، والترجمة بطبيعتها لا بد لها أن تضحي بالموسيقى لأجل المعنى، والشعر لدى بناة السور، له موسيقاه وسجعه، بما يجعله قريباً من مفهوم القافية والوزن في شعرنا العربي .

 

وعلى مدى تطور الشعر الصيني، منذ كتاب الأغاني، وحتى اليوم، ثمة عاملاً مشتركاً ما يزال صامداً ويمكننا ملاحظته بسهولة، هذا العامل هو الإيجاز؛ فالقصيدة ضد الإطالة، والشعر ليس سوى شهوة وقتية تفقد لذتها إذا طالت وتحولت إلى حكاية، والشاعر فيلسوف ورسام، يلخص رؤيته في أسطر قليلة، ويظهر الصورة بأقل عدد من الضربات؛ لذا لا تستغرب إذا ما وجدت القصائد الصينية محكومة بالإيجاز على الدوام .

 

وحتى ظهور الأربعة الكبار (وانج وي – لي باي – دو فو – يو جوي)، كان الشعر الصيني في أغلبه ما يزال عبارة عن موجهات أخلاقية، ومبادئ فلسفية، إلا ان الازدهار الثقافي في عهد أسرة تانغ، قد حمل التحول الأهم في مسيرة الشعر الصيني، فظهر الشعر السياسي، عبر الرباعيات السياسية لـ وانج وي (699 – 759) م، والذي يعد رائد الرباعيات والثمانيات، وتركز شعره على التوعية السياسية ضمن البلاط الإمبراطوري، قبل أن يعتزل القصر، ويلتحق بالطبيعة التي سخّر سحرها لينتج منه ذلك الجمال الذي يداعب الحواس بحكمة ولين، وعاطفة متأججة .

 

ولأن الصين هي بلاد الأنهار المختلفة، والجبال المتداخلة الملتحفة دوماً بعباءة خضراء، ومعممة في الأغلب بعمائم بيضاء، فقد شكلت هذه الطبيعة أغزر مناهل الشعر لدى جميع الشعراء الذين عاشوا هنا، ويمكننا أن نعرض بعضاً من قصائد الشعراء الأربعة الكبار بالاعتماد على كتاب (مختارات من الشعر الصيني القديم في أسرتي تانغ وسونغ الملكيتين) .

 

 في قصيدة بعنوان الغروب يقول وانج وي :

 

لا طيف إنسان يلو

 

في جوانب الجبل

 

لكن هناك صدى لأصوات الناس على سفح

 

أشعة الغروب تسللت في الغابة العميقة

 

وبعثت الحياة في كل سكانها المختبئين

 

 

 

وفي قصيدة له عن وداع المسافرين يقول :

 

مطر الصباح أسكر هذه الربى

 

وجعل الصفصاف يزهو في هذا المكان التليد

 

احرص اليوم على أن تملاً كأسين اثنين

 

لأنك في الغد قد تجد الكأس، لكنك لن تجد النديم .

 

 

 

وفي الحقبة ذاتها التي عاش فيها وانج وي، برز (لي باي) الشاعر الصعلوك الذي كتب أعذب الأشعار، متناولاً نزواته وحبه للشراب، ومنتشلاً الشعر من حدود الوعظ والحكمة إلى رحابة الغزل والخمر والطبيعة؛ حتى وصف شعره بأنه نبيذ لم يزده مرور الوقت إلا جودة !و(لي باي) هو أشهر الشعراء الصينيين خارج الصين، لكنه يأتي في المرتبة الثانية تاريخياً داخل الصين، بعد دو فو وكان شاعر رحال، انطبعت آثار أقدامه على أشهر الجبال والأودية، وانعكست صورته على أشهر الأنهار والبحيرات .

 

 

 

سنستعرض هنا إحدى قصائده التي عنونها: (وداع الذاهبين بلا رجوع)

 

لماذا كل هذا الضجيج ؟

 

وتسمع الجواب

 

لنجدة الحدود يجند الرجال من جديد

 

ليعبروا في شهر مايو اليانغتس

 

ويزحفوا للحرب في يوننان

 

لا يصلح المجند القسري للقتال

 

والرحلة الطويلة

 

في البلد المغمور باللهيب لا تطاق

 

………..

 

يا حبذا لو يرقص الجنود

 

هناك بالتروس والرماح

 

فيغسلوا بالحب والغناء

 

ضغائن النفوس .

 

 

كما أنجبت ذات الفترة العظيم دوفو ،وهو شاعر نبذه القصر، وخلّده الكوخ، شاعر واقعي، واسع المعرفة والاطلاع، له ما يقارب 1400 قصيدة طبعت في ديوان باسمه، وقد سبق لي أن أشرت إليه في مقال العدد السابق من مجلة ( أقلام عربية )، حينما تناولت ضرورة اتجاه الأدب العربي نحو الشرق .

 

 

وهذه قصيدة لدوفو أمام جبل خوان تشان:

 

خضرة شامخة تمتد بلا نهاية

 

مبدع الكون أودع فيه كل ما في الطبيعة من جمال

 

حاجزاً يقف بين الظلمات والنور

 

السحب المتراقصة حوله

 

تشرح بمرورها الصدور

 

أحدقُ بحدة إلى السماء الواسعة

 

فألمح الطيور عائدة إلى أعشاشها

 

لا بد أن أعتلي قمته

 

لأرى الجبال حوله أقزاماً .

 

 

أما رابع أعمدة الشعر في آخر عهد أسرة تانغ، فكان ( بو جوي) التي يردد الصينيون أنه: حتى العجوز الأمية تطرب لشعره، وهو شاعر ساخر، ومعارض سياسي له قصائد تتجاوز ال2000 قصيدة، وإليه تنسب هذه الأبيات :

 

الجُباه يهدون القصر سجاجيد الحرير

 

هذه السجاجيد قد نسجت من جلود الفقراء وعامة الشعب

 

 

 

وحتى مع تسيد الذكور للشعر الصيني، إلا أن هناك العديد من الشاعرات اللائي ظهرن بقوة على ساحة الشعر الصيني، مثل الشاعرة الشهيرة (لي تشينغ تشاو)، التي اشتهرت بقصائد رثائها لزوجها، وقد تركت الكثير من القصائد المسكونة بالحب والاشتياق، وأيضاً هناك الشاعرة ( يو شوانجي )، والكثيرات غيرهما . والرمز في الشعر الصيني، عنصراً أساسياً، وعليك أنت أيها القارئ أو السامع أن تلتقط هذا الرمز، بالاعتماد على السياق والموضوع أو حتى قصة تراثية أو مثل شهير، فمثلاً: عليك أن تفهم ان الشاعر يتنبأ بعصر جديد او ثورة جديدة إذا ما تحدث عن ( الديك )، أو حتى عن ( الشمس )، كما أن الشوق للأهل والوطن – ربما – قد استبد بالشاعر إذا ما وجدته قد أقحم ( الأوزة ) في قصيدته، فالأوز تعود كل خريف إلى موطنها الأصلي، مذكية نار الاشتياق لدى هذا الشاعر، وفي حين يعتقد الصينيون أن قول الشعر وكتابته تحرر الحياة من القيود، وتسهم في فتح مسارات ضرورية للحوار مع الطبيعة والكون، فإن مهمة تقديم صورة أكثر وضوحاً عن الأدب الصيني عموماً، تظل مرهونة بالتبني المؤسساتي، لا الجهود الفردية.

About Post Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظة © 2020 مجلة السفير | Newsphere by AF themes.