تحقيق – الاستغلال الجنسي للأطفال في الصين

تتفاقم الاعتداءات الجنسية على الأطفال والقصر في الصين، بالرغم من تعديلات قانونية يفترض بها حمايتهم في دولة تسيطر على كل جوانب الحياة، لكنها تفتقد إلى الصرامة في مواجهة الظاهرة بينما يحجم ضحاياها عن اللجوء للقضاء.

– فشل والد الطفل الصيني رونغ يه (14 عاماً) في معاقبة معلم تحرش جنسيا بنجله في معهد خاص لتدريس الموسيقى بمدينة تيانجين شمال البلاد. يقول الوالد الذي فضل عدم الكشف عن هوية ابنه الحقيقية حفاظا على خصوصيته إن طفله عاد إلى المنزل بعد انتهاء حصته وكان الخوف يبدو واضحاً على وجهه، لم يكلم أحداً، وبقي لمدة ساعة في غرفته، وحين سأله عن السبب انهار باكياً، ويتابع: “فور علمي بالأمر توجهت إلى إدارة المعهد وقصصت عليهم ما جرى، لكن المعلم أنكر”.

ولجأ والد رونغ يه إلى الشرطة نهاية العام الماضي، وحين وصلت القضية إلى المحكمة واجه صعوبة في إثبات التحرش من الناحية الجنائية لعدم وجود كاميرات مراقبة في فصل الدراسة، واعتبرت شهادة ابنه دليلاً غير كاف لإدانة المعلم، وفي تلك الأثناء عرض عليه أحد أفراد العائلة اللجوء إلى محام متمرس، لكنه رفض حتى لا تصبح قصة ابنه قضية رأي عام وتنتهك خصوصيته، فضلاً عن أن المحاكم تعد “مسرحاً لعرض طويل وممل، لن ننال منه في النهاية سوى التشهير والأذى النفسي”، كما يقول الأب.

وتعكس معاناة رونغ يه ما تشهده البلاد من زيادة في الجرائم ضد القاصرين على مدار السنوات الخمس الماضية، بما في ذلك قضايا الاعتداء الجنسي، بحسب النيابة العامة، والتي ذكرت في مؤتمر صحافي عقد في الأول من مارس/آذار الماضي، أن الجرائم الجنسية هي أبرز أنواع الانتهاكات ضد القاصرين في جميع أنحاء البلاد. ومنذ عام 2018، حققت أجهزة النيابة العامة مع 290 ألف شخص بتهمة ارتكاب جرائم ضد قاصرين، بمتوسط زيادة سنوية قدرها 3.6 في المائة، ومن بين هؤلاء، تمت إحالة 131 ألف شخص إلى القضاء بتهمة الاغتصاب والتحرش بالأطفال والقاصرين.

في أكتوبر/تشرين الأول من عام 2020 وافقت حكومة الصين على تعديل تاريخي لقانون حماية القصر، والذي سُنَّ عام 1991 عبر إضافة 66 مادة جديدة تهدف إلى حماية أفضل للأطفال في المدرسة والمنزل والأماكن العامة وعلى شبكة الإنترنت، كما تم إنشاء نظام إلزامي للإبلاغ عن قضايا انتهاك حقوق القاصرين، بما في ذلك آلية مواجهة حمل القاصرات عبر السماح لمقدمي الرعاية الصحية بإبلاغ إدارات الشرطة والنيابة العامة مباشرة عن تشخيص الحمل لمن هم دون سن 14 عاماً.

ولكن رغم هذه التعديلات القانونية فإن الاعتداءات الجنسية تعتبر أكثر أنواع الجرائم التي تستهدف القاصرين، كما يقول تشو وين، أستاذ التأهيل النفسي في المركز الصيني للصحة النفسية في بكين (ممول حكوميا)، مستدلا على ما سبق عبر دراسة أعدها المركز في ديسمبر/كانون الأول 2022، تبين عبرها أن العاصمة شهدت خلال العام الماضي تسجيل 22 ألف اعتداء، من بينها 5.2 آلاف صنفت على أنها جرائم جنسية، أي ما يعادل نحو 25 في المائة من الإجمالي، بينما تتوزع باقي الاعتداءات بين انتهاكات تتعلق بالاتصال بالإنترنت، مثل إكراه الفتيات القاصرات على التقاط صور لأجسادهنّ والخطف وسوء المعاملة في المحيط الاجتماعي وعمليات نصب ذات صلة ببيع ألعاب الفيديو الخاصة بالأطفال.

وتقع أغلب الجرائم الجنسية في المهاجع السكنية المكتظة، مثل سكن الطلبة ومراكز التدريب، إذ يستغل المعتدون بيئة وطبيعة هذه الأماكن لارتكاب هذا النوع من الجرائم نظراً لانعدام الرقابة كما يوضح تشو وين، مشيرا إلى أن أغلب من يعتدون على القصر هم من يفترض أن يحموهم من وقوع تلك الانتهاكات.

وفي القضايا التي رصدها المتخصص في الصحة النفسية لاحظ أن أغلب المعتدين من المدربين أو المعلمين كما أن بعض الضحايا ممن يعانون من اضطرابات نفسية، إذ يتم استدراجهم بهدف التأهيل ومن ثم يحدث الاعتداء، وهذه هي الصورة السائدة لمعظم الاعتداءات الجنسية، وتبقى حالات أخرى قليلة يكون المعتدون فيها من خارج المحيط الاجتماعي للضحايا.

مشكلة سن الرضا

يحدد القانون الجنائي الصيني، سن القبول أو “الرضا” والذي يُعد فيه الشخص مؤهلًا قانونيًا للموافقة على النشاط الجنسي بـ 14 عاماً، وما دون ذلك يعد اغتصابا، وهو ما تراه مي جانغ، الناشطة في الاتحاد العام لنساء جنوب الصين (منظمة نقابية مقرها شينزن)، ثغرة تؤدي إلى تفاقم الانتهاكات ضد القصر، خاصة في ظل عدم خفض معايير إثبات انتهاك إرادة الضحية أمام القضاء، وبالتالي إمكانية عدم إنهاء القضية بسبب عدم كفاية الأدلة، واعتبار أن الطفل مصدق بمجرد الادعاء بأنه تعرض لانتهاك إذ لا مصلحة له في التجني على أحد، وقالت إن هذه الثغرات في القانون الجنائي تمثل دافعاً إضافياً للمعتدين تساعد في إفلاتهم من العقاب.

وأوضحت أن سن الرضا الجنسي هو افتراض وليس واقعاً محدداً، وبالتالي ينبغي النظر في النضج الجنسي عند الفرد بناء على قدرته على فهم الجنس، وهو أمر يتفاوت بين شخص وآخر، حسب قولها.

ولا يعد النمو الجسدي معياراً ينبغي تحديد سن القبول على أساسه، لأن النضج الجنسي قد يتأخر وفي هذه الحالة يكون نمو الأطفال المبكر سبباً في جعلهم أهدافاً سهلة للاستغلال وتتابع الناشطة النسوية، بناء على ذلك، على القانون أن يتكيف مع التطور الطبيعي الذي نعيشه، وأن يكون القضاء على دراية بخصوصية المجموعة التي تتراوح أعمارها بين 14 و18 عاماً، وعدم التعامل معهم على أنهم دمى متشابهة.

كما يجب أن تكون الأحكام القانونية قادرة على تحقيق مبدأ العدالة القضائية بالنظر إلى خصوصية هذا النوع من الجرائم، إذ تنص المادة 236 من القانون على أن كل من اغتصب قاصرا بالعنف أو الإكراه أو بوسائل أخرى، يعاقب بالسجن لمدة لا تقل عن ثلاث سنوات ولا تزيد على عشر سنوات.

اعتراضات مجتمعية على تعديلات القانون

تؤثر جريمة الاعتداء الجنسي على صحة الأطفال النفسية والعقلية، كما تشير الناشطة النسوية جانغ، والتي ترى أهمية التعامل معها باعتبارها انتهاكا مجتمعيا وليست مجرد واقعة تمس بالفرد فقط، وبالتالي على الحكومة رفع السن التي توفر فيها القوانين الجنائية الحماية المطلقة للأطفال، من سن 14 عاما إلى 16 عاماً، وأيضاً تغليظ عقوبة المعتدين، عبر إضافة جريمة إساءة استخدام الثقة إلى القانون الجنائي، من أجل توفير حماية خاصة للقصر في الأماكن التي يمكن أن تقع فيها تلك الجرائم بسبب طبيعتها الخاصة أو لعدم مراقبتها عبر وسائل التكنولوجيا.

وأشارت إلى أن القانون الجنائي ينص بوضوح على أنه إذا كان للجاني مسؤوليات خاصة تجاه القصر الذين تقل أعمارهم عن 14 عاماً، فإن إقامة علاقة جنسية معهم تعتبر جريمة، لكنها لفتت إلى أن ذلك غير كاف، ومن الضروري زيادة الردع، وجعل من لديهم دوافع خفية يدركون أنهم لن يفلتوا من العقاب.

ويركز القانون في الوقت الحاضر على الوقاية الثانوية وتحقيق العدالة الجنائية للاعتداء الجنسي على الأطفال الذي وقع بالفعل، لكن في المقابل، فإن الوقاية هي الأولوية القصوى لأنها تحول دون وقوع الاعتداء من الأصل، وتتابع جانغ أنه لا بد من تعزيز الوعي العام بالاعتداء الجنسي على الأطفال. أيضاً يجب تزويد الضحايا بسلسلة من الخدمات مثل الإرشاد النفسي والعلاج، وتقليل الآثار السلبية للانتهاكات التي تحدث بحقهم.

وقللت مي جانغ، من تأثير التشريعات الجديدة في الحد من ظاهرة استغلال القصر، وقالت إنه رغم السياسات الحكومية ذات الصلة، فإنه من غير المتوقع أن تتراجع معدلات الاعتداءات خلال الفترة المقبلة، إذ تم تسجيل اعتراضات وملاحظات حول كيفية تطبيق التشريع الخاص بالنظام الإلزامي للإبلاغ.

وتركزت الاعتراضات المجتمعية، حول إحجام أسر ضحايا الاعتداءات الجنسية من القصر عن تقديم شكاوى خشية من الفضيحة، كما أن بعض المراكز الطبية خصوصاً في الريف لا تخضع للرقابة الحكومية، ويبقى الأمر مرتبطا بإرادة أسر الضحايا ومصلحة المؤسسات الطبية، وفق جانغ.

مسؤولية الدولة في مواجهة الظاهرة

في رده على سؤال عن سر غياب صرامة الدولة في مواجهة قضايا الاعتداء على القصر رغم تحكم النظام والحزب الحاكم في كل جوانب الحياة ومراقبته القوية لأفراد المجتمع، قال وو جيانغ، الباحث في مركز “دا شينغ” للصحة النفسية (مؤسسة خاصة مقرها بكين)، إن الصين دولة بحجم قارة يبلغ عدد سكانها 1.4 مليار نسمة، وبالتالي فإن السلطات لا تستطيع أن تتعامل مع مثل هذه الاعتداءات قبل حدوثها، كما لا يمكن تعقب نوايا المعتدين، لكن ذلك لا يعفي الحكومة من مسؤوليتها تجاه حماية المجتمع، حسب قوله.

وعن سبل الردع التي يمكن أن تحد من الظاهرة، يتفق مع مي جانغ في أن القوانين يجب أن تكون أكثر صرامة، من خلال تغليظ العقوبات، وأيضاً رفع سن الرضا الجنسي إلى 18 عاماً، لأن القصر ما بين 14 و16 عاماً لا يتمتعون بنضج كاف يمكّنهم من التعامل في مثل هذه المواقف، وليس لديهم القدرة ولا الطاقة لحماية أنفسهم.

لكن مشكلة إحجام بعض أسر الضحايا عن تقديم شكاوى تقلل من فعالية مواجهة الظاهرة، وهو ما يفسره وو جيانغ، بأن معظم الأسر تخشى من الفضيحة الاجتماعية، ولا ترغب في التصعيد عبر المحاكم التي عادة ما تتطلب من الضحية المثول أمامها عدة مرات وكذلك إحضار الشهود، وغيرها من العوامل التي قد تلحق الأذى بسمعة العائلة، وبالتالي تفضل معظم العائلات التعامل والتكيف مع التداعيات السلبية والآثار الجانبية للاعتداء، على تحقيق العدالة الجنائية وحتى نيل تعويض مادي من قبل المعتدي.

نقلاً عن صحيفة العربي الجديد اللندنية – تحقيق: علي أبو مريحيل

About Post Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظة © 2020 مجلة السفير | Newsphere by AF themes.