بكين وواشنطن .. جاذبية القيم وتنافر المعايير

اتهمت الصين قبل أيام الولايات المتحدة بازدواجية المعايير فيما يتعلق بالمواجهات القائمة بين إسرائيل والفلسطينيين، وقالت المتحدثة باسم الخارجية الصينية خوا تشون يِنغ، في تصريحات صحفية: “بينما الولايات المتحدة تزعم أنها تهتم بحقوق الإنسان للمسلمين، فإنها لا تعير اهتماما بمعاناة الشعب الفلسطيني”.  وأشارت إلى أن بلادها تسعى إلى دفع مجلس الأمن لأداء مهامه في القضية  الفلسطينية من أجل الحفاظ على السلم والأمن الدوليين. ما تقدم يعيدنا مجدداً إلى السجال المستمر بين بكين وواشنطن فيما يتعلق بالمعايير والقيم، التنافس التقليدي بينهما. يعتقد خبراء أمريكيون بأنه لا ينبغي للولايات المتحدة افتراض أن قيمها أكثر جاذبية للعالم من قيم الصين. وأن المخاوف المتزايدة بين الطرفين مبالغ فيها إلى حد كبير جداً، باعتبار أن كلا البلدين لا يشكل تهديدًا حقيقيًا لسيادة الطرف الآخر أو استقلاله. فالدولتان كبيرتان جداً ومكتظتان بالسكان، وهما بعيدتان عن بعضهما ولا تفكر إحداهما في غزو الدولة الأخرى، أو حتى فرض إرادتها على الطرف الآخر بأسلوبٍ قسري، إلى جانب امتلاكهما أسلحة نووية، مما يضع قيودًا أكثر صرامة على قدرة أي من الدولتين على إجبار الأخرى على الانصياع لما تريده. فضلاً عن أنه ليس من الوارد أن تفرض  أي من البلدين على البلد الآخر اعتناق أيديولوجيتها السياسية، فالصين ليست على وشك أن تصبح ديمقراطية متعددة الأحزاب، كما أن الولايات المتحدة لن تصبح نظامًا رأسماليًا لدولة يديرها حزب واحد . على ضوء ذلك، تبقى جوانب المنافسة مادية بحتة، في ظل سعي كل دولة منهما إلى تطوير قدرات تكنولوجية فائقة واتساع نطاق التنافس ليصل إلى الفضاء. ومع ذلك تسعى كل دولة إلى الدفاع عن القواعد أو المعايير التي تعتقد أن النظام العالمي يجب أن يقوم عليها والترويج لها. فالنظام العالمي الذي تفضله الصين على عدة معايير تؤكد السيادة الإقليمية وعدم التدخل، وتتبنى صورة لعالمٍ يتسع للعديد من الأنظمة السياسية المختلفة، ويعطي أولوية للجماعة على حساب الفرد، مثل اهتمام الصين بمسألة الأمن الاقتصادي. في المقابل ترى واشنطن أن النظام العالمي يجب أن يقوم على القيم الليبرالية، التي تضمن تمتع الجميع بحقوقٍ محددة لا يستطيع أحد حرمانهم منها. ولكن كلا البلدن تجاوزا الإعلانات المعيارية، في عدة مناسبات، فالولايات المتحدة على سبيل المثال،  لطالما تجاهلت السلوك غير الليبرالي لحلفائهم الرئيسيين، بالرغم من التغني الدائم بالتزامها العميق بالحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان الأساسية، وربما يعكس ذلك موقفها من الحرب التي تشنها حليفتها إسرائيل على الفلسطينيين في قطاع غزة. ولكن هل من المحتمل أن تكون المعايير الليبرالية التي تتبناها واشنطن وأقرب حلفائها أكثر جاذبية للآخرين من دفاع بكين الصريح عن السيادة الوطنية، وتأكيدها المتكرر عدم التدخل في شؤون الآخرين، وإصرارها على أن كافة الدول على اختلاف مشاربها لها الحق في تطوير مؤسسات سياسية تتماشى مع ثقافاتها وتجاربها التاريخية الخاصة.   لا ينبغي للولايات المتحدة افتراض أن قيمها أكثر جاذبية للعالم من قيم الصين، فمجموعة القواعد التي تفضلها الأخيرة يرجح أن تثبت جاذبيتها في العديد من الأماكن ولعدد كبير من الحلفاء. فمعظم القادة  يفضلون نظامًا عالميًا يمنح كل الدول الحق في تحديد نظام الحكم الخاص بها. نظامُ حكمٍ لا يُسَوِّغ للأجانب الضغط عليهم بشأن ما يحدث داخل حدودهموهنا يبدو الفرق جلياً بين توجه الصين نحو تقديم مساعدة تنموية غير مشروطة بالإصلاحات المحلية  لحلفائها، في حين أن برامج المساعدات الأمريكية تقوم على مدى التزام الدول المحتاجة بالقيم الأمريكية. لذلك من المتوقع أن يحظى دفاع الصين عن عدم التدخل ورفضها للمعايير الليبرالية، بدعم الكثير من قادة الدول خصوصاً تلك التي لا تتمتع بدرجة عالية الشفافية والديمقراطية. هذا الموقف يجعل الصين أبعد عن دائرة الاتهامات المتكررة في إطار المناكفة الساسية مع الولايات المتحدة والغرب، على الأقل من وجهة نظر الحلفاء أو المستفيدين من السخاء الصيني. فإقرار بكين بحق جميع الدول في التطور على النحو الذي تراه مناسبًا؛ يترك لها الحرية في التعامل مع الديمقراطيات والديكتاتوريات العسكرية والأنظمة الملكية، وتكييف علاقاتها مع كل منها وفقًا للظروف المحلية. على النقيض من ذلك تبدو واشنطن ذات وجهين عندما تعلن تأييدها للمبادئ الليبرالية، لكنها في الوقت ذاته تواصل دعم الحلفاء المقربين الذين لا يفتأون ينتهكون هذه المُثُل العليا على الدوام،، مثل إسرائيل. هذه المعادلة تظهر نهج الصين الذي يدافع عن عدم التدخل في شؤون الدول الأخرى وعدم السماح للآخرين بالتدخل في شؤونها، وكأنه  سيحل في نهاية المطاف محل المُثُل الليبرالية التي تسعى الولايات المتحدة لفرضها في النظام العالمي.

 

 

 

About Post Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظة © 2020 مجلة السفير | Newsphere by AF themes.