تجربتي مع اللغة الصينية

د. بسمة مصطفى – مترجمة مصرية

 

في بداية دراستي للغة الصينية، سمعت الجملة التالية مراراً من بعض الأساتذة المصريين وحتى الصينيين: «لن تصبح اللغة الصينية لغة معممة كاللغة الإنجليزية، وإن كان هذا حلم الصين، فلربما هو حلم مستحيل».

أتذكر هذه الجملة جيداً في سنوات الدراسة الأولى، وحفظتها كما أحفظ الرموز الصينية، وباتت في ذاكرتي كما الرموز الأولى التي عانيت حتى احفظ طريقة كتابتها أو رسمها كما كنا نقول في بداية دراستنا.

مع مرور الوقت وأنا أشهد انتشار تدريس اللغة الصينية، وإقبال الطلاب على دراستها وتأييد الحكومات حول العالم لنشر تعلم اللغة الصينية كنوع من توطيد علاقاتها مع الصين بحكم أنها ثاني أقوى كيان اقتصادي على مستوى العالم ولاسيما حكوماتنا العربية، كنت أفكر من وقت لآخر في تلك الجملة، كما كنت أتحدث مع زملائي في هذا الشأن.

ولم نتفق جميعا على إجابة واحدة، فبعضنا كان يرى ذلك مستحيلاً خصوصا بسبب التحديات الاقتصادية والتعقيدات التي تواجهها الصين من أمريكا، والبعض الآخر كان يرى ذلك محتملاً وليس أمراً صعباً، ولكن يحتاج وقتاً طويلاً ومثابرة.

وكان هذا الرأي يؤيد بأن القوى الناعمة هي أفضل سلاح للصين للتقرب والتودد للدول الأخرى، وإقامة تحالفات جديدة بعيداً عن الكيان الأمريكي نهائيا، وذلك لضمان البقاء بقوة ومن ضمن ذلك نشر اللغة الصينية وتعميمها.

أتيت إلى الصين في عام 2012 وحتى الآن لم أغادرها إلا لزيارة أهلي فقط، عشت سنوات طويلة داخل جامعتي، كنت متابعة جيدة للسياسات الخارجية الصينية، وأعيش يوما بيوم نتائج ثمار الإصلاح والتغير داخل المجتمع الصيني، أستطيع أن أقول أن الثماني سنوات هذه كانت نقلة كبيرة في تاريخ الصين سواء داخليا أم خارجيا.

لا أود الحديث عن التغيرات والاصلاح الذي حدث داخل المجتمع الصيني خلال هذه السنوات فالحديث يطول. ولكن أود أتحدث مباشرة عن جزء من علاقات الصين الدبلوماسية خلال الأعوام الماضية، فقد أفسحت المجال لمزيد من الانفتاح على العالم ونشر اللغة والثقافة الصينية، رأيت الصين تبذل الكثير من الأموال من أجل إقامة معاهد تعليم اللغة الصينية وتبرم كثير من الاتفاقيات حول بدأ تدريس اللغة الصينية في المراحل الجامعية في البلدان المختلفة، وتسهيل ذلك من خلال تقديم دعم وإرسال فرق معلمين مؤهلين لتعليم اللغة الصينية، واستقطاب طلاب من جميع أنحاء العالم لتعلم اللغة الصينية في البلاد، وذلك من خلال منح دراسية مجانية.

أستطيع القول إنه في السنوات الأخيرة أصبح تعلم اللغة الصينية هو حديث العصر، الكل يريد تعلم اللغة الصينية والكل يريد الذهاب إلى الصين لاستكمال دراسته، فالموضوع سهل جدا مقارنة بمحاولة الذهاب إلى انجلترا أو أي دولة أوروبية للدراسة هناك.

وإذا أخذنا مصر كمثال بما إنها أول دولة عربية وأفريقية تقوم بتدريس اللغة الصينية في جامعاتها، سنجد أن هناك 16 جامعة تقوم بتدريس اللغة الصينية ضمن أقسامها، ويوجد ثلاثة آلاف طالب يدرسوا اللغة الصينية في الجامعات المصرية غير الخريجين من قبل.

بالطبع لا مقارنة بين وضع اللغة الصينية في مصر ووضع اللغة الإنجليزية وليس من العدل أن نقارن بينهما، لكن نستطيع أن تقارن بين وضع اللغة الصينية واللغة الفرنسية والألمانية والإيطالية، أستطيع أن أقول إن اللغة الصينية انتصرت على هذه اللغات بمجهود ربما لا يتعدى عشر سنوات، حيث تجاوزت اللغة الصينية شعبية هذه اللغات في أقسام تعلم اللغات في الجامعات المختلفة، بل والشيء المذهل أصبح الإقبال على تعلم اللغة الصينية طواعية بعدما كانت دراسة اللغة الصينية لهؤلاء الذين لم يحصلوا على درجات مرتفعة في مجموع اللغات في الثانوية العامة ولم يحالفهم الحظ لدراسة اللغة الفرنسية أو الألمانية، لذلك وضعت الجامعات خلال السنوات الأخيرة شروطاً للالتحاق بقسم اللغة الصينية.

هل دراسة اللغة الصينية اقتصرت فقط على المرحل الجامعية؟ بالطبع لا، أعلم أن أستراليا وغيرها من الدول بدأت في تدريس اللغة الصينية من المراحل الابتدائية، ولدينا أيضاً مثال حي في مصر، فهناك مدرسة صينية في مصر تم افتتاحها عام 2008، وتعد المدرسة الصينية احدى ثمار التعاون بين مصر والصين في المجالات الثقافية، والثانية من نوعها في البلاد، وأقيمت مدرسة مشابهة لها في محافظة المنوفية وسط الدلتا شمال العاصمة، وهي مشابهة لتلك التي أقامتها الصين في السوادن جنوبي الخرطوم.

أيضاً كانت هناك اتفاقية لتدريس اللغة الصينية في المراحل الإعدادية بين مصر والصين. هذا الخبر جاء بمثابة مفاجأة بالنسبة لدارسي اللغة الصينية في مصر، حيث كان الأول من نوعه، لأنه لم يسبق أن تم تدريس لغة أجنبية ثانية في المدارس الإعدادية الحكومية في مصر.

وهذا الأمر طبق في عدة دول عربية، وأنا شخصياً قمت في ترجمة المناهج التي سيتم تدريسها في دولة الإمارات العربية المتحدة، وقد كنت سعيدة للغاية بالمشاركة في مثل هذا العمل الهادف، حيث شعرت بأني أصبحت جزء من منظومة تدريس اللغة الصينية في الوطن العربي، لم تقتصر ترجمتي على كتابين فقط، بل أعطتني الجامعة الصينية مهمة الترجمة كاملة بعد التأكد من جودة ترجمتي. في أثناء الترجمة كنت حريصة كل الحرص أن أنقل المحتوى بشكل سهل وبسيط كي يستطيع طالب المرحلة الإعدادية فهمه خصوصا بأني وبدون أي مبالغة وجدت المحتوى أصعب من المحتوى الذي درسته في مصر في أول فصل دراسي لي في قسم اللغة الصينية في جامعتي في مصر.

وكنت أتعجب هل سيتطيع طلاب المرحلة الإعدادية فهم هذا المحتوى، خاصة الزاوية الثقافية بعد كل درس، وهو جزء مترجم بالكامل إلى اللغة العربية، والمغزى من ذلك تقديم معلومات عن الصين وما يجري بها حاليا، وقد تنوعت الموضوعات لتشمل الدراجات التشاركية في الصين والشراء الأونلاين، والتقدم الذي وصلت إليه الصين في مجالات عديدة مثل مجال وتكنولوجيا القطارات فائقة السرعة، وموضوعات كالتعريف بالطب الصيني، وكيف كانت البلاد قديما وكيف أصبحت حاليا ودلالات الفواكه في اللغة الصينية والتعريف بأهم الأعياد وغيرها من الموضوعات التي تخص الصين.

وينقسم كل درس إلى عدة أجزاء: الاستماع والمحادثة، القراءة والكتابة، التطبيق، كتابة الرموز، الزاوية الثقافية، وتهدف هذه التجزئة إلى حث الطالب على النطق والتعبير عن النفس والبيئة المحيطة باستخدام اللغة الصينية، لكن في الوقت نفسه أرى أن هناك مساحة لتطوير المحتوى الدراسي لدمج الثقافتين ببعضمها البعض وإتاحة الفرصة لطلاب المرحلة الإعدادية التعرف أكثر على حياة الطلاب الصينيين في هذه المرحلة الدراسية.

كما يجب أن يلقي واضعي المنهج نظرة على مستوى التعليم ودرجة صعوبة المناهج التي تدرس في المرحلة الإعدادية ووضع منهج يناسب المستوى، فمبدئيا كونه أول منهج يتم تدريسه في المرحلة الأعدادية في دولة الإمارات أرى أنه جيد جدا بكوني عربية وكوني مترجمة هذا المنهج إلى اللغة العربية.

أخيراً، أود أن أؤكد أن تعميم اللغة الصينية لم يعد حلماً مستحيلاً ولكن المسألة مسألة وقت، فالصين الآن تسير بخطط ممنهجة، وتسعى بكل جهد نحو الفوز بتأييد حكومات البلدان لمساعدتها في تحقيق هذا الهدف. أرى أن اللغة الصينية ستكتسح جامعات ومدارس العالم في الأعوام المقبلة رغم صعوبتها، وستتعلم الأجيال الناشئة اللغة الصينية لا بقوة السلاح كما فعلت الإمبراطورية التي لا تغرب عنها الشمس من قبل، بل بتأثير القوة الناعمة.

 

About Post Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظة © 2020 مجلة السفير | Newsphere by AF themes.