الصين وسيطاً في ملف المصالحة الفلسطينية

علي أبو مريحيل

استضافت العاصمة الصينية بكين في اليومين الماضيين، وسط تعتيم إعلامي، اجتماعات بين ممثلين عن حركتي فتح وحماس بغية الدفع نحو تحقيق المصالحة الفلسطينية، فيما كانت التسريبات تشير إلى ترؤس عزام الأحمد وفد حركة فتح، وموسى أبو مرزوق وفد حماس. وجاءت خطوة الصين في سياق محاولتها الإيحاء ببذل جهود دبلوماسية لوقف الحرب على غزة، وتأدية دور أكبر في ملف المصالحة بين فتح وحماس. وأعلنت السلطات الصينية، الثلاثاء، أن حركتي فتح وحماس أجرتا محادثات بهدف المصالحة بينهما في بكين. وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية لين جيان للصحافيين: “بناء على دعوة من الصين، قام ممثلو حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح)، وحركة المقاومة الإسلامية (حماس)، بزيارة بكين أخيراً لإجراء مناقشات معمقة وصريحة للدفع باتجاه المصالحة الفلسطينية”. وذكر أنه تم التوصل إلى اتفاق حول أفكار للحوار المستقبلي، وأن الجانبين عبّرا عن رغبة سياسية في تحقيق مصالحة من خلال الحوار ومواصلته لتحقيق وحدة فلسطينية في أقرب وقت.

وجاء تحرك الصين باتجاه المصالحة بين حركتي فتح وحماس بعد أقل من شهر على تغييرات طرأت على الحكومة الفلسطينية في الضفة الغربية المحتلة، حيث ضغطت واشنطن على الرئيس محمود عباس من أجل التحضير لإصلاحات ما بعد الحرب في قطاع غزة. وفي نهاية مارس/ آذار الماضي، شكلت السلطة الفلسطينية حكومة جديدة تقودها حركة فتح برئاسة محمد مصطفى. وقال عباس في حينه إن مهام الحكومة الجديدة تشمل الضفة، بما فيها القدس الشرقية وقطاع غزة، كما تشمل توحيد المؤسسات الفلسطينية، وتعزيز جهود الإغاثة، وإعادة الإعمار في غزة والضفة. لكن حركة حماس وفصائل فلسطينية أخرى، مثل الجهاد الإسلامي، والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، والمبادرة الوطنية الفلسطينية، عارضت هذه الخطوة، واعتبرت في بيان أن “الأولوية الوطنية هي حالياً لمواجهة العدوان الإسرائيلي وحرب الإبادة والتجويع التي يشنها الاحتلال ضد قطاع غزة”. وشددت الفصائل على أن اتخاذ قرارات فردية، كتشكيل حكومة جديدة من دون توافق وطني، يعد تعزيزاً لسياسة التفرد وتعميقاً للانقسام.

وسبق للصين أن اعترفت بفلسطين واعتبار السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية هي الحكومة الشرعية، لكنها حافظت في الوقت نفسه على اتصالاتها مع حركة حماس. وكان الاجتماع الوحيد المعترف به علناً بين بكين وحماس منذ بدء العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة في السابع من أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، قد حصل في مارس الماضي، عندما التقى المبعوث الصيني وانغ كي جيان مع رئيس المكتب السياسي لحركة حماس إسماعيل هنية في قطر. وكان وانغ، السفير الصيني السابق في لبنان، قد أجرى جولة في الشرق الأوسط في مارس الماضي، بهدف إرساء الأساس لوقف إطلاق النار وتحسين الظروف الإنسانية في قطاع غزة. وقال في تصريحات صحافية إن هنية، إلى جانب القادة العرب الآخرين، عبّروا عن تطلعاتهم وآمالهم في التوصل إلى اتفاق، وإيلاء الصين دوراً كبيراً في هذا الاتجاه. مع العلم أن بكين لم تدن الهجوم الذي شنته حركة حماس على إسرائيل في السابع من أكتوبر الماضي، الأمر الذي أثار غضب واشنطن وتل أبيب

وأظهرت الصين مساعيها في القيام بدور أكثر نشاطاً في شؤون الشرق الأوسط، بعيداً عن النفوذ الاقتصادي بعدما توسطت في اتفاق السلام بين السعودية وإيران في مارس 2023، وذلك على وقع دعوة أميركية لبكين في المساعدة من أجل وضع حد لهجمات الحوثيين في البحر الأحمر. وعندما تبادلت إيران وإسرائيل الضربات الجوية، في إبريل الماضي، دعت الصين الطرفين إلى الحد من التداعيات المتصاعدة للحرب الإسرائيلية على غزة.

ورداً على سؤال بشأن طبيعة الدور الصيني في الملف الفلسطيني، قال أستاذ الدراسات السياسية في معهد “قوانغ دونغ” لين تشين، إن هناك اعتقاداً سائداً في الأوساط الصينية بأن الوضع الطبيعي في ظل الظروف الراهنة التي تمر بها القضية الفلسطينية، هو التوجه نحو إعادة ترتيب الشأن الداخلي الفلسطيني ليكون أساساً يمكن البناء عليه خلال المرحلة المقبلة، إذ لا يمكن الحديث عن مؤتمر سلام دولي بين الفلسطينيين والإسرائيليين من دون أن تكون هناك جبهة فلسطينية موحدة. وعليه تأتي هذه المبادرة كخطوة أولى باتجاه بذل مزيد من الجهود الدبلوماسية الصينية لإحلال الأمن والسلام في منطقة الشرق الأوسط عبر مؤتمر سلام دولي ترعاه الصين. وأضاف لين أن بكين تحتفظ بعلاقات طيبة مع جميع الأطراف الفلسطينية بما في ذلك فتح وحماس، وانطلاقاً من ذلك تسعى إلى تذليل العقبات بين أكبر فصيلين على الساحة الفلسطينية، لأنها تؤمن بأن وحدة الشعب الفلسطيني هي الضمان الأساسي لانتزاع الحقوق وتحقيق حلم الدولة الفلسطينية.
في المقابل، اعتبر الباحث في مركز كولون للدراسات السياسية (مقره هونغ كونغ)، لي يوان مارتن، في حديث مع “العربي الجديد”، أن الصين تدرك صعوبة تحقيق المصالحة الفلسطينية بين فتح وحماس، لأن ذلك مرتبط بأجندات إقليمية ودولية وله علاقة مباشرة بالإرادة الأميركية. ورأى أن القرار الفلسطيني ليس مستقلاً، وأن أي خطوة في هذا الاتجاه يجب أن تحظى أولاً بمباركة الجهات المؤثرة على طرفي الانقسام، أي فتح وحماس. وبالتالي فإن الغاية من هذه المبادرة، حسب قوله، هو تحقيق مزيد من الاستثمار السياسي في تسويق صورة الصين أمام العالم كدولة راعية للسلام بعد الاختراق الذي حققته في الملف السعودي الإيراني، وكذلك محاولاتها المستمرة للتوسط في الأزمة الأوكرانية.

من جهته، أشار الخبير في العلاقات الدولية بمركز تايبيه (تايوان) للدراسات السياسية وان زانغ، إلى أن الصين لم تكن حاضرة عندما اشتدت وطأة الحرب في منطقة تضم العديد من الشركاء الاقتصاديين. وأوضح أن الصين كدولة ذات نفوذ كبير باعتبارها عضواً دائماً في مجلس الأمن، اكتفت بالدعوة لضبط النفس وبعض الحراك الدبلوماسي الخجول، على خلاف الولايات المتحدة التي تحركت بكل قوة للدفاع عن حليفتها في المنطقة (إسرائيل). واعتبر وان ذلك بمثابة جرس إنذار لشركاء الصين الاقتصاديين في الشرق الأوسط بشأن فكرة التوجه شرقاً على حساب الحليف الأميركي. واستدرك بالقول: هذا لا يعني أن المطلوب من الصين أن تحرك حاملات طائراتها، ولكن على الأقل أن يكون الدور الصيني فاعلاً وأن يؤخذ على محمل الجد.

وعن الأوراق التي في حوزة بكين، قال وان إن الصين أكبر شريك تجاري في آسيا لإسرائيل بواقع 22 مليار دولار، وهناك تبادلات بينهما في شتى المجالات، أبرزها القطاع التكنولوجي. وبالتالي كان بالإمكان أن تستخدم الصين هذه الورقة للضغط على إسرائيل من أجل وقف الحرب. وأيضاً في مجلس الأمن كان ينبغي على الصين كعضو دائم أن تقدم مبادرات ومشاريع قرارات تدعم الحقوق الفلسطينية في المؤسسات الدولية. واعتبر وان أن هشاشة الموقف الصيني تؤكد أننا ما زلنا بعيدين عن فكرة تأسيس عالم متعدد الأقطاب يضم قوى وازنة يمكن أن تزاحم الولايات المتحدة وتزيحها عن عرش الهيمنة الدولية.

من جهته، قال الباحث الصيني في العلاقات الدولية وانغ تشي بينغ، إن الصين تتحرك على الساحة الدولية انطلاقاً من مبادئ راسخة، في مقدمتها مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى. ولفت إلى أن الصين استخدمت نفوذها (الفيتو) في مجلس الأمن ضد مشاريع قرارات أميركية استهدفت منح إسرائيل الضوء الأخضر لارتكاب المزيد من المجازر بحق المدنيين في قطاع غزة. كما أنها رفضت إدانة حركة حماس على غرار الدول الأخرى، ومن بينهم دول عربية وإسلامية، ودعت لتسهيل دخول المساعدات الإنسانية إلى القطاع عبر معبر رفح. وبالتالي فإن التقليل من الموقف الصيني، حسب قوله، هو محاولة مشبوهة لإقحام الصين في دوامة الأزمات التي يعاني منها الشرق الأوسط.

About Post Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظة © 2020 مجلة السفير | Newsphere by AF themes.