دونالد ترامب الخروج بأسوأ صورة وأفول الحقبة الترامبية

غادر الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، البيت الأبيض عشية تنصيب خلفه جو بايدن، دون أن يحضر مراسم التنصيب، في خرق واضح للبروتوكولات الأمريكية، وسط إصراره على عدم الاعتراف بالهزيمة واقتناعه بأن الانتخابات سرقت منه. وشدد في كلمته الأخيرة أمام حشد من أنصاره على أن إدارته لم تكن عادية وتمكنت خلال سنوات حكمها من تحقيق الكثير من الأهداف، كما تعهد بالعودة إلى البيت الأبيض بطريقة أو باخرى في إشارة إلى رغبته بالترشح للرئاسة في الانتخابات المقبلة.

حتى ساعاته الأخيرة في البيت الأبيض، لم يفوت ترامب الفرصة لإثارة الجدل حوله كما اعتاد أن يفعل دائماً، حيث أصدر عفوا عن 73 شخصا، من بينهم مستشاره السابق ستيف بانون، الذي يواجه اتهامات بالاحتيال. وخففت الأحكام على 70 شخصا آخر، قبل تنصيب جو بايدن بساعات. وشملت قرارات العفو مغني الراب، ليل وأين، بالإضافة إلى تخفيف الأحكام على مغني الراب كوداك بلاك، وعمدة ديترويت السابق كوامي كيلباتريك. فيما لم تشمل تلك القرارت عفوا استباقيا عن نفسه أو عن أفراد أسرته.

وبالرغم من خروجه من المشهد السياسي، فإن إرث ترامب سيبقى حاضراً في الأذهان وفي ذاكرة الأمريكيين، كظاهرة فريدة تجمع بين الشعبوية والنرجسية، باتت تعرف بالحالة الترامبية. سيذكر الأمريكيون دونالد ترامب كأول رئيس خضع لإجراءات العزل مرتين. وأول رئيس يرفض الاعتراف بالهزيمة ويحرض أنصاره على اقتحام الكونغرس بما يمثل هذا المبنى  من رمزية.

فمنذ إعلان نتائج الانتخابات الرئاسية، أشاع ترامب رواية أن الانتخابات قد سرقت، واستدعى مؤيديه للقدوم إلى واشنطن للاحتجاج على جلسة التصديق على تصويت المجمع الانتخابي، وأخبرهم أنه بالقوة فقط يمكنهم استعادة بلدهم، ما أدى إلى حالة من العنف تسبب في مقتل خمسة أفراد.

ومثلت تلك الأحداث صدمةً كبيرة في الولايات المتحدة وخارجها. وبسبب دور ترامب في التحريض على التمرد، وفي أعقاب ذلك باشرت الأغلبية الديمقراطية في مجلس النواب بالتحضير لإجراءات عزله، ولكن بسبب عدم التئام مجلس الشيوخ في الوقت المحدد سوف تتحول إجراءات العزل إلى محاكمة تهدف إلى عزله عن الحياة السياسية، وقطع الطريق أمام مشاركته في الانتخابات الرئاسية المقبلة.

في على مدار الاربع سنوات الماضية تابع الشعب الأمريكي كل الأخطاء والحماقات التي ارتكبها ترامب في حقهم وحق بلادهم. سواء في مسائل تتعلق بالخدمات والمرافق، أو في مجال العلاقات الخارجية التي نسف أسسها المتعارف عليها. وكانت صورة “أميركا أولاً” منفرة وفاقدة أي جاذبية، وقد تحول معها البلد الحر الديمقراطي إلى دولة بلطجية تمارس الشعبوية على مرأى العالم بواسطة تقنيات اتصال عالية الجودة، أبرزها موقع تويتر.

فقد كان ترامب يدير الحياة السياسية عبر حسابه على موقع التواصل الاجتماعي، ويصدر قرارات هامة بواسطة هاتفه المحمول. في وقت وتّر علاقاته مع الجميع، حتى أقرب الحلفاء إلى بلاده، مثل الاتحاد الأوروبي، واليابان وكوريا الجنوبية. فلم يكن يتوانى عن تلقينهم دروسا في اللياقة أمام الجميع وفي أكثر من مناسبة، كما كان يجرهم جراً إلى ملفات وقضايا شائكة، دون أدنى تنسيق، على غرار الانسحاب من الاتفاق النووي، وتطبيع العلاقات مع إسرائيل.

كما تفاجأ الأمريكيون مؤخراً بأن رئيسهم السابق لم يكن يلتزم بحفظ السجلات مما أثار مخاوف من إحداث فجوة في التأريخ لإدراته. فقد عرف ترامب حسب مقربين، بعادة تمزيق الوثائق والأوراق قبل التخلص منها، مما يجبر العاملين في البيت الأبيض على قضاء ساعات في إعادة تركيبها. وذكرت تقارير صحفية بأن ترامب صادر مذكرات مترجم بعد أن أجر ى محادثة مع نظيره الروسي فلاديمير بوتن. كما وبخ محاميه في البيت الأبيض لتدوينه ملاحظات في اجتماع خلال التحقيق الروسي مع  المحقق الخاص السابق روبرت مولر. وحسب مراقبين فقد يؤدي عدم وجود سجلات كاملة إلى إعاقة أي تحقيقات جارية مع ترامب  سواء كان متعلقة بمحاكمته في الكونغرس، أو غيرها من الملفات والقضايا. ويأتي هذا الانتهاك رغم أن قانون السجلات الرئاسية ينص على أنه لا يجوز للرئيس إتلاف السجلات حتى يطلب مشورة أمين الأرشيف الوطني ويخطر الكونغرس بذلك. هذا وتعتبر  سجلات الرؤساء السابقين مهمة لأنها يمكن أن تساعد حلفاؤهم في صياغة سياسات جديدة وتلافي تكرار أي أخطاء سابقة.

لاشك أن ما سبق كفيل بأن يوصم ترامب بالرئيس الاستثنائي الذي دخل السياسة من باب الاستثمارات الضخمة والأعمال التجارية، معتمداً على خطاب يدغدغ مشاعر اليمين المتطرف في الولايات المتحدة، وذلك من خلال رفع شعار أمريكا أولاً. غير أن اقتحام جماعات متطرفة الكونغرس بالقوة، بتحريض مباشر من ترامب نفسه، يبقى وصمة عار كبيرة في تاريخ الولايات المتحدة. ومن غير المتوقع أن يتم تجاوز هذه الحقبة دون نزع فتيل الظاهرة الترامبية التي تعتبر قنبلة موقوتة ما لم يتم حجب الثقة ونزع الشرعية عن شخص ترامب حتى وإن أصبح رئيساً سابقاً، لأن بقاء فرص ترشحه للرئاسة مرة أخرى، سيبقي النزعة اليمينية المتطرفة حية في نفوس أنصاره ومحبيه.

About Post Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظة © 2020 مجلة السفير | Newsphere by AF themes.