حصاد الصين في عام 2021

لم يكن 2021 عاماً عابراً في الصين، فقد صادف الذكرى المئوية الأولى لتأسيس الحزب الشيوعي الصيني، كما تخلل هذا العام العديد من الأحداث الهامة التي حظيت بتغطية واسعة من وسائل الإعلام الحكومية، وحازت على اهتمام ومتابعة الرأي العام، وشغلت المراقبين بشأن تأثيرها وتداعياتها ودورها في رسم مسار الدولة الإشتراكية.

تعزيز مكانة شي

لعل أبرز هذه الأحداث، تبنّي اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني في شهر نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، قراراً تاريخياً يمهد الطريق أمام الرئيس الصيني شي جين بينغ، لتمديد ولايته لفترة رئاسية ثالثة في سابقة تاريخية من شأنها أن تعزز مكانته وتمنحه سلطة مطلقة تضعه في خانة الزعماء العظماء أمثال ماو تسي تونغ، ودينغ شياو بينغ. واعتبر مراقبون هذه خطوة انقلاباً على دستور الحزب، وإعادة البلاد إلى فترة الماوية في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، حين سادت القيادة الفردية وعبادة الشخصية.

وقد أفردت وسائل الإعلام الرسمية مساحة كبيرة للحديث عن هذا القرار والتسويق له بين عامة الشعب، باعتباره استحقاقاً لإنجازات الرئيس شي، والمسيرة المئوية للحزب التي تحتاج، حسب صحيفة الشعب اليومية، إلى قيادة قوية قادرة على الحفاظ على مكتسبات الثورة والإنجازات التي حققتها خلال قرن من الزمن.

وكانت وكالة شينخوا للأنباء الصينية، قد نشرت في أعقاب المصادقة على القرار، ورقة بعنوان “شي جين بينغ، الرجل الذي يقود الحزب الشيوعي الصيني في رحلة جديدة”، تحدثت فيها عن إنجازات الرئيس، واستعرضت محطات تاريخية في حياته، فيما بدا وكأنه دعاية انتخابية. وكان لافتاً في الورقة التي تألفت من 4551 كلمة وتُرجمت إلى تسع لغات، ذكر اسم الرئيس الصيني 103 مرات، فيما لم يذكر اسم الزعيم الراحل ماو تسي تونغ، سوى خمس مرات فقط.

ترويض هونغ كونغ

أيضاً شهد عام 2021 إجراء أول انتخابات للمجلس التشريعي في جزيرة هونغ كونغ بعد فرض قانون الأمن القومي، وتعديل النظام الانتخابي الذي أقر شهر في مايو/أيار الماضي، والذي تم بموجبه تقليص عدد الأعضاء المنتخبين بالاقتراع المباشر (إلى 20 من أصل 90)، وجعل الترشح مقتصراً على موالين لبكين، ما يعني فعلياً تفريغ البرلمان من أي معارضة. وهي خطوة دفعت دولاً غربية إلى التعبير عن قلقها إزاء تآكل الديمقراطية في المستعمرة البريطانية السابقة. وفي ظل الانتقادات الدولية للصين بشأن التعديلات الدستورية وتأثيرها على نتائج الانتخابات التي جرت في العشرين من ديسمبر الماضي، أصدر المكتب الإعلامي التابع لرئاسة الوزراء في الصين، كتاباً أبيض (وثيقة رسمية حول إنجازات أو سياسة الصين في مسألة أو مجال معين)، بعنوان “هونغ كونغ: التقدم الديمقراطي في إطار دولة واحدة ونظامان”، جاء فيه أن “النظام الانتخابي المحسن يضمن التطور السليم طويل الأمد للديمقراطية في هونغ كونغ. وأشار الكتاب إلى أنه “في ظل الحكم الاستعماري البريطاني، لم تكن هناك ديمقراطية حقيقية في هونغ كونغ، وأنه بعد استعادة السيادة، نفّذت الحكومة الصينية المبدأ الأساسي المتمثل في دولة واحدة ونظامان، وتمكنت من إرساء أسس وقواعد الديمقراطية في الجزيرة”.

حملة اعتقالات

شنت الصين في عام 2021 حملة اعتقالات غير مسبوقة في هونغ كونغ، طاولت عدداً كبيراً من النشطاء المؤيدين للديمقراطية، من بينهم 12 عضواً من أعضاء المجلس التشريعي السابق. بالإضافة إلى صحفيين بارزين مثل: جيمي لاي، الذي أدين بتهمة التحريض والمشاركة في تجمّع غير مصرّح به، إحياءً لذكرى ضحايا أحداث ساحة تيانانمن في 1989. وكذلك تشانغ تشان، المدوّنة التي وثقت تفشي فيروس كورونا والحائزة على جائزة حرية الصحافة لعام 2021. وحسب منظمة مراسلون بلا حدود، فإن الصين تتصدر قائمة الدول الأكثر سجناً للصحافيين في العالم للسنة الخامسة على التوالي.

إغلاق صحيفة آبل ديلي

أيضاً شهد عام 2021 إغلاق صحيفة آبل ديلي، التي تعتبر الأكثر تأثيراً في جزيرة هونغ كونغ، والصوت القوي للمعارضة المناهضة للحكومة المركزية في بكين. وكانت السلطات الصينية قد جمدت أصول الصحيفة وحساباتها المصرفية، بتهمة التواطؤ مع جهات أجنبية وتعريض الأمن القومي للخطر، الأمر الذي حال دون قدرة الإدارة على دفع مستحقات الموظفين، ما دفعها إلى اتخاذ قرار بإغلاق الصحيفة في شهر يونيو/حزيران الماضي، وذلك بعد 26 عاماً على تأسيسها. هذا وكان نشطاء قد صرحوا بأن إغلاق الصحيفة ليس مجرد خسارة للقراء، بل نكسة في تاريخ هونغ كونغ، لأن ذلك يشير إلى تضاؤل هامش الحريات الذي لطالما ميّز الجزيرة وجعلها وجهة مفضلة للمعارضين.

عزل تايوان

أيضاً كان 2021، عاماً صينياً بامتياز فيما يتعلق بمسألة تايوان وسعي بكين إلى عزلها دبلوماسياً ضمن استراتيجية وطنية طويلة الأمد تهدف إلى استرجاع الجزيرة التي تطالب بالانفصال عن البر الرئيسي والانفكاك من مبدأ صين واحدة. حيث نجحت الصين خلال شهر ديسمبر الجاري، في دفع نيكاراغوا، الدولة الواقعة في أميركا الوسطى، إلى قطع علاقاتها الدبلوماسية مع  تايوان، والاعتراف بأن جمهورية الصين الشعبية هي الحكومة الشرعية الوحيدة، وتايوان جزء لا يتجزأ من الأراضي الصينية. وهي خطوة أدت إلى تضاؤل قائمة الدول المعترفة بالجزيرة من 22 إلى 14 دولة، فضلاً عن أنها ستساعد الصين في زيادة نفوذها في جزء يعدّ فناءً خلفياً للولايات المتحدة.

استهداف القطاع الخاص

كذلك شهد عام 2021 استهداف السلطات الصينية لشركات التكنولوجيا العملاقة مثل شركة “تنسنت” بسبب مزاعم تتعلق بانتهاك حقوق الأطفال عبر تطبيق “وي تشات”، وكذلك مجموعة “علي بابا” عملاقة التجارة الإلكترونية، بالإضافة إلى شركات أخرى تهيمن على الترفيه وتجارة التجزئة في البلاد.

وكانت صحيفة “إيكونوميك إنفورميشن ديلي” التي تديرها وكالة أنباء “شينخوا” الناطقة باسم الحزب الشيوعي، قد نشرت مقالاً في شهر أغسطس الماضي، تحدثت فيه عن نمو صناعة ألعاب الفيديو في البلاد التي تبلغ قيمتها مئات المليارات، وأشارت إلى سلسلة من التهديدات التي تشكلها على الشباب والمراهقين، وقالت إنه لا ينبغي أن تزدهر أي صناعة على حساب تدمير جيل كامل.

التضييق على المؤثرين

أيضاً شهد عام 2021 تشديد الخناق على المؤثرين، أمثال نجم البوب الصيني الشهير كريس وو، الذي اعتقل مطلع أغسطس الماضي، للاشتباه بارتكابه جرائم اغتصاب. غير أن مراقبين رأوا أن عملية الاعتقال لها علاقة مباشرة بتوجيهات الرئيس الصيني شي جين بينغ، بشأن تعزيز قيم الاشتراكية ذات الخصائص الصينية بين جيل الشباب، خصوصاً في ظل موجة تغريب المجتمع الصيني، وميل الشباب نحو التقليد الأعمى للثقافة الغربية. إذ يعتبر كريس وو (يحمل الجنسية الكندية) واحداً من أكثر الفنانين شعبية في الصين، ولديه تأثير كبير على الشباب الذين يقلدونه في مظهره وثيابه وأزيائه الغريبة عن التقاليد الصينية. في تعليقها على الحادثة، قالت صحيفة الشعب اليومية الناطقة باسم الحزب الشيوعي الصيني، إن الجنسية الأجنبية ليست تعويذة، وإنه لا توجد حصانة لأي شخص بغض النظر عن مدى شعبيته وشهرته، ومن يخالف القانون الصيني سيعاقب.

بروباغاندا مينغ وانتشو

كذلك شهد عام 2021 إطلاق سراح المديرة المالية لشركة “هواوي”، مينغ وانتشو، من قبل السلطات الكندية، بعد التوصل إلى اتفاق مع المدعين الأميركيين في شهر سبتمبر الماضي، لتسوية التهم الموجهة إليها، حيث كانت رهن الإقامة الجبرية في كندا منذ نحو ثلاث سنوات بسبب مزاعم بالتخطيط لاستخدام النظام المصرفي العالمي من أجل الالتفاف على العقوبات الأميركية المفروضة على إيران. وحظيت المديرة المالية باستقبال الأبطال في بلدها، حيث أفردت صحف حكومية في الصين مساحة كبيرة للحديث عن حيثيات عملية الإفراج ونسب الفضل إلى قادة الدولة، وقالت صحيفة “غلوبال تايمز” إنّ قضية مينغ وانتشو كشفت للعالم مدى وحشية الطرق التي تتبعها الولايات المتحدة لتحقيق أهدافها السياسية، وإنها ستبقى وصمة عار في تاريخها الحديث.

السماح بإنجاب طفل ثالث

أيضاً شهد عام 2021 كسراً جديداً لسياسة الطفل الواحد التي استمرت لأكثر من ثلاثة عقود، حيث سمحت السلطات الصينية  في شهر مايو/ أيار الماضي بإنجاب طفل ثالث، في إطار إجراءات طارئة لتجنب حدوث أزمة ديموغرافية، وذلك بعد انخفاض عدد المواليد الجدد في الصين بنسبة 15 في المائة مقارنة بالعام السابق. وهو أقل بكثير من 14 مليوناً، مقارنة بالمتوسط السنوي البالغ 16 مليوناً. غير أن هذا الإجراء قوبل بعزوف الأزواج عن فكرة الإنجاب بسبب الظروف الاجتماعية والاقتصادية الصعبة. وهو ما دفع الحكومة إلى تقديم حوافز لضمان الاستجابة المجتمعية، شملت زيادة مدة إجازة الأمومة بالإضافة إلى إعفاءات ضريبية وحوافز مادية أخرى.

وقال خبراء في الشأن الديمغرافي، إن الإجراءات الحكومية الجديدة لن تحدث تغييرات جوهرية في معدلات المواليد المنخفضة، وأن أزمة الخصوبة ستبقى قائمة. وأرجعوا ذلك إلى عدم وجود بيئة اجتماعية مناسبة لرعاية الأطفال الجدد، في ظل انشغال الوالدين، واقتصار الأسرة الصينية على أربعة أفراد فقط بسبب سياسات تحديد النسل، منهم إثنان في مرحلة الشيخوخة، يحتاجان بدورهما للرعاية، في حين أن الأبناء يلجأون إلى الآباء لمساعدتهم في تربية الأحفاد، معتبرين ذلك استنزافاً للأسرة الصينية يحول دون القدرة على مواصلة الإنجاب وإكمال دورة الحياة الطبيعية.

About Post Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظة © 2020 مجلة السفير | Newsphere by AF themes.