الصين والاشتراكية ذات الخصائص الصينية

د. عبد الله جودة – كاتب وباحث فلسطيني

 

لم يكن خيار الصين للشيوعية خياراً وردياً، في تلك الحقبة التي أصبح فيها الغرب يبسط نفوذه على كافة المعمورة اقتصادياً وسياسياً، وكحال الأمم في مر العصور عندما يكون الماضي حلماً فيكون المستقبل رؤية.

الماضي الصيني العريق والذي يزخر بآلاف السنين من الحضارة والعطاء للبشرية، كان مهدداً بخطر وجودي على أثره دخلت الصين في فترة ركود، وتكالب المستعمر على الشعب الصيني غازيا لأراضيهم وممتلكاتهم، فكان المستعمرالبريطاني والفرنسي وحرب الأفيون الأولى والثانية، ورافق ذلك غزو ياباني للأراضي الصينية، وفي خضم هذه الأحداث الجسام كانت التضحيات من الشعب الصيني العظيم وكانت النزاعات الداخلية للوصول إلى الطريق السليم الذي يليق بالأمة الصينية.

فبعد محاولات من إعادة إحياء نظام الملكية الدستورية والنظام الإمبراطوري ونظام التعددية الحزبية والنظام البرلماني، انتهت جميع تلك المحاولات والتجارب بالفشل الذريع، وفي نهاية المطاف اختارت الصين السير على النهج الاشتراكي والذي من خلاله استطاعت أن تقترب من التربع على عرش الاقتصاد العالمي بخطوات عملاقة و بمعجزة اقتصادية يجب ان تُدرس بعناية فائقة.

حيث قال الرئيس الصيني شي جين بينغ، إن إدراك وفهم لماذا اختارت دولة كبرى ذات حضارة تمتد إلى ما قبل 5 آلاف سنة وتتكون من 56 قومية بتعداد سكاني يبلغ 1.3 مليار، السير على النهج الاشتراكي يعد أمر بالغ الصعوبة، ولكن الصين استطاعت في غضون عشرات السنين أن تقطع المسيرة التنموية التي قطعتها الدول المتقدمة خلال قرون، وهذا يؤكد بشكل تام أن الشعب الصيني يسير على الطريق الصحيح.

«الاشتركية ذات الخصائص الصينية» تعتبر إنجاز أساسي حققه الحزب الشيوعي الصيني بقيادته للشعب خلال مسيرة شاقة وطويلة، حيث كانت الظروف الداخلية للصين مواكبة لمتطلبات التقدم والتطور في العصر الحديث، كما أن الزعيم الصيني «ماو تسي دونغ» تحدث عن ذلك من زاوية فلسفية على أن بناء الاشتراكية يتميز بقانون ذاتي، فيجب القيام بتطبيق مستمر ومراكمة التجارب، والتغلب تدريجيا على فقدان البصيرة وإدراك القانون الموضوعي كي يتسنى تحقيق قفزة الوعي.

وقدم ماو، طرحا مهما قال فيه: «بدون تطوير التقنيات العلمية لن نتمكن من رفع مستوى القدرة الإنتاجية» وطرح أيضاً وجوب تعلم السير ذاتياً، إذ يجب البناء وفقا لطريقة تلائم ظروف الصين حسب الخصائص الصينية وإدارة الاقتصاد بوسائل اقتصادية، وبالتالي لم تكن الطريق وردية ولم تخلو من الدموية، وكانت الأخطاء خلال الفترات الطويلة تهدد هذه المسيرة الكبرى.

أيضاً مرحلة الإصلاح والانفتاح التي تميز بها عصر القائد الكبير الأمين العام للحزب الشيوعي دنغ شياو بينغ، والذي قال: «إننا وعلى مدى السنوات الماضية لم ندرك جيدا ولم نع بوضوح ما هي الاشتراكية، وكيف تبني الاشتراكية، وخلال مسيرة استكشاف البناء الاشتراكي، لم ندرك فعليا ما هو جوهر الاشتراكية، وفهمنا للاشتراكية كان مثالية مفرطة، بل أكثر من ذلك كان محض خيال وعنصرا من عناصر أدب المدينة الفاضلة، فكنا نعتبر القفزة العظمى إلى الامام أولاً، وحركة الكومنة الشعبية ثانيا هي الاشتراكية، ونعتبر الفقر هو الإشتراكية،والمساواة هي الاشتراكية، وبالتالي فإن وضع سياسة الطريق قد انفصلت عن الواقع وقادنا ذلك إلى السير عبر منعطفات كثيرة».

وهنا تجدر الإشارة بأن فهم النظريات بشكل سليم ينتج تطبيق سليم وفهم النظرية أو الدين بفهم خطأ يولد التطبيق الخطأ، وبالتالي الفشل في كافة نواحي الحياة.

طرح الحزب الشيوعي الصيني ما يسمي «التحديثات الأربعة» في الصين حيث أعلن ذلك رئيس الوزراء الصيني جو أن لاي، عام 1964، حيث قال «إن المهمة الرئيسة لتطوير الاقتصاد الوطني في المستقبل تتمثل اختصارا في القيام في وقت ليس بالطويل ببناء الصين دولة اشتراكية قوية تتحلى بصناعة حديثة وزراعة حديثة ودفاع حديث وتقنيات علمية حديثة وتعميق اصلاح الجيش على نحو شامل واصلاح الهيكل الاقتصادي ودفع الابتكار كي تلحق بمستوى التقدم العالمي وتتجاوزه».

إن التراكمية الفكرية والتجربة العملية يوضحان الفكر بشأن الاشتراكية ذات الخصائص الصينية في العصر الجديد، وهو يقوم على الماركسية اللينينية وفكر ماو تسى تونغ، ونظرية دنغ شياو بينغ، وافكار التمثيلات الثلاثة الهامة ومفهوم التنمية العلمية ويثريها.

وكان الرئيس الصيني الحالي قد أكد على أن بلاده ستواصل بثبات انتهاج سياسة خارجية سليمة مستقلة وتحترم حقوق شعوب العالم لاختيارهم طريقا خاصا في التنمية، وتواصل بثبات حماية الإنصاف والعدالة الدولية، وتعارض فرض إدارة أي دولة على غيرها، وتدخلها في شؤون غيرها، واستغلال القوة لاضطهاد الضعفاء .

وهذا يعتبر نموذجا للعلاقات الدولية من شأنه أن يرسي قواعد الشراكة الدولية ويعزز من تطور الاقتصاد العالمي، فقد أسفرت هذه الرؤية عن مبادرة الحزام والطريق، التي تهدف إلى ربط آسيا مع أفريقيا وأوروبا على نحو أفضل، وإلى تعزيز القدرة الصناعية للدول في هذه المناطق، حتى تمتلك الأساسيات اللازمة لتنمية اقتصاداتها وتتعاون كافة البلدان لبناء مجتمع مصير مشترك للبشرية كلها.

قال رئيس البنك الدولي جيم يونغ كيم، إن الحد من الفقر في الصين يعد أحد أكبر الأحداث في تاريخ البشريّة، وإن التكامل بين اقتصاد الصين والاقتصادي العالمي يتعمق بشكل متزايد، في ظل تعميق الإصلاح والإنفتاح والتنمية فيالصين.
على مدار العقود الأربعة الماضية، استطاعت الصين انتشال أكثر من 700 مليون مواطن من دائرة الفقر، ما يعادل 70 بالمئة من الجهود العالمية المبذولة في هذا الإطار خلال الفترة نفسها.

بلاشك سوف تصبح الصين قائداً عالمياً من حيث القوة الوطنية المركبة والتأثير الدولي، باقتصاد حديث وثقافة متقدمة وقوات مسلحة بمستوي عالمي، كما ستصبح دولة اشتراكية حديثة عظمى بحلول منتصف القرن الحادي والعشرين.

فما تقدمه الصين من تجربة سوف تثري الحضارة البشرية ويكون لها بصمتها في الفترة القادمة في المجالات الاقتصادية والسياسية والعسكرية. فقد أولى الحزب الشيوعي الصيني اهتماما بالعلم ومكافحة الفساد والذان هما أركان التقدم والازدهار على مر العصور.

نتمنى للصين الدولة الصديقة التقدم والازدهار نحو مستقبل مشرق، وعلى أمتنا العربية استخلاص الدروس والعبر من هذه التجربة الفريدة، فتجديد الفكر ينبثق عنه نهوض عملي ووضع خطط مشتركة من أجل نمو مشترك ومصالح مشتركة قبل فوات الأوان.

About Post Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظة © 2020 مجلة السفير | Newsphere by AF themes.