ثقافة العزوبية في الصين، تجاه جديد نحو حياة عصرية

رغم أن مفهوم العزوبية يشير إلى صفات سلبية مثل عدم القدرة على تحمل المسؤولية وفق الثقافة السائدة في بلدان شرق آسيا، إلا أن الجيل الجديد في الصين يربطه بالأشخاص ذوي التعليم العالي الراغبين في انتهاج أسلوب حياة عصري، ويرفضون ربطه بأي أزمات اقتصادية أو اجتماعية.
وأظهرت دراسة حديثة صادرة عن مركز البحوث الديمغرافية في العاصمة بكين، أن 45 في المائة من الشباب العازفين عن الزواج يحملون شهادات جامعية، ولديهم القدرة على إعالة أنفسهم، ويرى خبراء أن الصعود الاستثنائي لعيش الأشخاص منفردين لا يعني بالضرورة الأنانية أو انعدام المسؤولية أو الافتقار إلى القدرة على المشاركة، ويفسرون العزوبية السائدة بأنها قد تكون مدفوعة برغبة في تحقيق الذات بعيداً عن مؤسسة الزواج وأنماط الحياة التقليدية. وحسب أحدث نشرة لمركز الإحصاء الوطني الصيني، فقد بلغ عدد الأشخاص غير المتزوجين الذين تتراوح أعمارهم بين 20 و49 سنة، أكثر من 134 مليوناً في نهاية عام 2020.

وبدأت البلاد أخيراً العمل على معالجة التحديات السكانية، فضلاً عن خلق فرص عمل، وبيئة اجتماعية أكثر مساواة بين الجنسين. ويؤكد خبراء على أهمية الحد من عدم الأمان الذي يواجهه الشباب وتعزيز الحراك الاجتماعي، لكن ينبغي أيضاً إيلاء المزيد من الاهتمام لأسباب عزوف الشباب عن الزواج خلال السنوات الأخيرة.
يبلغ عمر وان لونغ 34 سنة، لكنه مازال أعزب، وهو يدير مطبعة في مدينة كوانجو جنوبي الصين، يقول إن خيار عدم الزواج لا علاقة له بأية ظروف اقتصادية أو اجتماعية، وإنما مجاراة لنمط حياة جديد يجذب الشباب من الجنسين، وأنا غير نادم على قراري. مؤسسة الزواج تمثل عبئاً نفسياً، وتحد من تطلعات أي شخص يرغب في تحقيق ذاته والوصول إلى أهدافه. أنا قادر على إعالة أسرة، وأن أكون مسؤولاً عن زوجة وأبناء، لكن ذلك يتعارض مع رغبتي في المضي قدماً بنفس الحماس نحو الأهداف التي حددتها لنفسي ما دمت قادراً على الإنتاج والعمل”.
وتقول آي مينغ، وهي شابة عزباء تعمل في شركة تأمين بمدينة شينزن، إن “خيار خوض غمار الحياة وحيدة بات سمة بارزة لأولئك الواثقين من أنفسهم الذين يرفضون الاعتماد على الآخرين. هناك اعتقاد سائد بين الشباب بأن من يبحثون عن شريك عاجزون عن الاعتماد على أنفسهم، وبالتالي يبحثون عن معيل يمثل الأمان الاقتصادي والاجتماعي لهم”.

من جانبها، حذرت الباحثة الاجتماعية شو شيا، من خطورة هذا التوجه، مؤكدة أن خيار البقاء أعزب هو نتاج ظروف محيطة تجعل الشباب يختارون أسلوب الحياة المنفرد، مع عدم إهمال حالة عدم المساواة بين الجنسين، سواء في مكان العمل أو حتى داخل الأسرة، الأمر الذي يدفع الشابات إلى الإحجام عن الزواج، أو إلى تأخير قرار الزواج.
وتابعت شو شيا: “بعض الشباب يعتقدون أنه يمكنهم بما يتوفر لهم من موارد أن يحققوا تطلعاتهم بعيداً عن مؤسسة الزواج، وقد ينجحون أحياناً، لكن في المحصلة تتولد حالة من الهشاشة النفسية التي يشعرون بها في عمر متأخر يصعب فيه تصحيح المسار. الشيء الإيجابي حالياً هو طرح المشكلة على الرأي العام، وتولي الجهات المعنية توجيه انتباه الشباب إلى أهمية الزواج، فالمجتمع التقليدي القائم على الأسرة في الصين لا يفسح المجال أمام فكرة العزوبية”.

في المقابل، يدافع أستاذ الدراسات الاجتماعية في جامعة صن يات سن، وي لي فنغ، عن خيارات الشباب، ويؤكد أنهم ليسوا بالضرورة فردانيين، وإنما يعكس قرارهم الخاص بالعزوبية عمق نظرتهم إلى الحياة. ويضيف أن “قسماً كبيراً من المجتمع الصيني ينظر إلى الزواج من خلال منظور اقتصادي، وتهيمن الحسابات المرتبطة بمستوى المعيشة ووفرة الموارد عليه، فضلاً عن المخاوف بشأن الأزمة الديمغرافية التي تعاني منها البلاد. الأعراف الراسخة مثل أهمية شراء منزل وسيارة قبل الزواج، أو الحاجة إلى العثور على زوج مناسب اقتصاديا، عوامل تقود إلى تعقيد عملية البحث عن شريك حياة، وبالتالي التفكير بشكل جدي في تجاهل خيار الارتباط”.
وعلى الرغم من تزايد أعداد الشباب غير المتزوجين، يعتقد مراقبون أن الزواج يظل الخيار الأهم بالنسبة للغالبية العظمى من الصينيين، حتى لو لم يكن العثور على شريك أمراً سهلاً، ويرى هؤلاء أن الزواج رئيسي في نمط الحياة التقليدي في البلاد، وأن حلم العثور على الحب وتكوين أسرة يستمر رغم كل المعوقات والحواجز النفسية والمادية.

About Post Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظة © 2020 مجلة السفير | Newsphere by AF themes.