عن إرجاء الانتخابات الفلسطينية

علي أبو مريحيل ـ رئيس التحرير

 

انتظرت الأوساط الفلسطينية خلال الفترة الماضية أن يصدر الرئيس الفلسطيني محمود عباس، مرسوماً يحدد فيه موعد تنظيم انتخابات تشريعية ورئاسية، وذلك حسب التوافقات التي تم التفاهم بشأنها بين حركتي حماس وفتح في اسطنبول منذ نحو شهرين.

وكان من المقرر إجراء انتخابات في كل من القدس والضفة الغربية وغزة، تبدأ بانتخابات المجلس التشريعي، ثم انتخابات الرئاسة، يعقبها انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني، على أن يتم الشروع في تنظيم هذه الإجراءات المتعاقبة بعد ثلاثة أشهر من إعلان المرسوم الرئاسي، وفي فترة زمنية لا تتجاوز ستين يومياً.

وكان من المقرر أن يعقد أمناء الفصائل الفلسطينية اجتماعاً في الثالث من أكتوبر الماضي للمصادقة على هذه الخطوات. وذهب بعض المحللين إلى الحديث عن شكل الإنتخابات التشريعية وسبل ضمان تجنب انقسام جديد، وذلك عبر توفير قوائم مشتركة تضمن تحقيق التوافق، وعدم انفراد فصيل فلسطيني بمقاعد المجلس، على غرار ما حدث في الانتخابات التشريعية الأخيرة التي جرت قبل 14 عاماً.

أشاعت تلك الأجواء حالة من التفاؤل في الشارع الفلسطيني المتعطش لإنهاء الانقسام وتحقيق المصالحة والوحدة الوطنية من أجل التفرغ لمجابهة المخططات الرامية إلى تصفية القضية الفلسطينية، وذلك في ظل ما تشهده المنطقة من تطورات سياسية متسارعة، خصوصاً فيما يتعلق بمسار التطبيع العربي الإسرائيلي والذي شهد مؤخراً توقيع اتفاقيات سلام بين كل من الإمارات والبحرين والسودان مع إسرائيل.

بل أكثر من ذلك، بدأ نشطاء فلسطينيون يتحدثون عن تحرر القيادة الفلسطينية من هيمنة بعض الأنظمة العربية على الملف الفلسطيني، خصوصاً فيما يتعلق بالمصالحة الوطنية، وذلك نظراً لانعقاد المحادثات الأخيرة بين حركتي حماس وفتح في أسطنبول، على خلاف المباحثات واللقاءات السابقة.

كما تحدث البعض عن فصل جديد من الدبلوماسية الفلسطينية في التعامل مع الجوار العربي، بعد أن عجزت جامعة الدول العربية من إصدار بيان يدين اتفاقات التطبيع الأخيرة، ورفض القيادة الفلسطينية استلام رئاستها الدورية للجامعة احتجاجاً على ذلك.

ولكن، للأسف حالة التفاؤل النادرة في الشارع الفلسطيني لم تدم طويلاً، فلم يتم إصدار مرسوم رئاسي، ولم يلتق أمناء الفصائل الفلسطينية، ولم يتم تحديد موعد للانتخابات، وذهبت تصريحات المسؤولين الفلسطينيين حول التوافق أدراج الرياح، لتلحق بما جف من أقلام، وما رفع من صحف.

مؤخراً تحدثت تقارير غربية عن غضب مصري من توجه الفصائل الفلسطينية إلى تركيا، حيث تعتبر القاهرة أن نجاح اسطنبول في رعاية أو تحقيق المصالحة الوطنية، انتهاكاً لدورها الريادي في هذا الملف. وأشار تقرير بريطاني إلى أن مصر أبلغت القيادة الفلسطينية بغضبها من هذا الأمر، وبالتالي قد يكون تعثر الاتفاق بين الفصائل وعدم الإعلان عن موعد للانتخابات، هو محاولة لامتصاص الغضب المصري، وإتاحة المجال لإجراء جولة جديدة من المحادثات برعاية مصرية.

وما يجعل هذه الفرضية واقعية، أن اجتماع الفصائل في اسطنبول جاء بطلب رسمي من محمود عباس، الذي كان غاضباً من الترحيب المصري باتفاق التطبيع بين الإمارات وإسرائيل، وبالتالي كان يريد إيصال رسالة بتوجه السلطة نحو إعادة صياغة العلاقات مع الجوار احتجاجاً على التقارب العربي الإسرائيلي.

غير أن غضب السلطة سرعان ما خفت خلف تصريحات مسؤولين فلسطينيين متزامنة حول أهمية الدور المصري في رعاية ملف المصالحة، والتأكيد على حرص جميع الفصائل الفلسطينية على استمرار الدعم والوجود المصري في هذا الملف، وقد أبدى هؤلاء تفهماً عميقاً لحسابات مصر السياسية وحساسية العلاقة التي تربطها بتركيا.

ما تقدم، لا يقدم جديداً على الموقف الفلسطيني الذي لايزال يراوح في مكانه منذ عقود. ولا أدري حقيقة، إلى أي حد سيستمر الرهان على مزاج وأجندات الآخرين الذين يتعاملون مع القضية الفلسطينية كورقة سياسية لتصفية حسابات خاصة. وإلى متى ستستمر مسيرة اللهث خلف وهم المفاوضات وسراب الجوار العربي، ومتى سينتهي مسلسل المحادثات الممل والمقيت بين الفصائل المتنازعة التي لم تعد ترى في فلسطين سوى ظلها فوق بساط أحمر.

 

About Post Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظة © 2020 مجلة السفير | Newsphere by AF themes.