الصين وأزمة رعاية الأطفال

أثار تسجيل فيديو لطفل صغير وضعته أمّه في قفص أسفل عربة دفع معدنية، نقاشاً حاداً في الصين حول كيف يمكن لنقص خيارات رعاية الأطفال في البلاد أن يدفع شخصاً لاتّخاذ مثل هذا القرار المتطرّف. وفي التسجيل الذي يأتي في 12 ثانية والمتداول عبر الإنترنت، شوهد الطفل الذي يعيش في مدينة تونغرن بمقاطعة قوي جو الجنوبية، وهو يمدّ يدّه عبر القضبان نحو الكاميرا، فيما تشير اللافتة التي وُضعت على العربة إلى أنّ أمّه تبيع المثلجات لكسب لقمة العيش.

تقول الأمّ إنّها تشعر بالسوء تجاه طفلها، وتدرك أنّه يعيش حياة صعبة، لكنّها توضح أنّ ما قامت به هو أفضل الخيارات السيّئة لأنّ زوجها عاجز عن العمل، لافتة إلى أنّها تسمح لابنها باللعب خارج القفص عندما لا يكون ثمّة زبائن في الجوار. وأوضحت أنّ عائلتها تكافح من أجل تلبية أبسط الضروريات، وفي بعض الأحيان تضطر إلى تخطي وجبات الطعام لتوفير المال لشراء حليب الأطفال المجفف.

وقد لاقت الأمّ المكافحة تعاطفاً كبيراً من مرتادي مواقع التواصل الاجتماعي الذين رأوا فيها نموذجاً لامرأة فقيرة تكافح من أجل إيجاد بدائل لرعاية طفلها بدلاً من إساءة معاملته. وكتب أحد الأشخاص على حسابه على موقع ويبو (المعادل الصيني لموقع تويتر): “إنّه أمر محزن، أليس لدينا مؤسسات رعاية أطفال ميسورة التكلفة؟”. وكتب آخر على الموقع نفسه: “طفل مسكين وأمّ فقيرة، كم أتمنّى لو بمقدوري توفير الوسائل الأساسية للعيش لمثل هؤلاء فلا يضطرون إلى التضحية بسلامتهم وسعادتهم في محاولة لكسب رزقهم”. لكنّ آخرين كانوا أقلّ تعاطفاً، وقالوا إنّه لا ينبغي على الطفل أن يعيش في مثل هذا القفص مهما كانت الظروف.

في الوقت الذي تواجه فيه الصين أزمة ديموغرافية تلوح في الأفق، يقول أزواج كثر إنّ إحدى العقبات الرئيسية أمام إنجاب الأطفال هي الافتقار إلى خيارات رعاية معقولة لجهة التكلفة. وفي كثير من الأحيان، يُوْدَع الأبناء لدى أجدادهم في أثناء عمل الوالدَين، لكنّ هذه الرفاهية غير متاحة لكلّ الأسر.

وفقاً لأرقام رسمية، ثمّة 14 ألفاً و600 مرفق متاح لرعاية الأطفال في مدينة شنغهاي، وهو رقم بعيد عن أن يكون كافياً في مدينة وُلد فيها 116 ألف طفل في عام 2021. هذه الفجوة الكبيرة بين العرض والطلب تعني أنّ مرافق الرعاية المتوفّرة تكون باهظة الثمن، الأمر الذي يجعلها بعيدة عن متناول أشخاص مثل والدة الطفل الذي احتُجز في قفص.

لو جين 34 عاماً أمّ لطفلَين في بكين، تقول لم أرَ طفلَيّ منذ عام ونصف عام. فأنا وزوجي نعمل في العاصمة، فيما يعيش طفلنا الأكبر البالغ من العمر ستّة أعوام مع جدّه لأبيه في مدينة فوشان جنوبي البلاد، أمّا الأصغر البالغ من العمر أربعة أعوام فيقيم مع أمّي في مقاطعة هيانان في الحنوب كذلك”. وتشرح لو جين سبب تشتّت الأسرة: “لا نستطيع جلب طفلَينا إلى بكين، نظراً إلى ارتفاع تكاليف المعيشة والرعاية والتعليم. فقسط الفصل الدراسي الواحد للمرحلة الابتدائية يبلغ نحو 60 ألف يوان (ما يعادل 10 آلاف دولار أميركي)، فيما تصل رسوم الفصل الواحد في الحضانة إلى 110 آلاف يوان (نحو 18 ألف دولار)، وهذان المبلغان باهظان مقارنة بالتكاليف في مسقط رأسيهما”. ولأنّ الجدّ لا يستطيع وحده رعاية طفلَين في آن واحد، فقد وُزّع الولدان على أسرتَي الأمّ والأب اللتَين تقيمان في مدينتَين مختلفتَين. تضيف لو جين: “كان من المقرّر أن نجتمع معاً في إجازة رأس السنة الصينية الماضية، لكنّني بسبب أزمة كورونا وفرض إغلاقات على بعض المدن والمقاطعات، اضطررت إلى البقاء في العاصمة خوفاً من خسارة عملي”.

يعزو  خبراء أسباب ارتفاع تكاليف رعاية الأطفال في الصين إلى “نمط الحياة الصناعية الذي حتّم على الآباء مغادرة مدنهم وقراهم في اتّجاه المناطق الحضرية بحثاً عن فرص عمل”. ويشرح أنّ “هذا الأمر تسبّب في بقاء عشرات ملايين من الأطفال من دون رعاية، في حين أنّ مراكز الحضانة المتاحة لا تستطيع استيعاب العدد الكبير منهم، وهذا ما يتيح للقائمين عليها رفع تكاليف الالتحاق بها إلى أرقام فلكية”.

ويُضاف هذا إلى “حرمان الموظفين والعمال الوافدين إلى المدن الصناعية من الاستفادة من مزايا الضمان الاجتماعي الذي يشترط بحسب القوانين الصينية أن يُستخدم فقط في مسقط رأس الفرد، حفاظاً على حقوق كلّ مواطن في منطقته، ومنعاً لتأثير كثافة العمالة الوافدة على امتيازات السكان المحليين. وبالتالي يجد الموظفون أنفسهم مضطرين إلى تعليم أبنائهم ورعايتهم من حسابهم الخاص ومن دون أيّ إعانات من قبل الدولة، وهو أمر يدفع من لا يملكون الطاقة على تحمّل ذلك إلى إيداع أطفالهم عند أهلهم، لكنّ الثمن يكون في المحصّلة رعاية أسريّة منقوصة، وجودة تعليم ورعاية صحية أقلّ، خصوصاً في المناطق الريفية”.

ويعتقد هؤلاء أنّ حل الأزمة يتطلب التنسيق والتعاون ما بين القطاع الخاص والحكومة، وأنّ خفض أسعار الحضانات وحده غير كافٍ نظراً إلى عددها المحدود مقارنة بحجم الطلب”. ويشدّدون على ضرورة أن تساهم الدولة في زيادة عدد مراكز الرعاية وألا تقتصر هذه المنشآت على القطاع الخاص الذي تحكمه أبعاد ربحية وأهداف تجارية”، مشيرين إلى أنّه “في حال استمرّ الوضع على هذه لحال، فإنّنا سوف نكون أمام جيل مضطرب نفسياً ومتراجع في التحصيل العلمي مقارنة بالأجيال السابقة، فضلاً عن التسبّب في اتساع فئة العازفين عن الإنجاب خوفاً من مصير مجهول لأبنائهم”.

About Post Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظة © 2020 مجلة السفير | Newsphere by AF themes.