الشيخ جراح .. أسطورة التحدي والصمود

تصدر حي الشيخ جراح عناوين الأخبار والصحف العالمية، وذلك بفضل الملحمة الأسطورية التي سطرها سكان الحي الصغير الواقع في القدس، رفضاً لاعتزام سلطات الاحتلال الإسرائيلي إجلائهم من منازلهم وتسليمها للمستوطنين الإسرائيليين. وساد التوتر في الحي وسط القدس المحتلة عقب تهديد القوات الإسرائيلية عددا من العائلات المقدسية بإخلاء منازلها لصالح جمعيات استيطانية. وكان من المقرر أن تصدر المحكمة العليا الإسرائيلية قرارا نهائيا بخصوص إجلاء أربع عائلات فلسطينية من الحي لصالح مستوطنين يدّعون ملكيتهم للأرض إلا أنها أرجأت النطق بالحكم بعد انفجار الأوضاع في كافة الأراضي الفلسطينية التي أعلنت تضامنها مع السكان.

وتلقت 12 عائلة فلسطينية في الحي قرارات بالإخلاء صدرت عن محكمتي الصلح والمركزية الإسرائيليتين. وكان محامو العائلات الفلسطينية المهددة بالإجلاء من حي الشيخ جراح قد قدموا -مع انتهاء المهلة الممنوحة من المحكمة الإسرائيلية العليا- ردهم بعدم التوصل إلى اتفاق مع الشركة الاستيطانية التي تدعي ملكيتها للأرض المقامة عليها المنازل. وأكدت العائلات الفلسطينية رفضها أي تسوية تتضمن نزع حقها في ملكية البيوت واعترافا بحق المستوطنين فيها. كما وقّعت 14 نقابة ومنظمة من المجتمع المدني في بريطانيا بيانا تطالب فيه الحكومة البريطانية باتخاذ إجراءات بشأن التطهير العرقي الذي تمارسه إسرائيل ضد الفلسطينيين في القدس المحتلة.

وأدانت المنظمات الموقعة على البيان إجلاء إسرائيل غير القانوني للعائلات الفلسطينية وتسليم منازلها لمستوطنين. وأشارت المنظمات إلى ما وصفته بالتلاعب الديمغرافي والتطهير العرقي من جانب إسرائيل، مستشهدة بما يحدث في حي الشيخ جراح. ومن بين الموقعين على البيان الاتحاد الوطني لعمال النقل، والاتحاد الوطني للمعلمين، ومنظمة حملة التضامن مع فلسطين، ومنظمة يهود من أجل العدالة للفلسطينيين، ومنظمة “أوقفوا الحرب”، إضافة إلى منظمة اللجنة الإسرائيلية ضد تدمير المنازل. هذا وتسعى الجمعيات الإسرائيلية المطالبة بالأملاك حاليا إلى إخلاء منازل 58 فلسطينيا آخر، وفقا لمنظمة “السلام الآن”. ويقول الفلسطينيون إن خطر الإخلاء يتهدد بشكل عام نحو خمسمئة فلسطيني.

بدوره، طالب الاتحاد الأوروبي إسرائيل بوقف بناء المستوطنات، وقال إنه لن يعترف بأي تغييرات لحدود ما قبل عام 1967 بما في ذلك القدس الشرقية، واصفا بناء المستوطنات بغير الشرعي بموجب القانون الدولي.

وقال الاتحاد الأوروبي في بيان إن عزم إسرائيل بناء أكثر من خمسمئة وحدة سكنية جديدة في مستوطنة أبو غنيم بالقدس المحتلة من شأنه أن يفصل القدس الشرقية عن بيت لحم، وأن يقوض المفاوضات المستقبلية بشأن حل الدولتين.

كما اعتبر أن زيادة عمليات الإخلاء والهدم -ولا سيما في الشيخ جراح وسلوان في القدس الشرقية واحتمال هدم المباني في قرية الولجة الفلسطينية- أمر يبعث على القلق وغير قانوني بموجب القانون الإنساني الدولي.

تاريخ الحي

يعود تاريخ منطقة  الشيخ جراح إلى الحقبة الرومانية، لكن الحيّ عرف باسمه الحالي نسبة إلى أحد أمراء القائد صلاح الدين الأيوبي والطبيب المرافق له الشهير باسم حسام الدين حسين بن شرف الدين الجراحي، الذي دفن بعد موته في المنطقة وأُنشئت زاوية صوفية قرب قبره، ثم تحولت في القرن الـ19  إلى مسجد أضيفت له مئذنة قائمة حتى اليوم.

بني في حي الشيخ جراح العديد من القصور وكان مزدهرا في القرن الـ18 واعتبر مصيفا للعائلات المقدسية خارج السور.  في عام 1905 كان حي الشيخ جراح يضم 167 عائلة في 167 قصرا. فقبل النكبة كان معظم سكان الحي من الطبقة الثرية في المجتمع الفلسطيني، وثد سعت العصابات الصهيونية للقضاء عليهم وتشريدهم؛ لحرمان القدس من مورد مادي هام، ما دفع بأهالي الحي والفلسطينيين حولهم لمقاومة العصابات ودفعها عسكريا.

أبرز المعارك

في كتاب “النكبة الفلسطينية والفردوس المفقود” يسرد المؤرخ الفلسطيني عارف العارف، محطات هامة في تاريخ حي الشيخ جراح النضالي، ولعل أبرزها معركة الشيخ جراح الكبرى والتي تعتبر أكبر وأشرس المعارك في مدينة القدس. ففي الثالث عشر من أبريل هاجم أكثر من مئتي مناضل من تنظيم “الجهاد المقدس” بقيادة محمد عادل النجار قافلة يهودية كبيرة أثناء اجتيازها للحي في طريقها إلى الجامعة العبرية ومستشفى هداسا، وكانت القافلة تحتوي مواد لإنشاء الخنادق والحصون وعددا من رجال عصابة ” الهاغاناة” المسلحين. وقد استبسل المناضلون رغم استغاثة اليهود بقوات الاحتلال البريطاني التي تدخلت وقتلت 12 مناضلا، لكن الغلبة كانت للعرب الذين قتلوا نحو 122 يهوديا ونسفوا مركبات القافلة المصفحة التي أعدت للقتال، في رد على مجزرة دير ياسين غرب القدس قبل ثلاثة أيام من المعركة وقتل القائد عبد القادر الحسيني في معركة القسطل.

أيضاً كان من ابرز معارك الشيخ جراح، إلقاء قنبلة على حافلة يهودية مرت من الحي غداة قرار التقسيم في أواخر نوفمبر عام 1947، ولم ينقطع المناضلون بعدها عن مهاجمة وسائل النقل اليهودية التي تمر من الحي، وأشد تلك الهجمات كانت في الرابع عشر من ديسمبر من نفس العام، في هجوم على حافلة قتل فيها يهوديان وجرح تسعة آخرون.

وفي بداية عام 1948 قام محمود جميل الحسيني مع مجموعة من المناضلين بنسف أول بيت يهودي قريب من الحي، وفي العاشر من يناير قامت معركة بالحي أسفرت عن ثلاثة قتلى وسبعة جرحى من اليهود، واستعمل العرب لأول مرة الرشاشات المعروفة بالبرن، وبعد ثلاثة أيام اشتبك العرب واليهود في قتال دام ساعتين، واندلع نحو عشرين انفجارا تضررت جراءه العديد من بيوت حي الشيخ جراح، وفي ذات الأسبوع نسف العرب منازل اليهود المجاورة للحي، بعد قيام اليهود بقصفهم بمدافع الهاون، واقتحام الحي ونسف بعض منازله.

وفي مطلع عام النكبة دمر المناضلون الأنابيب التي تمر من حي الشيخ جراح وتنقل الماء إلى الأحياء اليهودية، ثم استمرت عمليات المقاومة حتى فبراير وأبريل، واعتمد فيها قنص كل فرد من العصابات الصهيونية يمر عبر الحي.

 

About Post Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظة © 2020 مجلة السفير | Newsphere by AF themes.