صراع النفوذ.. هكذا تسعى أمريكا لتقسيم الصين من الداخل

د. عبد الله جودة

شكلت آسيا الوسطي مركزاً جيوسياسي مهم لدى كثير من الإمبراطوريات عبر التاريخ. فقد استطاعت الصين تاريخيا أن تحافظ على حدودها ووحدة أراضيها، في بداية سلالة هان 206 قبل الميلاد كانت منطقة غرب الصين تابعة لشيونغذ وقبائل منغوليا واستطاع الإمبراطور الصيني في حينه بسط نفوذه علي تلك المنطقة 60 قبل الميلاد وأنشأت الصين محمية المناطق الغربية وحافظت السلالات المتتالية واحدة تلو الأخرى على الحكم والسيطرة على هذه المنطقة ذات الأهمية الاستراتيجية، وكانت ممراً تجارياً وذاع صيتها بما يعرف “طريق الحرير” ومعبر التجارة واتصال الصين بالبر الآسيوي كله منذ ما قبل الميلاد.

 

فقد بسطت الصين نفوذها بعد استقلال جمهورية الصين الشعبية وسيطرتها الكاملة على كافة أراضيها، ومنذ تلك اللحظة دخل الغرب على خط تغذية روح الفرقة بين بكين ومناطق شينجيانغ وغيرها. وشكلت النهضة التجارية الصينية خلال الفترة الزمنية القصيرة الماضية منعطفاً تاريخياً للحضارة البشرية، فتحول مركز الاقتصاد العالمي من الغرب إلى الشرق وأصبحت آسيا تمثل مركزاً اقتصادياً مهماً مما آثار حفيظة الغرب.

 

ولكي تعيق أمريكا الصين من التقدم والازدهار، استخدمت أسلوبها المتكرر في تغذية روح الفرقة والانفصال بين الشعوب (كما فعلت في العراق من قتل ونهب وفتنه) واحتضنت جماعات تطالب بالانفصال عن الصين، وقدمت لهم السلاح والمال، ونتيجة لذلك أُزهقت أرواح كثير من الأبرياء من الطرفين. ولكن الصين تعاملت مع هذه القضية بشدة وحزم وبسطت نفوذها على كافة أراضيها التي تنعم بالأمن والأمان. والزائر لتلك المناطق يشهد التقدم العمراني والنهضة الاقتصادية حيث تقوم اليوم الصين بإحياء طريق الحرير، وتقع تلك المنطقة على جزء مهم من خطة الصين لتطوير شبكة المواصلات العالمية في مشروعها العالمي “الحزام والطرق”.

 

في حين نشهد الحروب والصراعات في كافة أنحاء المعمورة خصوصاً في شرق أوسط يعاني من ويلات الحروب والدمار والتآمر والاقتتال الداخلي والفتن التي يزرعها الغرب، ما يمثل إفلاس وانتهاء الحضارة الغربية بعد كشف وجهها الحقيقي من استغلال ونهب لخيرات الشعوب الفقيرة، استخدم الغرب فزاعة الحريات والديمقراطية لكي يطيل أمد سيطرته وتحكمه بمقدرات البشرية. وخير مثال كيفية القضاء على نظام القذافي وتحول ليبيا إلى دولة فاشلة بعد أن كانت تملك قرارها المستقل ويعيش شعبها ضمن حدود دولته، رغم التحفظ على نظام القذافي إلا أنه لا يقارن بما يحدث الآن من حرب ودمار وإرهاب للآمنين.

والأمثلة الحاضرة كثيرة، وتحول الشرق الأوسط إلى منطقة حروب ونزاعات خير مثال، فرغم الثروات الطائلة التي يمتلكها يعاني أهله من فقر وجهل نتيجة الفساد المستشري بكافه القطاعات، ودعم الغرب لأنظمه تعمل لصالحه والتآمر علي هذه الأنظمة عند انتهاء دورها المطلوب منها غربياً.

بلا شك أن الصين دولة قوية ويعد التفكير بالانفصال عنها انتحاراً، لا يجرؤ أحد أن يدعو إليه إلا متهور أو لامسؤول، وها هي تركيا بعد فتره طويلة تتراجع عن الدعم المباشر للإيغور بعد أن أيقنت أن الغرب يكيد لها المكائد ويتآمر عليها.

 

فمن الطبيعي أن يكون أبناء تلك المناطق جزء من بناء دولة حديثة قوية بدلاً من أن يكونوا مستخدمين من قبل أمريكا، وسبباً في موت الكثير من أبناء جلدتهم، والمطالبة بمزيد من الامتيازات بدلاً من الانتفاضات في حين ترفع الصين شعار القيم الاشتراكية الأساسية لمثلث الدولة والمجتمع والفرد، والتي أقرها الحزب الصيني الحاكم كأساس في بناء دولته الحديثة، للدولة الرخاء والديموقراطية والتحضر والتناغم، وللمجتمع الحرية والمساواة والعدل وسيادة القانون، وللفرد الوطنية والتفاني والنزاهة والصداقة.

 

كل التقدير لأي دولة ترتكز على أسس وثوابت في بناء نهضتها، وتركت نقاط الخلاف جانبا ليحظى شعبها بما يستحق من حياة أفضل، فالصين التي ترفع تلك المبادئ وتسعى إلى أن تكون في مقدمة الدول، يجب أن تلاقي الدعم من مواطنيها من أجل الانخراط في تحقيق تلك المبادئ بدلاً من الجري وراء سراب وخراب البلاد والعباد.

 

 

About Post Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظة © 2020 مجلة السفير | Newsphere by AF themes.