صراع بكين ومانيلا في بحر الصين الجنوبي: الخلفيات والخيارات

علي أبو مريحيل

 

شهد بحر الصين الجنوبي خلال الأيام الأخيرة صدامات قوية بين الصين والفيليبين، على خلفية صراع السيادة بين البلدين بشأن الجزر المتنازع عليها في المنطقة. وفي أحدث صدام وقع قبل أسبوعين، قالت مانيلا إن سفن خفر السواحل الصينية تسببت في تصادمين مع زورقين فيليبينيين بالقرب من جزيرة سكند توماس شول المرجانية، المتنازع عليها في بحر الصين الجنوبي وذلك عبر فتح خراطيم المياه عليهما. في المقابل، قالت بكين “إنها اتخذت إجراءات رقابية ضد التسلل غير القانوني للسفن الفيليبينية إلى مياهها الإقليمية”. أيضاً في وقت سابق من الشهر الحالي، اتهمت مانيلا خفر السواحل الصينية بنشر حاجز عائم في منطقة سكاربورو شول المتنازع عليها، وقيامها بإجراء مناورات عسكرية في المنطقة. وقالت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الصينية ماو نينغ، إن تحرك خفر السواحل في المنطقة التي تسمى جزيرة هوانغ يان باللغة الصينية، كان ضرورياً لأنها أراض متأصلة للصين، ودعت الولايات المتحدة إلى الامتناع عن استخدام الفيليبين أداة لزعزعة الاستقرار في بحر الصين الجنوبي، وقالت إنه يتعين على الفيليبين أيضاً الكف عن كونها ألعوبة في يد الولايات المتحدة.

من جهته، حذر الرئيس الفيليبيني فرديناند ماركوس الابن، من خطر نشوب صراع مسلح بين البلدين، وقال على هامش القمة الخاصة بين “آسيان” (دول جنوب شرق آسيا) وأستراليا التي عقدت في ملبورن قبل أيام: “نحن نشعر بالقلق في الفيليبين، لأن الخطر قد لا يأتي من قرار استراتيجي من قبل أي شخص يقول: حسناً، نحن ذاهبون إلى الحرب، بل من جانب بعض الجنود الذين يرتكبون خطأ، أو من بعض الإجراءات التي أسيء فهمها”. وحث ماركوس الابن نظيره الصيني شي جين بينغ، على الإسراع في إنشاء خط ساخن للمساعدة في الحد من التوترات المتزايدة. وفي تعليقه على الحادث الأخير، استبعد الرئيس الفيليبيني تفعيل معاهدة الدفاع المشترك بين الولايات المتحدة وبلاده، وقال إن هذا ليس الوقت المناسب ولا السبب لتفعيل المعاهدة. ويلزم اتفاق 1951 واشنطن بالدفاع عن مانيلا في حالة وقوع هجوم مسلح.

جذور الصراع في بحر الصين الجنوبي

تعود جذور الصراع بين بكين ومانيلا إلى عام 1940 وذلك عندما ادعت الصين ملكيتها لسلسلة من الجزر والشعاب المرجانية في بحر الصين الجنوبي تعرف باسم سلسلتي باراسيل وسبراتلي. وتستمد هذه الجزر أهميتها من وجودها في منطقة تعتبر ثاني أكثر الممرات البحرية العالمية ازدحاماً بحركة سفن الشحن، إذ تمر عبرها 300 سفينة يومياً محملة ببضائع تتجاوز قيمتها السنوية 5.3 تريليونات دولار. كما يُعتقد أنها تحتوي على احتياطيات ضخمة من النفط والغاز الطبيعي تُقدر بنحو 30 مليار طن من النفط و16 تريليون متر مكعب من الغاز الطبيعي، بالإضافة إلى كمية هائلة من الثروات المعدنية والسمكية. وتقول بكين إن الصينيين القدماء هم الذين اكتشفوا بحر الصين الجنوبي في القرن الثاني قبل الميلاد، وتعتبر ذلك دليلاً تاريخياً يمنحها سيادة غير قابلة للجدل على نسبة 90 في المائة الجزر الواقعة في المنطقة. من جهتها، تدعي مانيلا سيادتها على السلسلتين، وتقول إن قربها الجغرافي لسلسلة سبراتلي سبب كاف لإثبات سيادتها، إذ تبعد 160 كيلومتراً عن الفيليبين، في حين أنها تبعد نحو 800 كيلومتر عن الصين. وفي عام 2016، أصدرت محكمة التحكيم الدائمة في لاهاي حكماً يقضي بعدم أحقية المطالب الصينية بالسيادة على جزر تطالب بها الفيليبين في بحر الصين الجنوبي، واعتبرت المحكمة أن بكين انتهكت حقوق مانيلا السيادية. غير أن الصين رفضت القرار في حينه، وقالت إنه يتعارض مع القانون الدولي ومع اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار.

خيارات الفيليبين

بالإضافة إلى الصين والفيليبين، هناك ثلاث دول أخرى تشاركهما النزاع على السيادة في المنطقة، هي: فيتنام، ماليزيا، وسلطنة بروناي. ومنذ عقدين، تعمل الصين و”آسيان” على مدونة قواعد السلوك لبحر الصين الجنوبي لكن التقدم كان بطيئاً، على الرغم من التزام جميع الأطراف بتسريع العملية.

وكان أول إعلان بشأن مدونة قواعد السلوك بين الصين ودول “آسيان” عام 2002، حين اتفق أطراف الصراع على هامش اجتماع للرابطة عقد في سنغافورة، على فض النزاعات عبر المفاوضات وإدارة الخلافات في إطار إقليمي وتعميق التعاون البحري والدفع قدماً بالمفاوضات، عبر فتح خط ساخن بين كبار المسؤولين من أجل حفظ السلام والاستقرار في المنطقة.

وصادق الاجتماع آنذاك على وثيقة حول إنشاء ثلاث لجان تقنية لمتابعة نتائج التطبيق التجريبي للمدونة، غير أن تطبيق ذلك كان بطيئاً جداً باعتراف الدول المصادقة على الاتفاق. لذلك اتجهت مانيلا خلال السنوات الأخيرة نحو صياغة اتفاق مصغر من قواعد السلوك مع دول جنوب شرق آسيا لتشكيل جبهة موحدة ضد الصين.

في تعليقه على هذه الخطوة، قال الباحث الصيني في العلاقات الدولية وانغ تشي بينغ، إن محاولة مانيلا إنشاء إطار أو مدونة سلوك منفصلة، محكوم عليها بالفشل لأنها تستثني الصين باعتبارها أكبر وأقوى المطالبين بالسيادة على الجزر المتنازع عليها. وأضاف أن الدول الأخرى لم ترحب بهذه الخطوة لأنها لا تريد أن تدخل في صدام مع الصين ولا تريد أن يؤثر ذلك على مصالحها التجارية والاقتصادية. ولفت إلى أنه على الرغم من الحديث بإيجابية عن التواصل بين الفيليبين وحلفائها بشأن صياغة مدونة سلوك منفصلة، فإن مانيلا تبقى ملتزمة بالاتفاقية الإقليمية باعتبارها وثيقة قانونية لإدارة النزاع، ووسيلة دبلوماسية لممارسة المزيد من الضغط على بكين. وأشار وانغ إلى أن هناك نزعة عسكرية في الأوساط الفيليبينية بدأت تظهر أخيراً في الحديث عن النزاع مع الصين، واستدل على ذلك بتصريح جريء للرئيس ماركوس، قال فيه إن إحراز تقدم بطيء عبر الجهود الدبلوماسية لن يمنع بلاده من حماية سيادتها، وأن سيادة الفيليبين مقدسة ولن يتم التنازل عنها بأي شكل من الأشكال.

من جهته، قال الأستاذ في معهد الدراسات السياسية في جامعة جينان، شياو لونغ، إن مانيلا لا تعول على الاحتكام للقانون، بسبب سوء النتائج التي أفضى إليها قرار محكمة التحكيم الدولية في عام 2016، الذي تسبب في مزيد من الصدامات البحرية بين الجانبين، فضلاً عن عدم اعتراف بكين بشرعية الحكم. لذلك، رأى أن ذلك يدفع باتجاه تدويل الصراع على نطاق أوسع لإتاحة الفرصة، أمام دول لديها مشاكل مع الصين مثل الولايات المتحدة للدخول على خط المواجهة، وبالتالي تحويل منطقة بحر الصين الجنوبي إلى ميدان للتنافس المحموم بين أكبر قوتين في العالم بعيداً عن النزاع الإقليمي المحدود بين بكين وجيرانها.

خيارات الصين

في المقابل، رأى الأستاذ في معهد تسيونغ كوان للدراسات والأبحاث في هونغ كونغ، لي يانغ، أنه يجب ألا يتم تقديم النزاع القائم بين بكين ومانيلا في إطار تنافس وصراع دوليين بين الصين والولايات المتحدة، لأن ذلك يقلل من حق الفيليبين بالسيادة على جزرها في المنطقة. وأضاف أن ربط النزاع بهذا التنافس المحموم بين قوتين عظميين هو طرح صيني مقصود، بهدف إجهاض حقوق الدول الأخرى بالسيادة واعتبارها مجرد أدوات تنفيذية في يد الإدارة الأميركية. وعن الخيارات الصينية المتاحة بشأن الصراع، قال لي إن الصين دولة لا تقارن بجيرانها في القدرات العسكرية والاقتصادية، ولديها فائض في الميزان التجاري مع جميع الدول، وبالتالي تدرك بكين صعوبة المساس بمصالحها في المنطقة، لأن جميع دول “آسيان” لا تريد الدخول في صدام معها، والصين تعول في هذا الصراع على علاقاتها التجارية والاقتصادية الواسعة مع دول الجوار. وحتى في حال محاولة مانيلا إنشاء مدونة سلوك مستقلة لإدارة الصراع، سيكون لدى كل دولة تصورها الخاص، ما يعني أنه من الصعب التوصل إلى توافق بين الدول المتنازعة لتشكيل جبهة موحدة ضد بكين.

يشار إلى أن الصين تعتبر منذ 14 عاماً أكبر شريك تجاري ليس فقط للفيليبين وماليزيا وفيتنام ولكن أيضاً لجميع دول “آسيان”، إذ بلغ حجم التجارة الثنائية بين الصين والرابطة 975 مليار دولار في عام 2022.

 

 

About Post Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظة © 2020 مجلة السفير | Newsphere by AF themes.