“طوفان الأقصى” وحسابات “حياد” الصين

علي أبو مريحيل – رئيس التحرير

 

دعت الصين إلى وقف فوري لإطلاق النار في أعقاب إطلاق المقاومة الفلسطينية عملية “طوفان الأقصى” ضد جيش الاحتلال الإسرائيلي. وقالت وزارة الخارجية الصينية، في بيان لها الأحد الماضي، إن “بكين تشعر بقلق عميق إزاء تصاعد التوتر والعنف بين الفلسطينيين والإسرائيليين”. وأضافت: “نحث جميع الأطراف المعنية على ممارسة الهدوء وضبط النفس، ووقف إطلاق النار على الفور لحماية السكان المدنيين ومنع المزيد من تدهور الوضع”.

وكان لافتاً في بيان وزارة الخارجية الصينية أنه لم يحمل أي إدانة للهجوم الذي شنته فصائل المقاومة الفلسطينية ضد المستوطنات الإسرائيلية في غلاف غزة. لكنه أشار إلى أن الجولة الأخيرة من الصراع تظهر بشكل كامل أن الركود طويل الأمد في عملية السلام غير مستدام. وأضافت الخارجية أن السبيل الأساسي للخروج من الصراع الفلسطيني الإسرائيلي يكمن في تنفيذ حل الدولتين، وإقامة دولة فلسطينية مستقلة، في إشارة إلى الاتفاق الإسرائيلي الفلسطيني الذي تم التوصل إليه في العام 1993 (أوسلو) والذي حدد الطريق نحو سلام دائم في المنطقة.

وقالت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الصينية ماو نينغ، في مؤتمر صحافي الاثنين الماضي، إن “الصين تعارض الأعمال التي تؤدي إلى تصعيد الصراعات وتقويض الاستقرار الإقليمي. ونأمل أن نرى في أسرع وقت وقفاً لإطلاق النار وتوقف الحرب واستعادة السلام”. وأضافت ماو نينغ أن “السبيل الوحيد للخروج من الصراع الفلسطيني الإسرائيلي هو استئناف محادثات السلام، وتنفيذ حل الدولتين، والدفع نحو تسوية شاملة وملائمة للقضية الفلسطينية من خلال الوسائل السياسية في أقرب وقت ممكن، ومعالجة المخاوف المشروعة لجميع الأطراف”.

بيان الخارجية الصينية، الأحد الماضي، لم يعجب الجانب الإسرائيلي الذي اعتبره تحيزاً للطرف الفلسطيني. ففي العاصمة بكين، قال نائب رئيس البعثة الإسرائيلية في السفارة لدى الصين يوفال واكس إن “الرد الذي طال انتظاره من الصين لم يكن قوياً بما فيه الكفاية”. وأضاف واكس: “عندما يُقتل الناس ويُذبحون في الشوارع، فهذا ليس الوقت المناسب للدعوة إلى حل الدولتين”. وتابع: “نعتقد أن الصين، باعتبارها قوة عظمى في هذا العالم، والتي تتطلع العديد من الدول إلى رؤية رد فعلها إزاء التطورات الأخيرة، كان ينبغي عليها أن تتخذ موقفاً أقوى”.

ولكن ما يعكس بوضوح موقف الصين إزاء القضية الفلسطينية، إعادة وسائل إعلام صينية رسمية نشر تصريح سابق لنائب سفير الصين لدى الأمم المتحدة قنغ شوانغ، في خطاب ألقاه في الأمم المتحدة في 27 سبتمبر/أيلول الماضي، قال فيه إن “التوسع المستمر للمستوطنات الإسرائيلية يعد تعدياً على الأراضي والموارد الفلسطينية، ويضغط على السكان الفلسطينيين”. وأضاف المسؤول الصيني، في نص الخطاب الذي نشر بعد ساعات فقط من هجمات السبت الماضي، أن “القضية الفلسطينية يجب أن تحظى بأولوية أعلى”. كما أكد موقف بلاده الداعم لإقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.

تسويق مبادرات الصين

أفردت وسائل إعلام رسمية صينية مساحة كبيرة للحديث عن مسببات التصعيد الأخير بين الفلسطينيين والإسرائيليين، مع التركيز على انسداد أفق السلام في ظل الرعاية الأميركية المنحازة لإسرائيل، والحاجة إلى بدائل عملية ناجعة لإحلال الأمن والسلام في المنطقة، في إشارة إلى مبادرات السلام الصينية. وفي افتتاحيتها يوم الأحد الماضي، وتحت عنوان: “لتجنب حرب جديدة في الشرق الأوسط، لا يمكن تأجيل المسألة الإسرائيلية الفلسطينية”، ذكرت صحيفة “غلوبال تايمز” الحكومية أن “جهود السلام الدولية ليست قوية بالقدر الكافي في مواجهة الصراع الإسرائيلي الفلسطيني. وهذه حقيقة لا مفر منها، وتتطلب جهداً جماعياً أقوى من جانب المجتمع الدولي لتغييرها”. ولفتت إلى أن الصين، ولسنوات عديدة، دعت المجتمع الدولي مراراً وتكراراً إلى إعطاء الأولوية للقضية الفلسطينية في المحافل الدولية.

وشددت على الحاجة إلى دفع “حل الدولتين” إلى الأمام. وحملت الصحيفة الولايات المتحدة بشكل مباشر المسؤولية عن تدهور الأوضاع، معتبرة أنه كثيراً ما كانت الصراعات التاريخية في الشرق الأوسط تنطوي على تدخلات الولايات المتحدة غير المتوازنة. وأشارت إلى أن الانحياز إلى أحد الجانبين لم يساعد في حل المشكلة فحسب، بل إنه صب الزيت على النار أيضاً. ولفتت إلى أن السلام في الشرق الأوسط ليس بأي حال من الأحوال طريقاً بلا مستقبل، والمفتاح هو البدء في السير على الطريق الصحيح، بدلاً من اتخاذ الطريق الخطأ، أو حتى العودة إلى الوراء. وفي ختام افتتاحيتها، نوهت الصحيفة إلى أن الصين دعمت دائماً عقد مؤتمر سلام دولي أوسع نطاقاً وأكثر موثوقية وتأثيراً، لتهيئة الظروف الملائمة لاستئناف المفاوضات. وعقبت بأن هذا الاقتراح أصبح الآن أكثر ضرورة وإلحاحاً.

الصين “وسيط موثوق”

في تعليقه على التطورات الأخيرة، قال أستاذ الدراسات السياسية في معهد “قوانغ دونغ”، لين تشين، إنه لطالما تجنبت بكين الانحياز إلى أي طرف في الصراعات الدائرة في الشرق الأوسط، وخاصة القضية الفلسطينية، وإن كانت تاريخياً منحازة للقضية الفلسطينية في ستينيات القرن الماضي بسبب دعمها لحركات التحرر الوطني. وأشار إلى أن الصين تعتبر نفسها اليوم صديقاً لجميع الأطراف، بما في ذلك فلسطين وإسرائيل، وكذلك السعودية وإيران.

وقال: تكللت جهودها بتطبيع العلاقات بين طهران والرياض، وهي تسعى الآن لتكرار المحاولة فيما يتعلق بالصراع الفلسطيني الإسرائيلي باعتبارها وسيطاً موثوقاً، على خلاف الولايات المتحدة التي تنطلق في تدخلاتها من مصالحها الخاصة. ولفت الأكاديمي الصيني إلى أن اتفاق السلام بين فلسطين وإسرائيل يقع في قلب استراتيجية الصين الخاصة بالشرق الأوسط، وأن بكين لن تدخر جهداً في سبيل إحلال الأمن وتحقيق السلام.

من جهته، اعتبر الباحث في الشؤون الدولية بمركز كانتون للدراسات الاستراتيجية لو يانغ، أن التصعيد الأخير مرتبط بشكل مباشر بمخاوف فصائل المقاومة الفلسطينية من تهميش القضية الفلسطينية، في ظل الحديث عن مساع أميركية لدفع السعودية إلى تطبيع علاقاتها مع إسرائيل، الأمر الذي من شأنه أن يفتح الباب أمام دول عربية أخرى للدخول في قطار التطبيع.

خطأ أميركا بفرض السلام على الفلسطينيين

وقال إن ذلك يشير إلى خطأ التقديرات والإستراتيجية الأميركية في فرض السلام على الفلسطينيين دون حل عادل لقضيتهم. وتابع: أمام هذه المعطيات، تبرز الحاجة إلى ضرورة إعادة النظر في مبادرات السلام التي قدمتها الصين لحل الصراع في الشرق الأوسط. واعتبر أنه ما لم يحدث ذلك فإن الصدام العسكري بين الجانبين أمر لا مفر منه. ولفت إلى أن فصائل المقاومة الفلسطينية قد تقدم على خطوات مماثلة في الأيام القادمة، وقد تمتد الشرارة إلى الضفة الغربية، وعندئذ لن تكون هناك أي فرص لاستئناف المفاوضات والعودة إلى طاولة الحوار، على الأقل على المدى القصير.

وكانت الصين قد قدمت عدة مبادرات لحل الصراع بصورة سلمية بين الفلسطينيين والإسرائيليين، تتمحور جميعها حول ضرورة إقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود عام 1967. وعلى الرغم من حماسة بكين لإحلال السلام في المنطقة، فقد أقر مراقبون بصعوبة ذلك، نظراً لعدم ربط هذه المبادرات بأي جهد دبلوماسي مع الأطراف ذات الصلة، خاصة “الرباعية الدولية”، وفي مقدمتها الولايات المتحدة.

About Post Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظة © 2020 مجلة السفير | Newsphere by AF themes.