العراق، أزمات متلاحقة وانسداد سياسي

تقدير موقف

بلغت الأزمة السياسية التي يعيشها العراق منذ انتخابات مجلس النواب العراقي المبكرة التي جرت في أكتوبر 2021، ذروتها في 29 أغسطس 2022؛ حين تحولت الأزمة إلى مواجهة مسلحة بين التيار الصدري وبعض قوى الإطار التنسيقي، الذي يضم قوى وتنظيمات قريبة من إيران، سقط فيها أكثر من 30 قتيلًا ومئات الجرحى.

جاء هذا التصعيد بعد نحو شهرٍ من اعتصام مفتوح لأنصار زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر، في مبنى مجلس النواب العراقي، في المنطقة الخضراء احتجاجًا على ترشيح قوى الإطار التنسيقي، عضو مجلس النواب العراقي، محمد شياع السوداني، لتولي منصب رئاسة الحكومة.

وقد اعتصم مناصرو الإطار أمام بوابة الجسر المعلّق خارج المنطقة الخضراء، ردًّا على اعتصام أنصار التيار، مطالبين بتشكيل حكومة جديدة وإنهاء تعليق عمل مجلس النواب. ورغم احتواء المواجهات المسلحة التي شهدتها البلاد يوم 29 آب/ أغسطس، لا يبدو أنّ الأزمة السياسية في طريقها إلى الحل.

حيث تعد هذه التطورات الأحدث في إطار أزمة سياسية تعصف بالبلاد منذ أكثر من عشرة شهور أثارها الإخفاق المستمر في التوصل إلى تشكيل حكومة ائتلاف وطنية. وتمثّل “تمرينًا مصغرًا” لما يمكن أن يقود إليه صدام شيعي – شيعي، في بلد أصبحت فيه الميليشيات أقوى من الدولة، ولديها من السلاح الكثير. وقد دفعت هذه المخاوف إلى إطلاق مختلف الأطراف دعوات للعودة إلى طاولة الحوار، للاتفاق على ظروف إجراء “انتخابات مبكرة”، بحسب ما جاء في خطاب رئيس الجمهورية، برهم صالح، في اليوم التالي للمواجهات. وقد تفضي هذه الديناميكية إلى تشكيل حكومة مؤقتة تقود إلى إجراء الانتخابات. غير أن هذا المخرج السياسي المؤقت، وإن قاد العراق إلى انتخابات وحكومة جديدتين، فإنه لا يحل الأزمة؛ ذلك أنها أزمة منظومة حزبية طائفية تستغل دستورًا ديمقراطيًّا لتحوّل النظام إلى نظام محاصصة طائفية.

أُجريت انتخابات مجلس النواب المبكرة في العراق في أكتوبر 2021، بوصفها نتيجة للحركة الاحتجاجية التي انطلقت في خريف 2019، وقادت إلى استقالة حكومة عادل عبد المهدي (نوفمبر 2019)، وتشكيل حكومة مصطفى الكاظمي (مايو 2020)، التي تَمثّل هدفها الرئيس في إجراء انتخابات مبكرة. وقد فاز التيار الصدري بأكبر عدد من مقاعد مجلس النواب، بحصوله على 73 مقعدًا من أصل 328 مقعدًا، وسعى إلى تشكيل تحالف برلماني باسم “إنقاذ وطن” مع تحالف “السيادة” (يمثل المحافظات السنّية) الذي حصل على 37 مقعدًا، والحزب الديمقراطي الكردستاني الذي حصل على 31 مقعدًا.

في المقابل، ظهر تحالف الإطار التنسيقي، وهو تجمع برلماني تشكّل في مارس 2021 من أجل تنسيق مواقف القوى الشيعية الموالية لإيران، وأهمها ائتلاف دولة القانون وتحالف الفتح وآخرون، بقوة برلمانية قوامها 58 نائبًا؛ ما يعني تراجع التأييد لإيران والميليشيات المسلحة في المحافظات الشيعية لمصلحة قوى تؤكد على الدولة والوطنية العراقية.

وبعد فوز التيار الصدري، دعا زعيمه مقتدى الصدر، إلى تشكيل حكومة أغلبية سياسية، في حين عُدَّ ذلك خروجًا على تقاليد المحاصصة التي تكرست منذ عام 2003. ويقوم نظام المحاصصة في العراق على مستويين. فالمستوى الأول هو توزيع المناصب السياسية الرئيسة على المكونات الإثنية والدينية والطائفية، وفق معادلة ثابتة تقريبًا للمكونات الرئيسة أو الكبرى (العرب الشيعة “50% +1″، والعرب والسنة “20 في المئة”، والكرد “20 في المئة”)، مع “كوتا” للأقليات الأخرى. أمّا المستوى الآخر، فهو توزيع المناصب التنفيذية داخل القوى السياسية الممثلة لكل مكوّن، بحسب حجمها الذي تفرزه الانتخابات.

حاول الصدر تشكيل حكومة أكثرية، مع قوى كردية وسنّية من دون أن يسبق ذلك توافق شيعي، وهو الأمر الذي فجّر حالة الصراع القائم حاليًّا؛ إذ تداعت القوى الشيعية الأخرى – بالتحالف مع القوى التي لم تنخرط في الائتلاف الذي دعا إليه الصدر – إلى منع انعقاد جلسة انتخابات رئيس الجمهورية، الذي يتولى تكليف مرشح الكتلة الكبرى بتشكيل الحكومة، وفقًا للمادة 76 من الدستور؛ وذلك بمنع اكتمال النصاب القانوني. وينص الدستور العراقي (المادة 70/ أولًا) على أن انتخاب رئيس الجمهورية يكون بأغلبية ثلثي الأعضاء. وقد جرى الاصطلاح على تسمية الثلث الذي تملكه القوى الشيعية المعارضة للصدر بـ”الثلث المعطل”.

هكذا جرى تعطيل نشوء حكومة أغلبية أفرزتها نتائج الانتخابات؛ فقد أدى الفشل في انتخاب رئيس جديد للعراق إلى تعطيل قدرة التيار الصدري وتحالفه على تشكيل حكومة جديدة. وبررت قوى الإطار موقفها هذا بأنّ مقترح التيار لتشكيل حكومة أغلبية يهدد النظام التوافقي القائم في العراق منذ عام 2003، بمعنى أنه يُخرجها من عملية اقتسام موارد الدولة التي ينظر إليها على نطاق واسع من القوى السياسية باعتبارها “غنيمة”، علمًا أن الانقسام بين القوى الشيعية لا يقتصر على تشكيل الحكومة، بل يتعداها إلى طريقة إدارة الدولة ووجود الميليشيات وطبيعة العلاقة مع إيران.

وفي ضوء إفشال رؤية التيار المتصلة بتشكيل حكومة أغلبية سياسية والعمل السياسي من داخل مجلس النواب، قرر نوابه الاستقالة، في 12 يونيو 2022، امتثالًا لقرار زعيمهم الذي برر انسحابه بعدم رغبته في المشاركة مع “الساسة الفاسدين” في إدارة شؤون البلاد، وذلك في ضوء الضغوط المتزايدة عليه لتشكيل حكومة محاصصة. وبدت هذه الخطوة مقدمةً لانتقال الصراع من الإطار المؤسسي إلى الشارع؛ ففي 27 يوليو 2022، اقتحم عشرات الآلاف من أتباع الصدر مبنى مجلس النواب العراقي، ودخلوا في اعتصام مفتوح في مبنى المجلس ومحيطه، ثم اقتحموا مقر مجلس القضاء الأعلى في بغداد، واعتصموا أمامه في 23 أغسطس 2022.

وقد عبّر أنصار التيار الصدري بتحركهم هذا عن رفض ترشيح الإطار، الذي أصبح الكتلة الأكبر في مجلس النواب، بعد استقالة نواب الكتلة الصدرية، محمد شياع السوداني، لرئاسة الحكومة الجديدة.

أسفرت المواقف المتشددة التي اتخذها التيار والإطار، بعد أن أصر الصدر على مطلبه المتمثّل في إجراء انتخابات مبكرة، مقابل إصرار الإطار على مرشحه لرئاسة الحكومة، عن نقل الأزمة إلى مواجهة مسلحة. وبغض النظر عن الكيفية التي بدأت فيها المواجهة، فإنها قد عبرت عن حالة انسداد الأفق التي بلغها الطرفان. فعلى مستوى التيار، لم يستطع الصدر حشد القوى التي تشكّل العمود الفقري للاحتجاج إلى جانبه، ولا سيما القوى المدنية والعلمانية، وفي قلبها قوى الحراك الثوري لعام 2019.

بعد انتخابات عام 2021 لم يتغير المزاج الشعبي وأولويات الناخب وشعارات المرشحين فقط، بل تغيرت بشكل كبير تأثيرات الفواعل الداخلية والخارجية وأوزانها، فمرجعية النجف الأشرف التي كانت من أهم الفواعل تخلت عن دورها الجوهري في تحديد رئيس الوزراء والتزمت الصمت.

والولايات المتحدة الأمريكية التي كان لها التأثير الأكبر في المشهد السياسي العراقي لدورات برلمانية متعاقبة تغيرت أولوياتها، ولم يعد للسفراء الأمريكيين في بغداد الرغبة ذاتها في التأثير الذي كانوا يتمتعون به في السابق، وتراجع دور إيران بعد مقتل الجنرال قاسم سليماني وأصبحت طهران بعد تنامي قوة الشارع العراقي تخشى مشاعر الغضب الشعبي العراقي تجاهها.

ووسط تراجع الفواعل التقليدية المؤثرة، تصاعد الدور التركي ميدانياً وسياسياً، وظهرت ملامح بريطانية غير معلنة على بعض الطبخات السياسية التي تتسق مع الرغبة في الانقلاب على تقاليد ما بعد عام 2003، وبصورة أدق الانقلاب على القوى التقليدية التي تميزت بعلاقاتها الوثيقة مع إيران، وأصبحت الأروقة السياسية تتحدث عن لاعبين جدد.

وحافظ الاتحاد الأوروبي رغم حضوره الواسع على توازنه وعدم انحيازه لأي طرف، بخلاف الأمم المتحدة ورئيسة بعثتها في العراق جنين بلاسخارت التي احتفظت برؤيا طموحة لتغيير الواقع والتناغم مع رغبات الشارع، لكنها أخفقت في مسك العصا من الوسط، لذلك هي تتعرض إلى حملات إعلامية قاسية من قِبل الأطراف كلها.

وفي الأحوال جميعها سيكون الفشل مصير أي حكومة تتجاوز الفواعل الداخلية والخارجية، وسيكون الفشل مصير أي حكومة ينتجها التعجل من قِبل قوى الإطار سواء في المنهج أو في اختيار شخصية غير قادرة على المضي في حقل الألغام العراقي.

 

 

 

About Post Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظة © 2020 مجلة السفير | Newsphere by AF themes.