الصين والأزمة الأوكرانية تأرجح بين المصالح والمخاوف

علي أبو مريحيل – رئيس التحرير

أثارت دعوة الولايات المتحدة، الصين، إلى استخدام نفوذها لدى روسيا لحثّها على حلّ دبلوماسي للأزمة الأوكرانية، تساؤلات حول الدور الذي يمكن أن تلعبه بكين في إطار هذه الأزمة، والأوراق التي تمتلكها، وإن كانت راغبة حقاً في لعب دور إيجابي لحلّ الأزمة الأوكرانية.

وقالت وزارة الخارجية الأميركية، في بيان، إن وزير الخارجية أنتوني بلينكن شدّد خلال مكالمة هاتفية مع نظيره الصيني وانغ يي، على ضرورة تخفيف التوترات، وحذر من المخاطر الأمنية والاقتصادية من أي عدوان روسي على الأراضي الأوكرانية.

من جهته، دعا وانغ يي، بحسب بيان للخارجية الصينية، الولايات المتحدة، إلى احترام مخاوف روسيا الأمنية بشأن أوكرانيا، مطالباً بأن تؤخذ هذه المخاوف التي وصفها بالمعقولة، على محمل الجد، وتسويتها في أقرب وقت ممكن.

ونقلت وسائل إعلام صينية عن الوزير الصيني قوله، إن بلاده تريد من جميع الأطراف التزام الهدوء والامتناع عن القيام بأعمال تثير التوترات وتزيد من حدة الأزمة.

وأخبر وانغ يي، نظيره الأميركي، في إشارة على ما يبدو إلى توسع حلف شمال الأطلسي (الناتو) في أوروبا الشرقية، أن أمن أي دولة، لا يمكن أن يكون على حساب الدول الأخرى، وأن الأمن الإقليمي لا يمكن ضمانه من خلال تعزيز وتوسيع الكتل العسكرية.

وتأتي دعوة واشنطن بكين إلى ممارسة نفوذها، في إطار سعي الإدارة الأميركية إلى بناء جبهة موحدة في وجه الضغوط العسكرية الروسية على أوكرانيا.

وكانت موسكو قد عزّزت قواتها على حدود أوكرانيا، وطالبت حلف شمال الأطلسي بسحب قواته وأسلحته من أوروبا الشرقية، ومنع أوكرانيا من الانضمام إليه. غير أن حلفاء الناتو يرفضون ذلك، ويبدون في المقابل استعدادهم لمناقشة تدابير الحدّ من التسلح وبناء الثقة.

ويرى خبراء أن لا مجال للتعاون بين الولايات المتحدة والصين في هذا الملف على وجه التحديد، على اعتبار أنه قد تكون لدى بكين مصلحة في رؤية اجتياح روسي عسكري لأوكرانيا، باعتباره اختباراً حاسماً للقوة الأميركية، ودرساً مجانياً يُبرز الطريقة التي قد تتعامل بها واشنطن مع أي اجتياح صيني مماثل لجزيرة تايوان.

أما الرأي الآخر، فيعتبر أنه من الخطأ المقارنة بين النموذجين، على اعتبار أن تايوان تمثل أهمية أكبر للمصالح الأميركية، وأن لدى واشنطن أسباباً للقتال من أجل تايوان أكثر من أوكرانيا.

في غضون ذلك، يتحدث متابعون للشأن الصيني عن حرص بكين على عدم تعكير صفو أجواء دورة الألعاب الأولمبية الشتوية التي تستضيفها في الرابع من فبراير/شباط المقبل.

وكانت تسريبات قد أشارت إلى أن الرئيس الصيني شي جين بينغ، طلب صراحة من نظيره الروسي فلاديمير بوتين، عدم اجتياح أوكرانيا أثناء هذه الدورة الأولمبية، كما حدث في عام 2008، عندما غزت القوات الروسية جورجيا أثناء أولمبياد بكين الصيفي، وكان فلاديمير بوتين متواجداً آنذاك في الصين كرئيس وزراء لبلاده. لكن وزارة الخارجية الصينية نفت هذه التسريبات.

ورداً على سؤال حول الأوراق التي تمتلكها الصين، وإلى أي حد يمكن أن تستجيب للمطالب الأميركية، يعتبر أستاذ الدراسات السياسية في جامعة “صن يات سن”، وانغ جو، أن الأزمة الأوكرانية هي مسألة هامشية في سياسة الصين الخارجية، وليست قضية جوهرية. وبحسب وانغ جو، فإن الصين، على الرغم من ذلك، قد أعربت للمرة الأولى عن دعمها المباشر لموسكو بشأن هذا الملف من خلال دعوة وزير خارجيتها الولايات المتحدة إلى احترام مخاوف روسيا الأمنية. وبرأيه، فإن ذلك هو أبعد ما يمكن أن تقدمه الصين في دعم الموقف الروسي.

ويرى الأستاذ الجامعي أنه على الرغم من أن الصين ليست طرفاً في النزاع، فإنها كانت على اطلاع دائم من قبل موسكو بشأن محادثات الأخيرة الأمنية مع الولايات المتحدة والدول الأعضاء في الناتو. وهذا يؤكد، بحسب قوله، متانة العلاقات بين الصين وروسيا في وجه التهديد الأميركي المشترك. وعن الدور الذي يمكن أن تلعبه بكين في حال شنّت روسيا هجوماً عسكرياً على أوكرانيا، يرى وانغ جو، أن الصين تحافظ على مسافة محددة في علاقاتها وتحالفاتها، تراعي من خلالها مصالحها الاستراتيجية. ويستذكر الأستاذ الجامعي في هذا الإطار موقف بكين في عام 2014 عندما اكتفت بالامتناع عن التصويت في مجلس الأمن بشأن استفتاء حول ضمّ شبه جزيرة القرم إلى روسيا، ورفضها الاعتراف بالقرم كأراض روسية، والتزام الشركات الصينية آنذاك بالعقوبات الغربية المفروضة على موسكو، لتجنّب الانقطاع عن الأسواق الأميركية والأعمال المصرفية الدولية.

من جهته، يقول الباحث الزائر في مركز تايوان للدراسات الأمنية، تسان يان، إن الصين تراقب عن كثب التوترات الأمنية في شرقي القارة الأوروبية، وهناك مصلحة خاصة لديها في رؤية اجتياح عسكري لأوكرانيا من قبل القوات الروسية، على اعتبار أن ذلك يمنحها قدراً كافياً من المعلومات الاستخبارية حيال الطريقة التي قد تتعامل بها الإدارة الأميركية مع اجتياح صيني مماثل لتايوان في المستقبل. ويعتبر يان أن تفكير القيادة الصينية في هذا الاتجاه مبني على تقديرات خاطئة، تساوي بين مسألتين مختلفتين تماماً، على الأقل بالنسبة لواشنطن. ويلفت يان إلى أن واشنطن ترى أن تايبيه تمثل حلقة ربط مع تحالف شرق آسيوي متوافق تماماً حول ضرورة لجم الصين والحد من نفوذها في منطقة المحيطين الهادئ والهندي، بينما التعامل بحزم مع الأزمة الأوكرانية يستدعي ضوءاً أخضر من حلفاء آخرين، لديهم وجهات نظر مختلفة لا تتفق بالضرورة مع المصالح الأميركية.

من جهته، يستبعد عميد كلية الدراسات التاريخية السابق في جامعة سوتشو، غوانغ يوان، أن تربط الصين خططها الاستراتيجية بشأن تايوان بجدول زمني روسي. ويرى غوانغ يوان أن الرئيس الصيني يدرك مدى كلفة التورط في اجتياح جزيرة تايوان، معتبراً أن تصريحات القادة الصينيين المتكررة باستخدام القوة مجرد أداة لردع الحزب الديمقراطي التقدمي الحاكم في تايبيه عن فكرة الاستقلال، وأنها ليست نابعة من رغبة حقيقية في فرض الوحدة مع البرّ الصيني.

وبحسب غوانغ يوان، فإن المخاوف الأساسية بالنسبة للصين بشأن التصعيد الروسي، تتعلق بتوقيت الغزو المحتمل، لأن بكين لا ترغب في أن يحدث ذلك عشية الأولمبياد، مثلما حدث عام 2008 عندما غزت القوات الروسية جورجيا. ويعتبر أن ما يؤكد ذلك، هو دعوة الصين الأطراف المعنية إلى الالتزام بقرار الأمم المتحدة التقليدي الخاص بالهدنة الأولمبية (قرار أممي يدعو الدول المتنازعة إلى وقف أعمال العنف قبل أسبوع من بدء الألعاب الأولمبية، وحتى اليوم السابع بعد انتهاء دورة الألعاب الأولمبية الخاصة بالمعوقين).

وحول ذلك، يشير غوانغ يوان إلى تصريح وزير الخارجية الصيني، بأن الأولوية القصوى في الوقت الحالي، هي أن تكف الولايات المتحدة عن التدخل في أولمبياد بكين بفبراير، وأن تتوقف عن اللعب بالنار بشأن قضية تايوان، وأن تتوقف عن خلق مجموعات ضغط مناهضة للصين.

About Post Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظة © 2020 مجلة السفير | Newsphere by AF themes.