حنظلة يرمي مفتاح العودة في رواية عائد إلى المخيم

محمود عبد الواحد

 

“كنت صائماً ولم أفطر، كنت مؤمناً ولم أزل .. لم أكفر، وصلت هناك لكني لم أعد، أنا الذي يفضّل توسد حجراً في أزقة المخيم، على المبيت ليلة تحت زيتونة يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار!”

بهذه الكلمات يلخص الكاتب الفلسطيني علي أبو مريحيل مشاعره المتأرجحة بين ناصية الحلم ومقصلة الواقع في روايته الصادرة حديثاً عن دار السفير “عائد إلى المخيم”.

إيجاز يمكن أن يختصر الكثير من استغراق القارئ في فصول الرواية قبل التوصل إلى استنتاجات محددة، لكنه في نفس الوقت يشكل حافزاً إضافياً للتوغل في مكنوناتها، بالتوازي مع الرغبة في معرفة ما يدفع باتجاه عودة عكسية من الوطن إلى المخيم، تقلب معادلة اللجوء والشتات، وتخالف الرواية الفلسطينية الأشهر “عائد إلى حيفا”.

إنها الخيبة بكامل فصولها وتفاصيلها. خيبة اللاجئ العائد بأحلامه الوردية إلى حيز من الوطن تجلت فيه كل مظاهر القبح، فأمسى كياناً منفّراً يسير الكاتب فوق ترابه دون أدنى شعور بالقداسة،  فلا شيء يشده نحو تقبيل حجر ملطخ بالدم والبارود، ولا رغبة لديه في السجود تحت زيتونة لم تنعم عليه بظلها وزيتها.

تعيدنا هذه المقاربة إلى ثنائية البيت والطريق، أو المنفى والوطن، وهو سؤال وجودي لا مفر منه في الأدب الفلسطيني الزاخر بمفردات اللجوء والعودة. ففي الفصل الأخير من الرواية، يتساءل الكاتب باستنكار عن معنى المواطنة حين يلفظ الوطن أبناءه، قبل أن يندفع بحنين جارف إلى أزقة المخيم هناك حيث امتلأ بهوى فلسطين نشيداً وربيعاً.

“أن تولد لاجئاً في مخيم يعني أن ترث وتحمل قضية بالفطرة. تحضر فلسطين دون استئذان في قماط الولادة المغزول بألوان العلم الوطني. في اسم المولود: كفاح، نضال، تحرير، صمود. في سلسال يناغي الرضيع بين حلمتين. في كوفية توشّح ابتسامته الأولى. في صورة شهيد أو أسير تتوسط صدر البيت. في شعارات تثمل الجدران بالشوق والحنين، وفي تراتيل تصدح كل صباح بأهازيج الثورة وتبشر بنصر مبين.”

إذن، يعتقد الكاتب أن الإقصاء في الوطن شكلاً من أشكال المنفى، ويتجلى هذا الشعور وهو يتحدث بمرارة عن قضاء 13 عاماً من عمره في قطاع غزة محروماً من حمل رقم وطني. ويتساءل: “أي دولة هذه التي لا تملك سلطة منحي بطاقة هوية! من المخول بمنحي هذا الرقم” تأتي الإجابة: سلطات الاحتلال. أنت مخالف حسب القوانين الإسرائيلية لأنك دخلت فلسطين بتصريح زيارة وكسرت مدة الإقامة القانونية! فيعلق: لأي منطق يخضع هذا الهراء!

ثم يعود مجدداً فيما يشبه الهروب إلى الذاكرة، لاستحضار الصورة الجميلة للوطن في ربوع المخيم، فيحضر تلقائياً نفس السؤال الوجودي: أيهما أجمل المنفى أم الوطن؟ الطريق أم الوصول؟ غير أن الكاتب لا يشغل نفسه بهذا الطرح، لأن إجابته كانت قاطعة وحاسمة في السطور التالية:

“أيها المخيم، هل أسأنا الظن بك؟ هل كنت وطناً في حدود خيمة، أم خيمة بملامح وطن! هل كنا قساة معك حين لم نلتفت لوداعك ونحن نهم بالرحيل، هل نسينا شيئاً خلفنا؟ تلك الخرابيش على جدرانك، نبض الأطفال وهم يلعبون في حاراتك، تهافت القلوب حول برتقال الجليل، صلاة الغائب على شهداء قضوا في بئر السبع، رائحة الأحذية البالية المنبعثة من دكان أبو مصطفى، صوت أم حسن وهي تحمل البشرى، صراخ الخباز على صبية يعبثون بأرغفة العجين، كرامات الحاج حسين وهو يشد وثاق الكفن .. من قال إني بلا وطن!”

قد نختلف مع الكاتب في حسم هذه الجدلية التي تخضع لتصورات خاصة، وكذلك أيضاً في مواضع ومواطن أخرى أسقط فيها عبء الاحتلال عن كاهل وطنه، وإن كان قد أشار إلى أن الجزء المتاح من الوطن في فترة ما كان يتمتع بسيادة كاملة، لذلك افترض بأن ذلك الحيز من الجغرافيا صورة مصغرة عن وطن حر مستقل.

ولكن ما نتفق عليه، أن الخيبة كانت دافعاً ومحركاً أساسياً في ولادة هذا المنجز الأدبي الذي اعتبره تعويضاً ذاتياً عن شيء ما يفتقده المؤلف. وهنا يحضرني تعليق الروائية السعودية، رجاء عالم، التي قالت في هذا المقام إن الأديب يختار الكتابة عوضا عن الحياة كما يحلم. إنها الملاذ لمواجهة الخيبات وقهرها والانتصار عليها. إنها الفضاء الذي يداوي نكسات الشخص والارتدادات العنيفة لهزائم الحياة. فعبر الكتابة يعادل الكاتب الكفة مع خسائره، فيخف شعوره بالغبن، لهذا لا يكف الكتّاب يرددون أن الكتابة هي أجمل ما حدث لهم، وأنها الشيء الوحيد الذي يجيدون عمله. أو كما قال الروائي الأرتيري حجي جابر، الكتابة هي المجال الوحيد الذي يجد الكاتب نفسه عبرها منتصرا على الدوام، على الناس وعلى خيباته، وحتى على نفسه ذاتها.

أخيراً، لفتني في غلاف رواية عائد إلى المخيم، حنظلة الفلسطيني وهو يقف حافياً على مفتاح العودة. هل ثمة رسالة أراد الكاتب إيصالها؟ هل رمى المفتاح عمداً في طريق عودته إلى مخيم البداوي، أم  أنه سقط سهواً من كثرة الأحمال في ذاكرة اللاجئ المنكسر!

 

About Post Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظة © 2020 مجلة السفير | Newsphere by AF themes.