الصين والقرن الأفريقي، طموحات جيوسياسية وامتيازات دبلوماسية

علي أبو مريحيل – رئيس التحرير

أعلن وزير الخارجية الصيني وانغ يي، اعتزام بلاده تعيين مبعوث خاص للقرن الأفريقي لدعم السلام والاستقرار في المنطقة، جاء ذلك خلال مؤتمر صحفي عقد الخميس الماضي في مدينة مومباسا الكينية ضمن جولة أفريقية شملت ثلاث دول في شرق القارة. وكان المسؤول الصيني قد اختتم الجمعة جولته الخارجية الأولى هذا العام والتي شملت كلاً من إريتريا وكينيا وجزر القمر، في مواكبة لتقليد صيني قديم يعود إلى عام 1991، حيث دأب وزراء الخارجية الصينيون على أن تكون القارة السمراء الوجهة الأولى لهم مطلع كل عام. وقال وانغ يي في تصريحات صحفية في أعقاب اجتماعه مع سكرتيرة الشؤون الخارجية الكينية رايشيل أومامو، إنه من أجل تقاسم الإجماع السياسي وتنسيق الإجراءات في المنطقة، ستسمي الصين مبعوثاً خاصاً لوزارة الخارجية الصينية، وأضاف بأنه يتعين على دول القرن الأفريقي أن تقرر مصيرها وأن تعقد مؤتمراً للسلام. وأشار إلى أن بكين تريد المساعدة في تطوير ساحل إريتريا على البحر الأحمر، دون أن يخوض في تفاصيل ذلك. وتعد هذه ثاني زيارة يقوم بها وزير الخارجية الصيني إلى القارة الأفريقية خلال أقل من شهرين، حيث تأتي بعد فترة وجيزة من مشاركته في رئاسة منتدى التعاون الصيني الأفريقي (فوكاك) الذي عُقد في السنغال في أواخر نوفمبر/تشرين الثاني الماضي. كما تأتي في أعقاب زيارة قام بها نظيره الأميركي أنتوني بلينكين إلى أفريقيا في نوفمبر الماضي، والتي هدفت في جزء منها إلى مواجهة نفوذ الصين المتنامي في القارة السمراء. كما أن هذه المرة الأولى التي تعين فيها الصين مبعوثاً خاصاً للقرن الأفريقي، وهي خطوة يرى مراقبون أنها تعكس مدى اهتمام بكين بإعادة الاستقرار إلى المنطقة التي تشهد توترات أمنية وعسكرية، وذلك من أجل ضمان مصالحها الاقتصادية الكبيرة في القارة الأفريقية، إلى جانب رغبة بكين في تقريب أسمرة من دائرة نفوذها، خصوصاً بعد أن انضمت إريتريا أخيراً إلى مبادرة الحزام والطريق نهاية العام المنصرم، في خطوة قد تمنح الصين موطئ قدم مهماً في منطقة القرن الأفريقي. وتضم مبادرة الحزام والطريق 41 دولة من أصل 55 دولة أفريقية، معظمها يقع على الساحل الشرقي المطل على المحيط الهندي، ولعل أبرزها: إثيوبيا وجيبوتي إريتريا الواقعة في منطقة القرن الأفريقي، بالإضافة إلى جميع دول شمال القارة. وتعتبر الصين الدائن الرئيسي لثلاث دول أفريقية هي: جهورية الكونغو، وجيبوتي، وزامبيا. بينما تستحوذ على نسبة كبيرة من الديون الخارحية للدول الأفريقية الأخرى تصل إلى نحو 32 في المائة. وحسب بيانات رسمية صينية، بلغت قيمة قروض الصين للقارة السمراء في العام المنصرم 50.8 مليار دولار، ويأتي ذلك في إطار منفعة متبادلة تحصل بموجبها الصين على ما تحتاج من موارد طبيعية، في مقابل قروض لمشاريع بنية تحتية طويلة الأمد. وكانت الصين قد أقرضت الدول الأفريقية مليارات الدولارات كجزء من مبادرة الحزام والطريق التي أطلقها الرئيس الصيني شي جين بينغ عام 2013، بما في ذلك 5 مليارات دولار لبناء خط سكة حديد يمتد من مدينة مومباسا الساحلية الكينية إلى العاصمة نيروبي بطول 480 كيلومتراً. كما مولت وشيدت خط سكة حديد آخر يمتد من العاصمة الإثيوبية أديس أبابا إلى ميناء جيبوتي على البحر الأحمر، وأنشأت أيضاً أول قاعدة عسكرية خارجية لها في جيبوتي في عام 2017، حيث ساهمت هذه القاعدة التي تضم بين (1500- 2000 جندي)، في زيادة قوة الصين العسكرية في القارة الأفريقية، باعتبارها قوة رادعة لعمليات القرصنة التي تستهدف خطوط ومسارات تجارتها الخارجية، فضلاً عن أنها حالة عسكرية متأهبة لأي صدام محتمل في المنطقة. وترتبط الصين بعلاقات وثيقة مع دول القرن الأفريقي التي تستحوذ على ما نسبته 25 في المائة من قيمة الاستمثارات الصينية في القارة الأفريقية، فقد أقامت إريتريا علاقاتها الدبلوماسية مع الصين في اليوم الأول لاستقلالها عام 1993، وقد تعززت العلاقات بين البلدين في إطار مبادرة الحزام والطريق. وفي ظل التوترات الأمنية الراهنة تعتبر القوات الإريترية طرفاً فاعلاً في الصراع بمنطقة تيغراي في شمال إثيوبيا، وبالتالي كان من المهم بالنسبة للصين أن تقصد أسمرة في إطار جولة وزير خارجيتها لبحث سبل تهدئة الأوضاع بما لا يهدد مصالحها الاستراتيجية المتمثلة في الموانئ المطلة على البحر الأحمر والتي تعتبر الشريان الرئيسي النافذ إلى القارة السمراء. أما كينيا، فهي أيضاً من الدول المهمة بالنسبة للصين سواء على مستوى مشاريع البنية التحتية في مجال محطات الطاقة وسكك الحديد والتي وصل إجمالي تكلفتها العام الماضي 8.3 مليار دولار، أو على المستوى السياسي باعتبارها لاعباً حيوياً في تسوية الاضطرابات في القرن الأفريقي، حيث كان لنيروبي دور إيجابي في التعامل مع اضطرابات القرن الأفريقي خلال العقود الماضية.غير أن زيارة وانغ يي إلى كينيا أخيراً هدفت إلى ضمان ألا تصبح القروض الصينية قضية سياسية بارزة قبل الانتخابات المقررة في أغسطس المقبل، حيث سيصوت الكينيون لانتخاب رئيس جديد للبلاد بالإضافة إلى برلمانيين جدد. هذا وكانت وسائل إعلام رسمية صينية، قد قللت من مخاوف دول غربية بشأن ما يُعرف بـ “مصيدة الديون”، وقالت بأن الصين ليست أكبر دائن لأفريقيا، وأن مشكلة ديون القارة السمراء ليست خطيرة كما وصفها الغرب، بل هي مخطط مسيّس بقيادة الولايات المتحدة لتقويض العلاقات الصينية الأفريقية.

About Post Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظة © 2020 مجلة السفير | Newsphere by AF themes.