طلبة فلسطينيون يعيشون ويلات حرب غزة في الصين

يقدّر عدد الفلسطينيين المغتربين في الصين بنحو 3 آلاف شخص، ينقسمون بين موظفين وتجار وطلاب. وكان الطلاب القادمين من غزة الأكثر تفاعلاً مع أحداث العدوان الإسرائيلي، خصوصاً مع انقطاع الاتصالات بعائلاتهم بالتزامن مع تتالي الأخبار عن قصف البيوت وتدمير الممتلكات، ومعرفتهم باستشهاد أهل وأقرباء وأصدقاء.
سراج عاشور، طالب دراسات عليا من غزة، سافر مع زوجته رانيا إلى الصين عام 2019 مستفيداً من منحة وفرتها وزارة التربية والتعليم الصينية لدراسة طب الأسنان في جامعة لانجو (شمال غرب)، وقد فقد عدداً من أقربائه في الحرب، ودمّر بيته بشكل جزئي، كما فقدت زوجته أفراداً من أسرتها. يقول: “نزحت عائلتي إلى الجنوب في الأيام الأولى. وحين كنت أتحدث معهم كنت أسمع أصوات القصف. فقدت الاتصال بالأهل بعد الأسبوع الأول، وحين كانت زوجتي تتابع الأخبار على مواقع التواصل الاجتماعي في أحد الأيام، فوجئت بصورة لبيت عائلتها مدمّراً، فكررت محاولات الاتصال للاطمئنان على أهلها، ثم تلقت رسالة لاحقاً أبلغتها بأن جميع أفراد أسرتها استشهدوا، وهم أبوها وأمها واثنان من أشقائها وزوجة أخيها وأولاده وجدتها وعمها وابن عمها وزوجته وأبنائه، ولم ينجُ إلا شقيقها الطبيب الذي كان عمله”.
يتابع عاشور: “فقدنا منذ تلك اللحظة الشعور بأي شيء، وأصبحنا مستعدين لتلقي صدمات إضافية تتالت فعلياً باستشهاد ابن عمي، وكل أفراد عائلة صديقي أحمد، وأقرباء وعدد كبير من الجيران. هذا شعور لا يوصف، فكيف يمكن تحمل كل هذه الأخبار المفجعة في الغربة، بينما لا تقوى على مواساة أهلك، في حين تحتاج أصلاً إلى من يواسيك”.
تعيش هيا أبو حرب، وهي طالبة دراسات عليا في جامعة بمدينة تشانغشا، تجربة أليمة كونها حديثة العهد في الصين والتحقت بالجامعة قبل خمسة أشهر فقط من اندلاع الحرب على غزة. تقول: “في اليوم الأول من الحرب شعرت بأنها لن تكون كسابقاتها، لذا استأذنت والديّ للعودة إلى غزة كي أكون معهما، لكنهما رفضا بشدة. وكان الاتصال في بادئ الأمر يسيراً، ثم بات صعباً مع مرور الأيام. أقضي ساعات طويلة أمام الكومبيوتر، أقرأ أسماء الشهداء وأشاهد صور الأحياء السكنية المدمرة، وما أن يتملكني النعاس حتى أصحو على كابوس، أرى نفسي تارة أحمل أشلاءً، وتارة أخرى أجري بين مواكب الشهداء، وحتى حين أسير في الطرقات تتحوّل كل الأصوات حولي إلى أصوات مدافع وغارات جوية”.

رسمة لابنة عم الطالبة هيا أبو حرب البالغة من العمر ست سنوات تحاكي واقع الحرب في غزة.

تتابع: “بت أخشى الذهاب إلى الجامعة، لا أريد أن يسألني أحد عن أهلي كي لا أنهار. وبسبب فارق التوقيت بين الصين وغزة (زائد 5 ساعات) أبقى مستيقظة حتى ساعات الفجر للاطمئنان إلى أن ليل الغزيين مضى على خير، لكنني أكون في اليوم التالي على موعد مع قلق جديد. الشعور الأكثر صعوبة حين أفقد الاتصال بعائلتي لأيام. أعيش في رعب لا يمكن وصفه، وأسأل هل حصدت أرواحهم آلة القتل الإسرائيلية؟ وهل سأسمع أصواتهم من جديد؟ فقدت الكثير من الأصدقاء والجيران، والضحايا الأطفال لا تفارقني صورهم. كلما أرى أطفالاً من حولي أتذكر صرخة الأم المكلومة: (الأولاد ماتوا بدون أن يأكلوا). يجعلني هذا أنقم على العالم الذي لا يرى معاناتنا، وعلى كيفية مواصلة الناس حياتهم بشكل اعتيادي، في حين أن عشرات الآلاف من أبناء شعبي تحت الركام”.
محمد وليد، طالب دراسات عليا ورئيس الاتحاد العام لطلاب فلسطين في الصين، وقد عايش عدة حروب سابقة على غزة، لكنه يؤكد أن هذا العدوان هو الأكثر دموية. يقول: “للمرة الأولى تنقطع الاتصالات بالكامل عن غزة بالتزامن مع قصف مجنون لمناطق مأهولة بالسكان من دون سابق إنذار. وهذه العوامل فاقمت حال التوتر والقلق بالنسبة لنا في الخارج، وأصعب شيء أن يفقد طالب مغترب أشخاصاً من أهله أو أقاربه”.

يضيف وليد: “يجعلني القلق غير قادر على التركيز سواء في الدراسة أو الحياة اليومية. معاناة المغترب تفوق الوصف، فحياتنا شبه متوقفة منذ بداية الحرب، ونعاني من اضطرابات في النوم وقلق على مدار الساعة. ونتمنى في أوقات كثيرة أن نكون مع أهلنا تحت القصف، فهذا أهون علينا من الجلوس ساعات طويلة أمام شاشات التلفزيون في انتظار ما يطمئننا أو يقتلنا”.
وعن دوره كرئيس لاتحاد طلاب فلسطين في الصين، يقول: “أتلقى يومياً عشرات الاتصالات من طلاب تقطعت بهم السبل، وأصبحوا في معاناة مادية صعبة نظراً إلى اعتمادهم على الأموال التي كان أهلهم يرسلونها لهم، وقد نجح الاتحاد في تنفيذ حملة لإغاثة الطلاب الذين يدرسون على حسابهم الشخصي”. بعد مقابلتنا معه، علم محمد وليد باستشهاد والدته وشقيقه في قصف استهدف منزلهم بغزة، وقد فقد سابقاً عائلة خالته وعدد من الجيران والأصدقاء.

نقلاً عن صحيفة العربي الجديد اللندنية – تقرير: علي أبو مريحيل

 

About Post Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظة © 2020 مجلة السفير | Newsphere by AF themes.