تراجع حذر عن استراتيجية “صفر كوفيد” في الصين

 

أعاد ارتفاع أعداد الإصابات اليومية بفيروس كورونا الجديد في الصين استراتيجية “صفر كوفيد” إلى الواجهة، وسط تساؤلات من مستويات مختلفة في البلاد عن جدوى هذه السياسة التي تنتهجها السلطات لمكافحة الوباء منذ أكثر من عامين، بالتزامن مع ارتفاع أصوات تطالب بإعادة النظر في النهج المتشدد، والشروع في وضع استراتيجية بديلة تقوم على فكرة الانفتاح والتعايش مع الفيروس على غرار الدول الغربية.

وكانت الصين قد بدأت تطبيق نهج “صفر كوفيد” مطلع عام 2020، في أعقاب تفشي كورونا في عموم البلاد بعد رصد حالات الإصابة الأولى في مدينة ووهان نهاية عام 2019، وتعتمد السياسة على عمليات الإغلاق الشاملة للمدن والمناطق التي تشهد ارتفاعاً ملحوظاً في أعداد الإصابات اليومية، بالإضافة إلى اختبارات الحمض النووي الجماعية، والحجر الصحي في المرافق الحكومية، ومراقبة حركة السكان باستخدام تطبيقات إلكترونية مخصصة لهذا الغرض.

وبعد 26 شهراً من اتباع النهج المتشدد، ما زالت تظهر بؤر جديدة للوباء في مناطق مختلفة، كان آخرها تفشي المتحور “أوميكرون” من فيروس كورونا الجديد في عدة مدن ومحافظات، منها مدينة شينزن في الجنوب، وشانغهاي في الشرق، ومقاطعة جيلين في الشمال، كما تخطى عدد الإصابات اليومية في أنحاء البلاد نهاية الأسبوع الماضي حاجز الـ 4 آلاف إصابة، وهو المعدل الأعلى على مستوى الصين منذ الظهور الأول للفيروس في نهاية عام 2019. كما أعلنت السلطات الصحية  قبل أيام تسجيل أول حالتي وفاة بسبب فيروس كورونا في الصين منذ أكثر من عام، ليرتفع إجمالي عدد الوفيات في البلاد إلى 4638.

التطورات الأخيرة دفعت محللين إلى التحذير من الاستمرار في النهج ذاته، في ظل تأثير ذلك على نظام الرعاية الصحية  والاستقرار الاجتماعي والاقتصادي. ويقول هؤلاء إن استراتيجية “صفر كوفيد” قد لا تكون فعالة في مكافحة “أوميكرون” شديدة العدوى. وأشاروا إلى أن كلفة الحفاظ على الاستراتيجية آخذة في الازدياد، حيث يكافح عدد من الحكومات المحلية من أجل تحقيق التوازن بين الحفاظ على الإنتاج، والتدابير الصارمة للوقاية من الفيروس.

كان رئيس الوزراء الصيني لي كه تشيانغ، قد تحدث في كلمة له أمام مجلس النواب الذي انعقد مطلع الشهر الجاري، عن تعديلات في نهج “صفر كوفيد” لموازنة احتياجات النمو الاقتصادي، وقال إنه سيتم تحسين إجراءات مكافحة الأوبئة باستمرار. أضاف أنه يجب التعامل مع حالات الإصابة المحلية بطريقة علمية وهادفة من أجل ضمان النظام الطبيعي للعمل والحياة، مشيراً إلى أنه سيتم بذل جهود أكبر لتدريب العاملين في مجال الصحة العامة، وسيتم تحسين القدرة على مراقبة الأوبئة الرئيسية، فضلاً عن الإنذار المبكر وعمليات التتبع والتحقيق الوبائي.

وأقر لي بأن صناعة الخدمات، بما في ذلك المطاعم والفنادق وتجارة التجزئة والسياحة، قد تعرضت لضربات خطيرة من جراء تفشي كورونا، مشدداً على أن التعامل “في الوقت المناسب مع حالات انتشار المرض هو الذي كفل السلامة العامة، وحافظ على المسار الطبيعي لعمليات الإنتاج خلال العام الماضي”.

ونقلت وسائل إعلام رسمية في الصين عن مسؤول كبير في الحزب الشيوعي قوله إن حالات التفشي الأخيرة في جميع أنحاء البلاد لا يمكن السيطرة عليها بالطريقة التي اعتمدتها الدولة للوقاية من الحالات الوافدة، ولا يمكن للتبادلات بين المقاطعات والمدن أن تصمد أمام أسابيع من الحجر الصحي مثل تلك المفروضة على الوافدين من الخارج. أضاف أنه يجب تنفيذ تدابير الرقابة بطريقة أكثر دقة لتقليل التأثير على حياة الناس.

هل يمكن في ظل المعطيات الراهنة أن تغير الحكومة الصينية نهجها في التعامل مع كورونا؟ يقول الطبيب الصيني لو تشانغ، وهو عضو سابق في منظمة “أطباء بلا حدود “لا شك في أن الوضع الوبائي في جميع أنحاء البلاد يمر بأسوأ حالاته، الأمر الذي يشكل ضغطاً كبيراً على السلطات في مسألة التمويل والإنفاق على القطاع الصحي، ولكن لا توجد مؤشرات فعلية على الرغبة في التخلي عن هذه السياسة، بل ستكون هناك تعديلات لضبط الاضطرابات التي لحقت بالاقتصاد وهو ما يهم الحكومة في المقام الأول”.

وأضاف أن الجدل القائم حالياً حتى على المستوى السياسي، يشير إلى مراجعة حذرة وتأنٍّ في إصدار قرارات ذات صلة، وأرجع ذلك إلى تدهور الوضع الوبائي في هونغ كونغ، لافتاً إلى أن تساهل سلطات الجزيرة مع السكان أدى لاحقاً إلى خروج الحالة الوبائية عن نطاق السيطرة، ما قد يقنع القادة الصينيين بأنه لا ينبغي التخلي عن نهج “صفر كوفيد” بسهولة، لأن المزيد من الانفتاح في دولة يبلغ تعدادها 1.4 مليار نسمة، يمكن أن يؤدي إلى كارثة حقيقية.

ويوضح أنه من غير المنطقي مقارنة جزيرة هونغ كونغ بالبر الرئيسي الصيني نظراً لتفاوت نسب التلقيح بينهما، واقتراب الأخيرة من مناعة القطيع، ما يعزز فرص الانفتاح والاتجاه نحو التعايش مع الفيروس وفق ضوابط أقل تشدداً. ويشير إلى أن الصين تتمتع بأحد أعلى معدلات التلقيح في العالم (بحسب بيانات اللجنة الوطنية للصحة، بلغ معدل التلقيح في البلاد 87 في المائة من إجمالي السكان). يضيف أن أي توجه نحو الانفتاح يستدعي أولاً زيادة معدل التلقيح لكبار السن، وثانياً سماح السلطات الصينية باستخدام اللقاحات الأجنبية مثل لقاح “فايزر”، وعدم الاكتفاء باللقاحات المحلية التي ما زالت، بحسب قوله، في حاجة إلى المزيد من التطوير لإثبات نجاعتها في ظل ظهور طفرات جديدة للفيروس.

وكان ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي قد أبدوا امتعاضهم من استمرار الإجراءات المشددة طوال عامين من دون التمكن من السيطرة على الوباء بصورة نهائية، وتساءلوا إن كان من الأفضل التحول إلى نهج التعايش مع الفيروس واستئناف الأنشطة اليومية بصورة طبيعية. كما طالب ممثلون عن القطاعات الخاصة والمشاريع الصغيرة والمتوسطة، الحكومة بدفع تعويضات في مقابل الخسائر التي تسببت بها عمليات الإغلاق المتكررة. وبحسب نشرة العمال الصينية، وهي منظمة غير حكومية مقرها هونغ كونغ، فإن 75 في المائة من الأضرار الناجمة عن اتباع استراتيجية “صفر كوفيد” تكبدتها القطاعات الخدماتية الخاصة، وأن الحكومة لم تدعم أو تدفع تعويضات إلا لقطاع خدمات التوصيل بالإضافة إلى القطاع الصحي.

من جهته، يقول الخبير الاقتصادي في مركز “سيتشوان” للدراسات الاقتصادية جو مينغ، إن إجراءات مكافحة فيروس كورونا أحدثت أضراراً كبيرة بالقطاعات الاقتصادية في البلاد، وأن استمرار التشديد في إغلاق المدن ووقف عمليات التصنيع، سيحد من النمو الاقتصادي ويعيق تحقيق معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي المستهدف والمحدد بنسبة 5.5 في المائة لهذا العام. يضيف أن الحكومات المحلية تواجه عبئاً مالياً كبيراً من جراء الالتزام باستراتيجية الحكومة المركزية الخاصة بمكافحة الوباء، لافتاً إلى أن العديد من السلطات فرضت إغلاقاً شاملاً خلال الأيام الماضية، مثل مدينة شينزن التي تعتبر وادي السيليكون بالنسبة للصين، ما أدى إلى زعزعة الاستقرار الاقتصادي خلال وقت قياسي.

ويوضح مينغ أن اختبارات الحمض النووي الجماعية التي تُجرى على مدار الساعة في معظم المدن، تمثل أيضاً عبئاً مالياً على الحكومات المحلية، وتصل كلفة اختبار الحمض النووي للشخص الواحد إلى 50 يواناً (أي ما يعادل 7.8 دولارات). يتابع أن مدينة شينزن البالغ عدد سكانها حوالي 13 مليوناً، كانت مطالبة خلال الأسبوع الماضي بإجراء اختبارات حمض نووي لجميع السكان كل 24 ساعة. في حين أن معدل إنفاق الفرد سنوياً على الرعاية الصحية في بعض المدن الصينية لا يزيد عن 200 يوان (أي 31 دولارا). يضيف أنه ما لم يتم استئناف التبادلات الدولية، وتخفيف الضغط على قطاعي الصناعة والخدمات اللذين تضررا بشدة من الإجراءات الصارمة، من المتوقع حدوث المزيد من الاضطرابات الاقتصادية في النصف الأول من العام الجاري، مع احتمال امتداد ذلك إلى نهاية العام إذا استمرت عمليات الإغلاق بالوتيرة نفسها.

يشار إلى أنه في عام 2020، خصصت الحكومة المركزية في بكين أموالاً لمساعدة الحكومات المحلية في مكافحة الوباء، غير أن السلطات المحلية اضطرت العام الماضي إلى الاعتماد على إيراداتها من أجل الالتزام بنهج “صفر كوفيد”. ويعتقد محللون اقتصاديون أن الصين لا تزال لديها احتياطيات سياسية وفيرة لدعم اقتصادها إذا زاد الضغط عليها بشكل كبير. ويشير هؤلاء إلى أن بكين لم تستخدم خلال العام الحالي العديد من أدوات التحفيز النقدي الخاصة بها، وقد تطرح في النصف الثاني من العام سياسات نقدية بحسب تطور وتأثير الحالة الوبائية على الاقتصاد. ويذكر أن سلطات مدينة شينزن بمقاطعة قوانغدونغ جنوب الصين، أعلنت الأحد الماضي استئناف المركز التكنولوجي الرئيسي في البلاد أنشطة العمل والإنتاج بشكل منتظم، وتنفيذ إجراءات متباينة لمكافحة الوباء لمختلف المؤسسات، وذلك لضمان سلامة واستقرار السلاسل الصناعية وتقليل تأثير مكافحة الوباء على الاقتصاد.

 

علي أبو مريحيل

 

About Post Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظة © 2020 مجلة السفير | Newsphere by AF themes.