انتهاء المناورات الصينية، حسابات الربح والخسارة

علي أبو مريحيل – رئيس التحرير

أسدل الستار عن مناورات صينية بالذخيرة الحية المكثفة في محيط جزيرة تايوان استمرت خمسة أيام وتسببت في خلق مناخ تجييشي وزيادة التوترات الأمنية والعسكرية على نحو أوحى باشتعال فتيل حرب في المنطقة.

وفور انتهاء المناورات العسكرية، نقل تلفزيون الصين المركزي، عن مصدر عسكري قوله، بأن جيش التحرير الشعبي الصيني سيجري من الآن فصاعدا تدريبات منتظمة على الجانب الشرقي من الخط الوسطي في مضيق تايوان، وهو منطقة بحرية تفصل بين الجزيرة والبر الرئيسي الصيني، وعادة لا تصلها الطائرات والسفن الحربية من كلا الجانبين، الأمر الذي يعتبر اختراقاً أمنياً جديداً من جانب بكين.

بالإضافة إلى ذلك، اعتبر خبراء صينيون، أن جيش التحرير الشعبي حقق مراده من هذه التدريبات، والتي تتمثل في عدة نقاط أهمها: تحويل المناطق البحرية المحددة في محيط الجزيرة إلى مسرح لعمليات عسكرية روتينية من شأنه أن يؤمن مسارات القوات المشتركة في أي غزو محتمل. وكذلك التدرب على الهبوط البرمائي كمحاكاة عملية في مسرح العمليات، قد يقلل من حجم الخسائر في أي معركة قادمة، على اعتبار أن أكثر تحد بالنسبة للقوات الصينية هو مواجهة الدفاعات التايوانية في أثناء الإنزال على ساحل الجزيرة.

أما من حيث الثمار السياسية، اعتبر هؤلاء أن بكين نجحت في توجيه رسالة إلى واشنطن بأن أي تصرفات مستقبلية من هذا النوع (زيارة بيلوسي إلى تايبيه) لم تمر دون ثمن، وستكون تكلفتها باهظة، وأن الصين لن تحتاج في المستقبل إلى شجب مثل هذه الزيارات، لأنها ستتخذ خطوات عملية بعد تجاوز رد فعلها حدود الأقوال والتصريحات.

في المقابل، قال خبراء في تايوان، إن الصين فشلت في تخويف الجزيرة، وأن ردها كان أقل مما أقدمت عليه حين زار رئيس تايوان  لي تنغ هوي، الولايات المتحدة عام 1995، وأن الفشل سيعود على قيادة البر الرئيسي بتكثيف تواجد وتمركز القوات الأميركية في منطقة المحيطين، وهي خطوة تعتبرها بكين تهديداً لأمنها القومي.

وكان المتحدث باسم الأمن القومي الأميركي جون كيربي، قد صرح بأن القوات الأميركية ستجري عبوراً جوياً وبحرياً قياسياً عبر مضيق تايوان في الأسابيع القليلة المقبلة، بما يتفق مع نهج بلاده في الدفاع عن حرية البحار والقانون الدولي، وأضاف بأنه سيتم اتخاذ المزيد من الخطوات لإظهار التزام واشنطن بأمن حلفائها في المنطقة. كما أعلن البنتاغون بالتزامن بأن حاملة الطائرات يو إس إس رونالد ريغان ومقرها اليابان ستمدد انتشارها المقرر في غرب المحيط الهادئ.

يقول حبراء صينيون إن انتشار القوات الصينية في محيط الجزيرة وتطويقها من كل الاتجاهات كان بمثابة بداية العد التنازلي للجدول الزمني لبكين لإعادة توحيد تايوان بالقوة، وأضاف بأن الصين ستعمل من خلال إعلانها إجراء تدريبات منتظمة في المنطقة، على استمرار الضغط وفرض المزيد من السيطرة على الجزيرة. الأمر الذي اعتبروه نقطة ارتكاز يمكن الانطلاق منها في أي وقت تحدده بكين وتراه ضرورياً للانقضاض على تايبيه.

ورأى فريق آخر أن الصين نجحت في تثبيت واقع جديد بمضيق تايوان يتوافق مع أجندتها ومصالحها الأمنية، وأنها أظهرت للعالم بأنها تتصرف بلياقة حتى في أوج غضبها دون الانزلاق إلى مواجهة عسكرية مفتوحة كما حدث مع روسيا في الأزمة الأوكرانية.وأشار هؤلاء بأن الإنصاف في التعامل والنظر إلى المناورات العسكرية الصينية هو وضعها في إطارها الصحيح الذي لا علاقة له بشن هجمات على جزيرة تايوان كما صوّر الإعلام الغربي، مشددين على أن الهدف الرئيسي هو إظهار موقف بكين وقدرتها على السيطرة، وتوجيه رسالة إلى واشنطن بالتوقف عن التدخل في شؤون تايوان، وهو ما تحقق، على الأقل خلال فترة المناورات التي اكتفت فيها الولايات المتحدة بدور المتفرج.

على الجانب الآخر، قال خبراء في تايوان إن سكان الجزيرة توقعوا من خلال تصريحات قادة الحزب الشيوعي أثناء زيارة بيلوسي لتايبيه، بأن الجيش الصيني سيمطرهم بالقذائف الصاروخية كما حدث عام 1996، وأوضحوا بأنه في تلك الأثناء فرّ العديد من سكان الجزيرة إلى الخارج، وكانت المنطقة بأكملها مستعدة للحرب، حتى أن بعض الجنود كانوا يكتبون وصاياهم. بينما كان التايوانيون أثناء المناورات العسكرية الأخيرة يمارسون حياتهم بصورة اعتيادية، حتى أن العديد منهم ذهب إلى الساحل للاستجمام والهروب من حر الشمس.

واعتبر هؤلاء بأن الخطوة الصينية خدمت بشكل مباشر حظوظ الحزب الديمقراطي التقدمي الحاكم  في انتخابات الحكومة المحلية المقرر انعقادها في نوفمبر المقبل، وأضافوا بأن التصعيد الصيني لم يؤدي إلا إلى تكثيف المشاعر المناهضة لبكين في تايوان، وبالتالي الالتفاف حول الحزب الحاكم بالرغم من إخفاقاته الواضحة على مستوى السياسة الداخلية، ما يعني أن الصين قدمت من خلال عملياتها العسكرية طوق نجاة لحكومة تساي إنغ وين.

About Post Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظة © 2020 مجلة السفير | Newsphere by AF themes.