تطلعات مشروعة للصين في القطب الشمالي

محمود عبد الواحد

تعتبر الصين واحدة من أوائل الدول التي بحثت عن بدائل للممرات البحرية التجارية التقليدية، بسبب مخاوف من حدوث اختناقات بشكل عرضي أو متعمد، من شأنها أن تؤثر على تجارتها العابرة للقارات.

وربما ترجم ذلك في مبادرة الحزام والطريق التي أطلقها الرئيس الصيني شي جين بينغ عام 2013، والتي تضمنت الاستثمار في طرق التجارة البرية البديلة بالإضافة إلى ستة ممرات بحرية.

وقبل ثلاثة أعوام تحديداً، أبدت الصين علانية اهتمامها بالقطب الشمالي، وأعلنت حزمة من السياسات لتأمين مصالحها هناك، ولمحت إلى إمكانية  شق طريق في القطب يجنبها أي إعاقات محتملة في ممرات التجارة البحرية. جاء ذلك في وثيقة نشرت عام 2018، دعت  فيها بكين إلى مشاركة صينية أكبر في منطقة القطب الشمالي لاستكشاف الموارد واستغلالها.

وما أعاد هذه المذكرة إلى الواجهة، الأحداث التي وقعت في قناة السويس مؤخرا، وهو الأمر الذي يؤكد أن مخاوف الصين كانت في مكانها، بمعنى أن أي انسداد عرضي لإحدى نقاط الاختناق البحرية من شأنه أن يشكل خطرا كبيراً على حركة الملاحة التجارية. ولكن يبقى الخطر الأكبر حسب الرؤى الصينية، هو احتمال الإغلاق المتعمد للممرات البحرية بالقوة العسكرية، إما أثناء الحرب أو في النزاعات التقليدية بين الدول، حيث أنه من الممكن إغلاق هذه الممرات أوقات النزاع بواسطة الألغام أو الصواريخ أو الحصار، وبذلك تصبح العواقب الجيوسياسية والاقتصادية كارثية، وهو الأمر الذي نبهت منه الصين مراراً.

هذا بالإضافة إلى المخاوف الأمنية فإن تطلع الصين إلى القطب الشمالي ينبع من ناحية أخرى لاتقل أهمية وهي الناحية اللوجستية، فالقطب يقدم طريقا أقل عرضة للخطر إلى السوق الأوروبية، ففي الوقت الحالي يجب أن تمر الغالبية العظمى من تجارة الصين مع الشرق الأوسط وأفريقيا وأوروبا عبر اثنين على الأقل من الممرات البحرية في العالم: مضيق ملقا إلى مضيق هرمز، ومن ملقا إلى باب المندب وقناة السويس.

ويقع هذا الطريق البديل العابر للقطب بالكامل تقريبا في المياه الدولية، ويمتد من المحيط الأطلسي إلى المحيط الهادي عبر مركز المحيط المتجمد الشمالي، ويمر بالقرب من القطب الشمالي. وتدرك الصين جيداً أن الغطاء الجليدي القطبي لا يمكن الملاحة فيه حاليا إلا بواسطة كاسحات الجليد الثقيلة، وبالتالي فهو غير مناسب لحركة الملاحة البحرية التجارية، لكنها تراهن على انكماش الغطاء الجليدي بحلول عام 2030 مما سيجعله سالكا أمام حركة السفن التجارية.

ويمتع الطريق البديل بعدة مزايا تخص الصين، فهو الأقرب إلى أوروبا، وبالتالي اختصار مدة الرحلات أسرع من قناة السويس بأسبوعين إلى ثلاثة أسابيع، ومن خلال قطع القطب الشمالي مباشرة يمكن أن يوفر الطريق العابر للقطب يومين إضافيين، بالإضافة إلى الميزة الإستراتيجية المتمثلة في عدم المرور عبر أي من نقاط الاختناق الرئيسية في العالم.

أيضاً هناك غاية لا تقل أهمية عن العوامل اللوجستية، وهي الثروات الطبيعية التي تتمتع فيها المنطقة، حيث يوجد في القطب الشمالي قدر كبير من النفط والغاز الطبيعي والموارد الطبيعية الأخرى التي يمكن الوصول إليها بشكل متزايد مع ذوبان الجليد، وتظهر دراسات مختلفة أن القطب الشمالي يحتوي على ما يقدر بنحو عشرين في المئة من موارد الوقود الأحفوري غير المكتشفة بالعالم، مع احتمال نحو مئة مليار برميل من النفط وألف وخمسمئة  تريليون قدم مكعبة من الغاز الطبيعي تحت المياه الدولية المتنازع عليها في المنطقة. كما تحتوي المنطقة أيضا على رواسب كبيرة من العناصر الأرضية النادرة، وهي معادن ضرورية لتقنيات حديثة وصديقة للبيئة: مثل المركبات الكهربائية وتوربينات طاقة الرياح والألواح الشمسية، وبالتالي فإن الصين تقدر كلا من الفرص التجارية والإستراتيجية في القطب الشمالي وهي تستعد لاستغلال تلك الفرص.

أخيراً، يبدو أن مثل هذه الخطط ستبقى مرهونة بالتغير المناخي، وتقلص الغطاء الجليدي القطبي ، لمعرفة ما إذا كان ذلك سيجعل القطب الشمالي طريقا بحريا سريعا قابل لتعويض قناة السويس خصوصاً بعد الأزمة الأخيرة التي عصفت بسمعتها وطرحت بدائل أخرى باتت حديث الأوساط الدولية.

About Post Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظة © 2020 مجلة السفير | Newsphere by AF themes.