رسائل الصين إلى تايوان

اختتم الجيش الصيني، الجمعة، مناورات عسكرية واسعة النطاق في محيط تايوان، أطلق عليها اسم “السيف المشترك 2024 ـ إيه”، شاركت فيها القوات البحرية والجوية ووحدة الصواريخ، وذلك لاختبار القدرات القتالية المشتركة للقوات من خلال حصار الجزيرة على وقع استمرار تنديدات تايوان وترقب لما ستؤول إليه نتائج المباحثات الأميركية الصينية المرتقبة بين وزيري دفاع البلدين، الأميركي لويد أوستن والصيني دونغ جون. وينتظر أن يحضر ملف تايوان واحداً من عناوين النقاش الرئيسية، لا سيما بعد التطورات الأخيرة وحض الولايات المتحدة، أقوى حلفاء تايوان وداعميها العسكريين، الصين “بقوة” على ضبط النفس، فيما حرصت بكين على أن تكون رسائل المناورات موجهة إلى تايبيه وواشنطن على حد سواء. وجاءت مناورات الصين حول تايوان التي استمرت يومين في أعقاب تنصيب الرئيس لاي تشينغ تي، الاثنين الماضي، الذي أثار خطابه الأول بصفته زعيماً لتايوان غضب بكين. وقال لاي إن بكين وتايبيه “ليستا تابعتين بعضهما لبعض”، ما أدى إلى انتقاد السلطات الصينية هذه التصريحات، معتبرة أن خطاب لاي كان مليئاً بالعداء والاستفزاز والأكاذيب والخداع. واتهمت الرئيس الجديد بأنه “أكثر تطرفاً” في نهجه من الرئيسة السابقة تساي إنغ ون، وأنه بذلك أرسل “إشارة خطيرة” بشأن استقلال تايوان.

وجرت مناورات الصين حول تايوان في شمال وجنوب وشرق الجزيرة وفي مضيق تايوان. كذلك، شملت مناطق تقع حول جزر كينمن، ماتسو، ووكيو ودونغيين الواقعة على مقربة من سواحل الصين. وإذا كان الجيش الصيني قد أجرى مناورات سابقاً، فإنها المرة الأولى التي كانت فيها بهذه الخطورة، وفق مراقبين. وأعلنت قيادة المسرح الشرقي لجيش التحرير الشعبي (الاسم الرسمي للجيش الصيني)، في بيان، أن مناوراتها المشتركة ركزت على دوريات الاستعداد القتالي البحري والجوي، والسيطرة على ساحة المعركة وتوجيه ضربات دقيقة لأهداف حاسمة. وأوضحت أن التدريبات مثّلت عقاباً قوياً لـ”القوات الانفصالية التايوانية التي تسعى إلى الاستقلال”، وتحذيراً جدياً من التدخل والاستفزاز من قبل قوى خارجية.

من جهتها، ذكرت وزارة الدفاع التايوانية، أن 46 طائرة عسكرية صينية عبرت خط المنتصف في مضيق تايوان أول من أمس الجمعة. وكانت الوزارة قد وصفت تدريبات الجيش الصيني بـ”الاستفزاز المعرقل للسلام والاستقرار الإقليميين”، في بيان أول من أمس الجمعة، مشيرة إلى أنها سجلت اختراق 33 طائرة و15 سفينة بحرية و16 سفينة لخفر السواحل الصيني منطقة تحديد الدفاع الجوي في تايوان. وأضافت أن أقرب نقطة وصل إليها الجيش الصيني كانت على بعد 44 كيلومتراً من ساحل تايوان. بدورها، اعتبرت المتحدثة باسم الرئاسة كارين كوو في بيان، أمس السبت، “أن الاستفزاز الحديث أحادي الجانب من قبل الصين لا يقوّض فقط الوضع القائم للسلام والاستقرار في مضيق تايوان، بل هو أيضاً استفزاز صارخ للنظام العالمي، يثير خوفاً جدياً وإدانة من المجتمع الدولي”.

وكان الرئيس التايواني لاي تشينغ ـ تي قد زار قاعدة بحرية في الجزيرة الخميس الماضي، متعهداً بالوقوف على الخطوط الأمامية مع الجيش التايواني. وبحسب ما نشرته وكالة الأنباء العسكرية التايوانية، فإن القوات البحرية في الجزيرة حركت مركبات تحمل صواريخ إلى “مواقع تكتيكية”. ونشرت الوكالة أيضاً لقطات لجندي تايواني على متن سفينة تراقب مدمرة تابعة للجيش الصيني. وأظهر الفيديو السفن التايوانية والجيش الصيني ضمن نطاق بصري واحد.

وفي تعليقه على مناورات الصين حول تايوان قال الباحث في مركز الشرق للدراسات الاستراتيجية في العاصمة بكين وو شوانغ، إن “الهدف من هذه التدريبات هو الضغط على تايبيه وردع أي محاولة للترويج لفكرة الاستقلال”. وأوضح أن “اللافت في المناورات الأخيرة مشاركة جميع الوحدات العسكرية الصينية وتطويق الجزيرة من جميع المحاور، والتركيز أكثر على المحور الشرقي، الخاصرة الرخوة لتايوان”. وأضاف أن “إحكام الحصار على هذا المحور سيحول دون قدرة القوات الأميركية المتمركزة في المحيط الهادئ على التدخل، في حال شنت بكين حرباً على الجزيرة”. ولفت وو إلى أن “المحور الشرقي يمثل شريان الحياة لتايبيه في ما يتعلق بإمدادات الوقود والطاقة، وبالتالي، فإن السيطرة عليه بمثابة ضربة قوية تؤدي إلى شلل تام في الحركة التجارية والاقتصادية”. ورأى أن “مناورات الصين حول تايوان أظهرت مدى قدرة بكين على فرض حصار اقتصادي تام على تايوان في وقت قياسي، بالإضافة إلى محاصرة القوات البحرية التايوانية وقطع جميع الإمدادات عنها”. وخلص إلى القول إن “استمرار الحصار العسكري والاقتصادي أياماً قليلة سيؤدي إلى انهيار الجزيرة اقتصادياً وتحويلها إلى مساحة جغرافية ميتة”.
من جهته، اعتبر الخبير في الشؤون الآسيوية المقيم في هونغ كونغ كاي فنغ أنه “لا يجب تهويل مناورات الصين حول تايوان لأنها تندرج ضمن خطط استراتيجية تهدف في المقام الأول إلى توجيه رسائل شديدة اللهجة إلى القوى السياسية في تايبيه”. واستبعد أن “تقدم بكين على خطوات تؤدي إلى عمل عسكري حقيقي يستهدف إعادة التوحيد بالقوة”، مشيراً إلى أن “خيار الحصار أقل كلفة بالنسبة لبكين من خوض مغامرة عسكرية غير محسوبة”. وأضاف أن “الملفت في مناورات الصين حول تايوان هو تركيز بكين على محاصرة الجزيرة بدلاً من الدخول في مواجهة عسكرية مباشرة”، مشيراً إلى أن “استراتيجية الحصار تقلل من احتمال دخول الولايات المتحدة وحلفائها على خط المواجهة. وفي نفس الوقت تخنق الجزيرة اقتصادياً وتقطع عنها جميع الإمدادات، وإذا استمر الأمر مدة أطول، فستجد تايبيه نفسها مضطرة للرضوخ للضغوط الصينية. في حين أن الدخول في صدام عسكري مباشر يزيد من احتمال التدخل الخارجي، وبالتالي نشوب حرب إقليمية قد تؤدي إلى عواقب وخيمة”. وأكد كاي أنه “على الرغم من تحديث الجيش الصيني وفعاليته، فإن تايوان راكمت خلال السنوات الماضية خبرات عسكرية وزادت من قدراتها الدفاعية بمساعدة الولايات المتحدة، لذلك تدرك بكين أن اجتياح الجزيرة لن يكون نزهة، كما أن القوات الأميركية المتمركزة في المحيطين الهادئ والهندي لن تقف مكتوفة الأيدي”.

وسبق للصين أن شددت مراراً على أن تايوان جزء من أراضيها وهي جزء من البر الرئيسي، و ستضمها ولو بالقوة إذا لزم الأمر. واعتبرت بكين الرئيس التايواني “انفصالياً ومثيراً للمتاعب ويدافع عن الاستقلال”. ولم تعترف معظم الدول، بما في ذلك الولايات المتحدة، بتايوان. ومع ذلك، عارضت واشنطن سابقاً أي تغيير أحادي الجانب في الوضع الراهن، وأبدت التزامها بالدفاع عن الجزيرة، والولايات المتحدة هي أيضاً المورد الرئيسي للأسلحة لتايوان. وكان الجيش الصيني في أغسطس/آب 2022 قد أطلق مناورة كبيرة غير مسبوقة بالذخيرة الحية في محيط الجزيرة بعد أن قامت رئيسة مجلس النواب الأميركي آنذاك نانسي بيلوسي بزيارة تايبيه. وبعد ذلك، أُجري تدريب مماثل في إبريل/نيسان 2023 عندما التقت رئيسة تايوان آنذاك تساي إنغ وين مع رئيس مجلس النواب الأميركي آنذاك كيفن مكارثي أثناء توقفها في الولايات المتحدة. ومنذ ذلك الحين، كثفت بكين الضغط العسكري مع تدهور العلاقات عبر المضيق في عهد الرئيسة السابقة تساي إنغ وين.

About Post Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظة © 2020 مجلة السفير | Newsphere by AF themes.