عزت شحرور وجيانغ زيمين ولعبة الأقدار

علي أبو مريحيل

شعرت بمرارة كبيرة حين قرأت اليوم نبأ وفاة الرئيس الصيني السابق جيانغ زيمين، عن عمر 96 عاماً، لأسباب لا علاقة لها بمآثر الرئيس وهي كثيرة، بل لأني تذكرت حديثاً أسرّه لي مدير مكتب الجزيرة الدكتور عزت شحرور، حين كنت أعمل معه في العاصمة بكين قبل عام من رحيله (توفي الدكتور عام 2017). سألني في تلك الجلسة إن كنت قد أنجزت مادة طلبها مني في وقت سابق (خطة سنوية لتغطية المكتب الإعلامية) ، قلت: ليس بعد، فعلق ممازحاً، لا تؤجل عمل اليوم إلى الغد إلا إذا كنت تضمن أنك تعيش أبد الدهر، ثم اقترب مني هامساً: هل تعلم أني أعددت مادة بروفايل (تقرير مصوّر مدته 2:15 دقيقة) عن وفاة الرئيس الصيني جيانغ زيمين، (كان الرئيس السابق آنذاك طريح الفراش بعد أن اشتد عليه المرض)، فقلت: وماذا لو لم يمت خلال هذه الفترة؟ رد قائلاً: أعددته بحيث يمكن نشره حتى لو توفي بعد خمس سنوات.

صدقت نبوءة الدكتور عزت، وتوفي الرئيس جيانغ زيمين بعد خمس سنوات تماماً، لكن القدر لم يمهله الوقت ليشاهد تقريره يعرض على شاشة الجزيرة، لأنه نفسه تحول إلى خبر عاجل كتبه من كان يستمع إليه في تلك الجلسة بشغف الصحفي وحماسة طالب العلم.

أما اليوم ونحن على أعتاب الذكرى الخامسة على رحيله التي توافق الثالث والعشرين من ديسمبر، أهدي روحه النقية هذه الكلمات: تمرّ السنون كأنك ما رحلت، لا يزال صدى صوتك ناقوسا، ورائحة عطرك تستبد في المكان. لا جديد سوى أننا ما عدنا نتدحرج كأحجار شطرنج أمام مدّ ثقافتك على مفترق حوار أنت سيّده! لكننا بتنا خفافا بلا وزن أو قافية في فضاء بعيد عن جاذبية حديثك وأناقة حضورك. مازال سكان بكين يهرولون صباحاً إلى أعمالهم، كأن الشمس لم تغب. ولم يزل سور الصين العظيم يتلوى كأفعى، لم ينتصب حداداً على رحيلك. ومازال حارس الحي الدبلوماسي مغروساً كغصن في مكانه، لم يتدلَ للثم ظلالك!  أما “تانج” نادلة المكتب، فقد خفّ حمل يدها كأسا من الشاي الأخضر، دون أن تدري أننا تجرعناه علقما .. هكذا تستبد الحياة، تشرّع أبوابها أمامك كأنك سيّدها، وفي لحظة تُطوى عليك الأرض بما حملت كأنك لم تكن!

 

About Post Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظة © 2020 مجلة السفير | Newsphere by AF themes.