ربع قرن على استعادة هونغ كونغ

أحيت هونغ كونغ،  مطلع الشهر الجاري الذكرى الـ25  لإعادتها إلى السيادة الصينية، في ظل واقع جديد جرّد المدينة من طابعها الديمقراطي، بعد أن أحكمت السلطات الصينية قبضتها، بموجب قانون الأمن القومي، على أجهزة التشريع والتنفيذ والقضاء. وأثارت التطورات والأحداث التي شهدتها المدينة خلال الخمس سنوات الماضية تساؤلات حول مستقبلها السياسي والاجتماعي والاقتصادي، ومصير نموذج “دولة واحدة ونظامان”، على اعتبار أنه الصيغة التي تؤطر العلاقة بين الجزيرة والبر الرئيسي منذ إعلان إنهاء الاستعمار البريطاني رسمياً قبل ربع قرن. وشكّل حضور الرئيس الصيني شي جين بينغ، المناسبة في أول رحلة له خارج البر الرئيسي منذ انتشار جائحة كورونا قبل أكثر من عامين، تأكيداً على أن المستعمرة البريطانية السابقة التي ستحيي هذه الذكرى بفعاليات واحتفالات صاخبة، باتت فعلياً تحت القبضة الصينية. وأشاد شي جين بينغ، لدى وصوله إلى هونغ كونغ عبر القطار بـ”الولادة الجديدة من النار” لهونغ كونغ. وقال: “بعد العواصف، تولد هونغ كونغ من جديد من النار، وتظهر بحيوية كبيرة”. وأضاف أن “الوقائع أثبتت أن مبدأ بلد واحد ونظامان مليء بالحيوية”.

وكانت السلطات الصينية قد تسلّمت هونغ كونغ من المملكة المتحدة في الأول من يوليو/تموز عام 1997، لينتهي بذلك حكم بريطاني للجزيرة دام 156 عاماً (ضمت بريطانيا جزيرة هونغ كونغ إليها كجزء من معاهدة نانجينغ عام 1842 بعد أن انتصرت على الصين في ما يُعرف بحرب الأفيون). وجاء تسلّم الصين للسلطة على المدينة بموجب الإعلان المشترك الذي وقّعت عليه حكومتا البلدين عام 1984، وقضى بعودة هونغ كونغ إلى الصين، في إطار صيغة دولة واحدة ونظامان، والتي تعني احتفاظ الجزيرة بنظام قانون مستقل تماماً، وإن كانت تتبع جمهورية الصين الشعبية كمنطقة إدارية تتمتع بدرجة عالية من الحكم الذاتي.

وأتاح نظام عودة هونغ كونغ المشروطة للصين، هامشاً من الحرية والديمقراطية لسكان الجزيرة، على خلاف الصينيين المحكومين بسياسة الحزب الواحد. ومع مرور الوقت، أصبحت المدينة مركزاً مالياً واقتصادياً هاماً في شرق آسيا، وقد حظيت بعلاقات وطيدة مع الغرب، خصوصاً الولايات المتحدة، التي منحتها ميزة تنافسية في أسواق المال والأعمال العالمية استمرت لعدة سنوات.

وحسب الإعلان المشترك بين الصين وبريطانيا، فإنه لا يحق للسلطات الصينية خلال خمسة عقود من تاريخ استعادة الجزيرة، التدخّل في سياسات هونغ كونغ الداخلية. لكن بعض الثغرات في بنود الاتفاق (اختيار الرئيس التنفيذي يكون على أساس الانتخابات الداخلية، ومن ثم يتم تعيينه بالتشاور مع الحكومة المركزية في بكين) دفع الصين إلى أول تدخّل في شؤون هونغ كونغ الداخلية عام 2014، حين أقر البرلمان الصيني قراراً بشأن إصلاح النظام الانتخابي في الجزيرة، يقضي باختيار ثلاثة مرشحين لمنصب الرئيس التنفيذي من قبل بكين قبل إجراء التصويت الشعبي. هذا الأمر تسبّب في اندلاع حركة احتجاجية غير مسبوقة في هونغ كونغ، عُرفت بـ”ثورة المظلات”، طالب فيها أكثر من 200 ألف متظاهر بالحرية والديمقراطية ووقف تدخّل الصين في شؤونهم الداخلية.

في عام 2017، انتُخبت كاري لام، رئيسة تنفيذية لهونغ كونغ، في أول استحقاق بعد أن فرضت بكين قواعد اللعبة الانتخابية، وكانت بذلك أول امرأة تتولى هذا المنصب. وشهدت فترة لام، التي يعتبرها مراقبون الأسوأ في تاريخ الجزيرة، اضطرابات كبيرة، بسبب سنّ تشريعات جديدة عززت من قدرة الصين على إبطال فعالية النظام الديمقراطي. وكان من أبرز هذه التشريعات مشروع قانون، تمت مناقشته في فبراير/شباط 2019، يتيح للحكومة المحلية تسليم المجرمين إلى بكين للمثول أمام المحاكم الشعبية، في خطوة اعتُبرت انتهاكاً لسيادة الجزيرة وتهديداً لحرية سكانها، الأمر الذي أدى إلى تظاهرات عارمة استمرت لشهور، قبل أن تسحب لام لاحقاً مشروع القانون، بعد خروج الأوضاع عن نطاق السيطرة.

تلك الأحداث وما رافقها من فوضى في الجزيرة، أثارت قلق بكين، فأقرت في منتصف عام 2020، ما عُرف بـ”قانون الأمن القومي”، وهو قانون يعتبر أي نشاط مناهض للحكومة إرهاباً، ويمنح الرئيس التنفيذي صلاحيات واسعة في مجال اختيار القضاة، وهو ما يتعارض مع القانون الأساسي المعمول به في هونغ كونغ.

وكذلك يتيح القانون إنشاء مكتب للأمن القومي تشرف عليه بكين مباشرة، ويمكن من خلاله ملاحقة وضبط المعارضين والنشطاء المؤيدين للديمقراطية. ودفع القانون، المثير للجدل، الولايات المتحدة، إلى الإعلان عن أن هونغ كونغ لم تعد منطقة إدارية مستقلة، وبالتالي سحب الميزة التنافسية الممنوحة لها، بسبب تآكل نظامها الديمقراطي.

كما شهدت الجزيرة، خلال حكم كاري لام، حملة اعتقالات كبيرة طاولت عدداً كبيراً من الناشطين المؤيدين للديمقراطية، بالإضافة إلى تجريم حزب “هونغ كونغ الوطني” المؤيد للاستقلال.

أيضاً شهد النظام الانتخابي تعديلات جديدة أقرت في عام 2021، تم بموجبها تقليص عدد الأعضاء المنتخبين بالاقتراع المباشر (إلى 20 من أصل 90)، وجعل الترشح للمجلس التشريعي مقتصراً على موالين للحكومة المركزية، ما يعني فعلياً إلغاء أي فرصة أو أفق لقوى المعارضة في الحكم والسلطة. جميع هذه الإجراءات، التي أدت إلى تغيير ملامح النظام الديمقراطي، دفعت مراقبين إلى وصف كاري لام بالرئيسة التنفيذية الأسوأ والأكثر خضوعاً لبكين. ولعل ثمار جميع ما تقدّم من تعديلات دستورية وتدخّلات مباشرة من الحكومة المركزية، تتمثل في تعيين جون لي، المسؤول الأمني السابق، رئيساً تنفيذياً جديداً لهونغ كونغ خلفاً لكاري لام.

About Post Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظة © 2020 مجلة السفير | Newsphere by AF themes.