المرأة والسلطة، بصمات بارزة على دفة القيادة

إعداد رولا ضاهر

 

حققت قبل أيام رئيسة وزراء نيوزيلندا جاسيندا أردرن، فوزاً ساحقاً في الانتخابات التشريعية لتمنح حزب العمال الذي تنتمي إليه، أغلبية غير مسبوقة في البرلمان، حيث لم يسبق أن حقق أي حزب نيوزيلندي الغالبية المطلقة منذ إصلاح النظام الانتخابي في عام 6991، وهو ما يعني أن كافة رؤساء الوزراء الذين تعاقبوا على رئاسة الحكومة، حكموا بواسطة ائتلاف.
هذا التفويض يعني أن جاسيندا، البالغة من العمر أربعين عاماً، يمكنها تشكيل أول حكومة من حزب واحد منذ عقود، وبهذا تستطيع تحقيق التحول التدريجي الذي وعدت به وفشلت في تحقيقه أثناء ولايتها الأولى حين تقاسم حزبها السلطة مع الحزب الوطني. ونالت جاسيندا، خلال ولايتها الأولى الاستحسان في جميع أنحاء العالم، لا سيما بسبب استجابتها الحاسمة والمتعاطفة مع ضحايا هجوم كرايستشيرش الإرهابي، واستجابتها لجائحة فيروس كورونا. وكانت من بين القائدات اللاتي قادت إدارتُهن للأزمة الصحية العالمية الباحثينَ إلى استنتاج مفاده: أنه من بين 192 دولة كان أداء البلدان التي تقودها سيدات أفضل على نحو ملحوظ من نظرائهن في البلدان التي يقودها الرجال.
نجاح رئيسة الوزراء النيوزيلندية الحاليةـ يضعنا أمام تساؤلات عن كفاءة المرأة في السلطة مقارنة بالرجل. وبالعودة إلى التاريخ، فإن سيريمافو باندرانايكا، هي أول رئيسة منتخبة في العالم نجحت في الوصول إلى سدة السلطة بجزيرة سيلان – المعروفة اليوم بسريلانكا وذلك عام 0691، وعلى مدار العقد الذي تلى ذلك تولت سيدتان فقط السلطة، إنديرا غاندي في الهند، وجولدا مائير في إسرائيل.
ومنذ ذلك الحين كان هناك تسعين سيدة فقط من القيادات النسائية حول العالم. أما في وقتنا الراهن، فشغل 21 امرأة منصب رئاسة أو حكومة من أصل 193 دولة حول العالم، وفقا لمجلس العلاقات الخارجية، وهي منظمة فكرية مقرها الولايات المتحدة. وربما يكون التقدم بطيئا، إلا أن عدد السيدات اللاتي يترشحن من أجل السلطة، ويفزن أكثر من أي وقت مضى، مع زيادة ثابتة في العدد الإجمالي في العقود الماضية. ففي ثمانينات القرن الماضي انتخِبت 11 امرأة لرئاسة الدولة، وفي التسعينات، ارتفع هذا العدد إلى 22، واستمر هذا الاتجاه التصاعدي حتى وصل إلى 25 في العقد الذي تلى ذلك.
ومنذ عام 0102 انتخِبت 56 سيدة لرئاسة دولهن. وفي الوقت نفسه أصبح صوت الرغبة المتزايدة في بلوغ المزيد من السيدات مناصب قيادية مسموعاً أكثر يوماً بعد يوم، إذ تسرّبت دعوات تمكين المرأة من الشوارع حتى وصلت إلى أروقة السلطة. فعلى سبيل المثال، في ببيلاروسيا، كانت السيدات في طليعة الاحتجاجات ضد رئيس البلاد ألكسندر لوكاشينكو، ونظامه حكمه المستمر منذ عقود. وكانت شرطة مكافحة الشغب قد اعتقلت مئات السيدات بمينسك العاصمة في سبتمبر الماضي، أثناء احتجاجهن على الانتخابات التي زعمن أنها مزورة، ورفعت بعضهن لافتات مكتوب عليها: احتجاجنا له وجه نسائي. وفي الولايات المتحدة، حيث تحطمت آمال أول رئيسة للبلاد عام 2016، حين ربحت هيلاري كلينتون التصويت الشعبي، لكنها خسرت أمام دونالد ترامب الذي كشف عن مظاهر تفاخره بكره النساء أثناء حملته الانتخابية الأولى. لكن أداء الدولتين من حيث التكافؤ السياسي في الحكومة، أقل بكثير مما هو منشود. ووفقاً لمؤشر قوة المرأة في مجلس العلاقات الخارجية، حصلت بيلاروسيا على 37 درجة، بينما حصلت الولايات المتحدة على 17 درجة فقط في مقياس تمثل فيه الدرجة مئة النساء اللاتي يحظين بتمثيل بنسبة 05% على الأقل في جميع مستويات الحكومة.
وبما أن أربعة بلدان فقط حققت مستوى أساسياً من المساواة في البرلمان، فإن المساحة في أعلى القائمة هائلة. حيث احتلت كوستاريكا المرتبة الأولى بتقييم بلغ 74 نقطة، وتلتها رواندا بـ70 نقطة، والسويد بـ69، وفنلندا بـ68، وأيسلندا بـ68، ونيكاراجوا بـ 76. بينما سجلت نيوزيلندا، 51 نقطة فقط، في حين أن الدول الأخرى التي تروِّج لنفسها على أنها تحفظ المساواة مثل: كندا، وألمانيا، والولايات المتحدة، لا تزال في مراتب أقل.
ومع ذلك، هناك تقدم يحدث؛ إذ تضاعفت مشاركة المرأة في البرلمان منذ 1995 لتصل إلى معدل عالمي يبلغ 24.6% عام 9102. وهناك العديد من العوائق التي تحول دون التكافؤ بين الجنسين في التمثيل السياسي، بما فيها التحيزات المتأصلة بين الجنسين التي غالباً ما يغذيها الاعتقاد السائد بأن المرأة لا تستطيع الفوز بسبب التحيز الجنسي للناخبين الآخرين. حيث تواجه المرشحات والقائدات أيضاً قدراً متبايناً من التحرش والعنف، وقد تزايدت الهجمات بدوافع سياسية على السيدات في كل منطقة في العالم تقريباً، ووصلت إلى مستوى قياسي في عام 9102.
وكثير من هذا العنف ناجم عن كره السيدات، وهي أمراض متأصلة في معظم المجتمعات. حيث تنادي معظم المنظمات النسائية بإصدار قوانين لتجريم العنف ضد المرأة في السياسة، وتدريب المراقبين والسلطات للرصد والإبلاغ عن الاعتداءات على الناخبات والمرشحات. ومع استمرار دخول المزيد من السيدات إلى معترك السياسة، هناك المزيد من الدراسات التي تسلط الضوء على التأثيرات التي يمكن أن تحدثها زيادة تمثيل المرأة، ولو بنسب بسيطة. وقد وُجِد سابقاً أن الأنظمة القوية التي تتمتع بقدر أكبر من المساواة بين الجنسين تركز أكثر على الصحة والتعليم، بل يكون لها تأثير دائم على نجاح مفاوضات السلام.
وفي حين أن هناك دراسات متناقضة حول ما إذا كانت عضوات الكونجرس الأمريكيات قد حققن نجاحاً أكبر من الرجال في الوصول عبر الخطوط الحزبية إلى تمرير التشريعات، وتجدر الإشارة هنا إلى دارسة أجراها معهد بوينتر للدراسات الإعلامية عام 2018 تُظهر أن السيدات يناصرن تمرير مشاريع القوانين أكثر، ويوفرن مخصصات مالية حكومية أكبر لدوائرهن الانتخابية، وتحت ظروف معينة، يستطعن الوصول إلى تسويات مع الأحزاب الأخرى. ففي مجلس الشيوخ، كانت السيدات أكثر نجاحاً من الرجال في تمرير مشاريع القوانين. وأظهرت الدراسات أيضاً أنه عندما تُنتخب السيدات، يعملن بجد أكبر من زملائهن الرجال، علاوة على ذلك حال زيادة عدد السيدات في البرلمان بنسبة 5% تقل احتمالية الاستجابة بعنف لأي أزمة دولية بمقدار خمس مرات.
ومع ذلك فإن الصورة النمطية السلبية التي يطلقها معارضوهن الذكور، وضرورة التنقل في أروقة الهياكل الذكورية، والخوف من الظهور بمظهر ضعيف قد يؤدي أحياناً إلى نتيجة عكسية، إذ أحصى الباحثون عشر أزمات عسكرية في القرن العشرين كانت السيدات في سدة الحكم في أربعة منها.
أخيراً، لا بد من الإشارة إلى أن هذا الموضوع الشائك والمتشعب مازال في حاجة إلى مزيد من البحث، ومزيد من السيدات في السلطة لدراسة أدائهن في المقام الأول، من أجل الوصول إلى فهم كامل لتأثير التكافؤ بين الجنسين في التمثيل السياسي. ولكن ما يدعو إلى التفاؤل أن الدراسات التي أجريت حتى الآن تؤكد جميعها أن المشاركة السياسية للمرأة تعزز التعاون الحزبي، والمساواة، والاستقرار، وهي ثلاث قيم أساسية في بناء ونهوض الأمم.

 

 

About Post Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظة © 2020 مجلة السفير | Newsphere by AF themes.