خمسون عاماً على زيارة نيكسون للصين

علي أبو مريحيل – رئيس التحرير

 

تصادف هذه الأيام الذكرى الـ 50 لزيارة أول رئيس أميركي لجمهورية الصين الشعبية، التي وضعت حداً لقطيعة طويلة بين البلدين استمرت أكثر من عقدين. وكان الرئيس السابع والثلاثون للولايات المتحدة، ريتشارد نيكسون، قد زار الصين في 21 فبراير/شباط 1972 في خطوة تاريخية أسست لاحقاً لاستئناف العلاقات الدبلوماسية بين البلدين في عام  1979.  استمرت الزيارة لمدة أسبوع، عُرف فيما بعد بـ”الأسبوع الذي غيّر العالم”، نظراً لتأثير تداعيات الزيارة بميزان القوى بين الصين والولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي آنذاك. وكان القادة السوفييت يخشون، في حينه، من أن يؤدي ذلك التقارب إلى تشكيل جبهة موحدة تستهدف الاتحاد، وخصوصاً بعد انهيار العلاقة بين قطبي الشيوعية في ستينيات القرن الماضي. غير أنّ هذه الذكرى تتزامن اليوم مع توتر العلاقات بين المحاور الثلاثة، تحت وطأة العديد من الملفات والقضايا الساخنة. فكيف أسست الزيارة لتطبيع العلاقات بين بكين وواشنطن؟ وما شكل العلاقة اليوم بعد مرور نصف قرن، وكيف ينظر الطرفان إلى حل الخلافات بينهما؟ وما أبرز المقاربات المطروحة؟ وهل ندمت الولايات المتحدة على التقارب مع الصين، الذي مهد الطريق أمام انفتاح الأخيرة على المجتمع الدولي، وصعودها كقوة اقتصادية وسياسية باتت تهدد مكانة الأولى؟ وهل يسير الرئيس الأميركي جو بايدن على خطى نيكسون،ويقوم بزيارة مماثلة لكسر الجمود، وقطع الطريق أمام تقارب غير مسبوق بين موسكو وبكين على وقع الأزمة الأوكرانية؟

في 15 يوليو/ تموز 1971، استفاق الأميركيون على خطاب متلفز لنيكسون، أعلن فيه أنه قبل دعوة رسمية من قادة الحزب الشيوعي لزيارة الصين، ليصبح أول رئيس أميركي يزور الجمهورية الشعبية منذ تأسيسها في عام 1949. وورد في خطاب الرئيس، الذي بثته القنوات التلفزيونية الأميركية، أنه اتخذ هذا القرار بسبب اقتناعه العميق بأن جميع الدول ستستفيد من تخفيف التوترات، ومن علاقات أفضل بين الولايات المتحدة وجمهورية الصين الشعبية.

وجاءت هذه الخطوة المفاجئة تتويجاً لفصل من مباحثات سرية قادها آنذاك مستشار الرئيس للأمن القومي هنري كيسنجر، الذي كان قد وصل قبل أيام من إعلان نيكسون، في زيارة سرية، إلى العاصمة بكين عبر طائرة باكستانية، وهناك التقى رئيس الوزراء الصيني الأسبق تشو إن لاي، وطلب منه الموافقة على زيارة رسمية للرئيس الأميركي.

نبعت الرغبة الأميركية في التقارب مع الصين، من اعتقاد بأن ذلك من شأنه أن يكسب الولايات المتحدة حليفاً لديه نفوذ كبير في جنوب شرق آسيا، وبالتالي يمكن اللجوء إليه للعب دور رئيسي في المحادثات الخاصة بالحرب الفيتنامية، وكذلك في ضبط وإدارة المفاوضات مع الاتحاد السوفييتي المتعلقة بالأسلحة النووية.

في المقابل، كانت بكين تدرك أهمية هذه الخطوة، في ظل مخاوف من اتساع نفوذ الاتحاد السوفييتي، الأكثر تسلحاً، في المنطقة، بالإضافة إلى أزمة الثقة بين الجانبين، بالرغم من اعتناق إيديولوجيا واحدة مناهضة للإمبريالية. وكانت العلاقات بينهما قد تدهورت في ستينيات القرن الماضي، ودخلت في صراع مفتوح، تخللته اشتباكات حدودية في العام الأول لنيكسون (1969 ــ 1974) بمنصبه.

في 21 فبراير/شباط 1972، هبطت الطائرة الرئاسية الأميركية في بكين. نزل نيكسون سلّم الطائرة برفقة زوجته بات، التي ارتدت معطفاً أحمر، في ما بدا مجاملة للتقاليد والثقافة الصينية التي يرمز فيها اللون الأحمر إلى البهجة والسعادة. وكان في استقبالهما رئيس الوزراء الصيني تشو إن لاي.

بدت الزيارة التي استمرت لمدة أسبوع، عُرف فيما بعد بـ”الأسبوع الذي غيّر العالم”، منظمة بإحكام من الطرفين، من حيث التغطية الإعلامية المكثفة، سواء في وسائل الإعلام الصينية أو الأميركية. فقد تصدرت صورة الزعيمين وهما يتصافحان عند سلَّم الطائرة جميع الصحف والمنافذ الإعلامية، وقد رافقت الكاميرات كل خطوة كان يقوم بها نيكسون في الصين، بما في ذلك تناول وجبة العشاء مع قادة الحزب الشيوعي.

لاحقاً، فشلت خطط نيكسون في استمالة الصين من أجل الضغط على حلفائها الفيتناميين الشماليين. لكن في اتجاه آخر نجحت في ضبط التوازن بين القوى الدولية، ما دفع الاتحاد السوفييتي إلى الموافقة على الحد من ترسانته النووية، والانضمام إلى معاهدة مشتركة مع الولايات المتحدة لتنظيم ذلك، وهو الأمر الذي كان يرفضه القادة السوفييت في وقت سابق. كذلك فإن الزيارة أسست لاحقاً لاستئناف العلاقات الدبلوماسية بين أميركا والصين في عام 1979.

يبدو أن التاريخ يعيد نفسه. فقبل أيام، طلبت الولايات المتحدة من الصين استخدام نفوذها لدى روسيا لحثها على حل دبلوماسي للأزمة الأوكرانية، وبالتالي هناك مخاوف قائمة، تشبه إلى حد كبير المخاوف التي انتابت واشنطن من اتساع نفوذ الاتحاد السوفييتي في سبعينيات القرن الماضي، والتهديد الذي كان يشكله بسبب ترسانته النووية، ما دفعها إلى التقارب مع بكين. كما يبدو أن لدى الصين أيضاً مصلحة في تأزم العلاقات بين الولايات المتحدة وروسيا، ورؤية قوات عسكرية تغزو الأراضي الأوكرانية،لاستخلاص الدروس والعبر في أي محاكاة محتملة لغزو تايوان. وهي المصلحة نفسها التي دفعت الزعيم الصيني الراحل ماو تسي تونغ، عام 1971، إلى دعوة فريق أميركي لتنس الطاولة إلى خوض مباريات استعراضية في الصين، التي أسست لما بات يُعرف بـ “دبلوماسية البينغ بونغ”.

بالرغم مما يشاع عن تحالف صيني – روسي، فإن هناك أزمة ثقة كبيرة بين الجانبين، وبالتالي من غير المتوقع أن تقف بكين إلى جانب موسكو ضد أي عقوبات دولية تستهدف الأخيرة، لأنها لا ترغب في أن تظهر وكأنها شاذة عن الإجماع الدولي، وهي التي تدعو إلى نظام قائم على القواعد والتعددية. لاشك أن روسيا تدرك ذلك، وتعلم أن ما يضعها في خندق واحد مع الصين هو تحدي الهيمنة الأميركية ليس أكثر،في حين أن هناك الكثير من الملفات الشائكة والمصالح المتضاربة بينهما.

يبدو اليوم أن الإدارة الأميركية لا تستطيع أن تواجه الصين وروسيا معاً، وهو ما يدفع باتجاه إعادة نسج العلاقات وفق المصالح المشتركة، في تكرار لسيناريو نيكسون قبل نصف قرن. فالصين أكثر براغماتية من روسيا بالنسبة إلى الولايات المتحدة، وترتبط مع الأخيرة بعلاقات اقتصادية وثيقة، فضلاً عن نفوذها الكبير في مناطق حيوية لا يمكن تجاوزها أو غضّ النظر عنها. وبالتالي إنّ الأضرار الناجمة عن استعداء بكين تتجاوز أضعاف ما يمكن أن ينجم عن أي صدام محتمل بين موسكو وواشنطن في المستقبل. في ضوء ذلك يمكن فهم توجه الولايات المتحدة إلى الصين لمساعدتها في الضغط على الرئيس الروسي فلاديمير بوتين من أجل حل الأزمة الأوكرانية. لكن يبقى من المستبعد أن يسير بايدن على خطى نيكسون، على الأقل قبل موعد استحقاق الانتخابات النصفية الأميركية المقررة في نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل، وذلك لضمان تجديد الثقة قبل أي مغامرة غير محسوبة.

 

 

About Post Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظة © 2020 مجلة السفير | Newsphere by AF themes.