رمضان في الصين، تقاليد خاصة لإبراز الهوية الدينية

علي أبو مريحيل – رئيس التحرير

على الرغم من أن نظاماً شيوعياً صارماً يحكم الصين، إلّا أنّها تُعدّ موطناً لأحد أكبر التجمعات الإسلامية في منطقة شرق آسيا. تشير تقديرات غير رسمية إلى أن عدد المسلمين في جمهورية الصين الشعبية يصل إلى مائة مليون، بينما تقول التقارير الصادرة عن الحكومة إن عددهم لا يتجاوز 23 مليوناً. تضم الصين 56 قومية، من بينها عشر قوميات مسلمة، وأكبرها الهوي والأويغور، بالإضافة إلى الكازاخ، ودونغ شيانغ، والقرغيز، والأوزبك، وسالار، والطاجيك، وبونان، والتتار، ويعتبر إقليم شينجيانغ شمال غربي البلاد موطناً لقومية الأويغور التي يصل تعدادها إلى 10 ملايين نسمة، بينما تتوزع القوميات المسلمة الأخرى بين مناطق ومدن صينية عدة مثل إقليم نينغشيا، وهو موطن قومية الهوي، فضلاً التواجد بأعداد كبيرة في العاصمة بكين، ومدينتي كوانجو، وشينزن.

يتمتّع المسلمون في الصين بتقاليد خاصة لإحياء الشعائر الدينية، وخصوصاً شهر رمضان، الذي يمثل بالنسبة إليهم فرصة لإبراز هويتهم الثقافية والدينية، ويحرص الكثيرون منهم على إعداد أطباق طعام خاصة بالقومية المسلمة التي ينتمي إليها، إضافة إلى تشكيل حلقات كبيرة، أو سلاسل بشرية طويلة حول موائد الإفطار الجماعية، كما تُزيّن المساجد والبيوت والأزقة والشوارع العامة بالألوان والمصابيح، بالإضافة إلى تقاليد أخرى تشمل احتفاليات كبيرة.

يقول الحاج إبراهيم يونغ، وهم مسلم من قومية الأويغور يعيش في العاصمة بكين، “عادة ما نجدد الأثاث قبل حلول شهر رمضان، إضافة إلى تجديد الستائر والسجاد في المساجد، وتزين الجدران بالمصابيح، وتعلق لافتات مكتوبة باللغة العربية لاستقبال المصلين”. يضيف: “بخلاف مجتمعات أخرى، فإن المسلمين الصينيين يفضلون تناول طعام الإفطار في المسجد وليس في المنزل، فيصطحب كل رجل أفراد أسرته، ويحملون معهم ما تيسر من طعام ليتقاسموه مع العائلات الأخرى، ودائماً ما يتم الفصل بين الذكور والإناث. بعد صلاة التراويح، تغادر النساء، ويبقى من لديه القدرة على الاعتكاف في المسجد، وهؤلاء يقومون أيضاً بتنظيفه وتهيئته لليوم التالي، بالإضافة إلى التعبد وتلاوة القرآن والمشاركة في حلقات الذكر. ويستمر ذلك حتى صلاة الفجر”.

بدوره، يوضح تشون ما، وهو مسلم من قومية الهوي، أن “البطيخ يعتبر وجبة أساسية على مائدة الإفطار الرمضانية، وهو بمثابة التمر بالنسبة للصائمين، ولا يمكن أن يبدأ المسلم الصيني إفطاره من دون تناول قطعة أو قطعتين من البطيخ البارد لاحتوائه على كمية كبيرة من السوائل التي يحتاجها جسم الإنسان بعد نحو 13 ساعة من الصيام، والأرز البخاري المطبوخ باللحم والجزر والزبيب يعد من بين الأكلات الرئيسية على مائدة الإفطار لأنه يعين الصائم على تحمل البقاء لساعات من دون طعام”.

ويقول جيانغ مو، وهو مسلم من قومية سالار، إنه “في المناطق ذات الكثافة السكانية الكبيرة التي لا يمكن فيها للمساجد أن تستوعب الجميع، يتم إعداد موائد طعام كبيرة في الساحات العامة، وتجتمع حولها آلاف الأسر المسلمة لتناول الإفطار. كما أنه يتم تشكيل لجان في كل منطقة توكل إليها مهمة إعداد الطعام طوال الشهر، وعادة ما يتم التبرع باللحوم والمأكولات من الجمعيات الإسلامية أو من رجال الأعمال”. يضيف: “في بعض الأحيان تضم المائدة الواحدة عدة أصناف من مأكولات خاصة بالقوميات المسلمة، وتكون مناسبة لمختلف الثقافات والقوميات، مع استثناء الطعام غير المذبوح على الشريعة الإسلامية الذي تقدمه قوميات صينية غير مسلمة للصائمين، وهذا يوزع على الفقراء والمشردين”.

ويشير تشون جاو، وهو مسلم من قومية الأويغور، إلى أن “المداومة على قراءة القرآن في المساجد، وخصوصاً بين الأطفال دون سن العاشرة، من بين أكثر ما يلفت النظر في شعائر المسلمين في الصين. من الشائع بالنسبة للمسلمين الصينيين تلاوة القرآن والصلاة باللغة العربية، والمفارقة أن معظم هؤلاء لا يتكلمون العربية ولا يفهمونها، لكنهم يجيدون تلاوة القرآن بلغة واضحة وسليمة، كما أن بعض الأئمة يستغلون الشهر لتعليم الأطفال اللغة العربية، والتي باتت اللغة الثالثة بعد لغتهم الأم الأويغورية، وهي مشتقة من اللغة التركية، واللغة الصينية وهي اللغة الرسمية للبلد الذي يعيشون فيه”.

يقول الحاج يعقوب، وهو مسلم من قومية الهوي، إن “شارع نيوجيه في بكين، يكون أحد أهم المعالم الإسلامية خلال شهر رمضان نظراً لشهرته بين الصينيين كونه يضم أكبر تجمع للمسلمين في العاصمة، إذ يسكن في محيطه قرابة 50 ألف مسلم. مع مرور الوقت، أصبح الشارع مزاراً للصينيين غير المسلمين الذين يقصدونه من كل مكان لالتقاط الصور، والاطلاع على الثقافة الإسلامية، ويتميز شارع نيوجيه بأنه يضم أقدم مسجد في العاصمة، والذي تم بناؤه في عام 996، وأكبر سوق للمأكولات الحلال، بالإضافة إلى انتشار المطاعم الإسلامية التي يقصدها العرب والمسلمون الأجانب في الصين”.

وبحسب الجمعية الإسلامية في الصين، يوجد أكثر من 34 ألف مسجد في جميع أنحاء البلاد، كما أن الحكومة خصصت في مناسبات عديدة أموالاً لإصلاح بعض المساجد القديمة نظراً لأهميتها التاريخية. في المقابل، تعرضت بكين لانتقادات شديدة بسبب حملة الاعتقالات في صفوف المسلمين بإقليم شينجيانغ، والتي شملت مراقبة التجمعات الإسلامية، وهدم دور العبادة، في حين تنفي السلطات ذلك، وتشدد على أنها تحمي حرية الأديان، وأنه يمكن للمواطنين ممارسة شعائرهم الدينية طالما أنهم يلتزمون بالقوانين واللوائح التي تضعها الدولة.

 

About Post Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظة © 2020 مجلة السفير | Newsphere by AF themes.