عن التشفي الصيني وتآكل الديمقراطية الأمريكية

علي أبو مريحيل – رئيس التحرير

 

لم تفوت بكين فرصة التعليق على الفوضى التي أحدثها اقتحام أنصار ترامب مبنى الكونغرس أثناء انعقاد جلسة مشتركة لمجلسي النواب والشيوخ للتصديق على فوز جو بايدن بالانتخابات الرئاسية. خصوصاً وأن هذا المشهد، أعاد ذاكرة الصينيين إلى الوراء قليلاً، حين قام محتجون مؤيدون للديمقراطية في هونغ كونغ عام 2019، باقتحام مبنى المجلس التشريعي والعبث داخل أروقته.

فقد أعربت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الصينية خوا تشون ينغ، عن أملها في عودة الهدوء والاستقرار إلى الولايات المتحدة، لكن لهجتها لم تخلُ من الشماتة والتشفي حين أجرت مقاربة بين المشهدين تحدثت فيها عن المعايير المزدوجة عند النخب الأمريكية، وأشارت إلى أن السلطات الصينية مارست آنذاك أقصى درجات ضبط النفس مما حال دون وقوع ضحايا بين المحتجين، على خلاف قوات الشرطة الأمريكية التي تسببت في مقتل أربعة أفراد.

واستحضرت المسؤولة الصينية، موقف رئيسة مجلس النواب الأمريكي نانسي بيلوسي، التي كانت قد أشادت  بأفعال المحتجين في هونغ كونغ ووصفتها بأنها “مشهد جميل”، بينما أدانت على الجانب الآخر أعمال العنف في واشنطن واصفة ذلك بالبلطجة والأفعال الهمجية. وقالت خوا تشون ينغ، إن على الولايات المتحدة أن تفكر في سبب تبنيها مواقف مختلفة بشأن الحدثين، مشيرة إلى أن هناك حاجة ملحة إلى التفكير بجدية في هذا الأمر، والقيام بمراجعة ذاتية.

ديمقراطية عفنة

 في وسائل الإعلام الصينية، أفردت صحف رسمية ناطقة باسم الحزب الشيوعي، مساحة كبيرة للحديث عن تآكل الديمقراطية الأمريكية، وبرزت عناوين وعبارات مثل: الإصلاح الداخلي، العفن الديمقراطي، انهيار النظام السياسي الأمريكي، ازدواجية المعايير، والنفاق السياسي، وغيرها من الأوصاف التي تحتفي جميعها بتهشم صورة الولايات المتحدة كدولة عظمى تدافع عن القيم الديمقراطية في العالم.

تحت عنوان “غوغائية الكابيتول تمثل انهياراً داخلياً للنظام السياسي الأمريكي” قالت صحيفة جلوبال تايمز الحكومية في افتتاحيتها، إن الغوغائية غير المسبوقة التي شهدها مبنى الكونغرس بما يحمله من رمزية، هي نتيجة انقسام حاد في المجتمع الأمريكي. وأضافت بأنه يجب على النخب الأمريكية مواجهة عيوب بلادهم والتوقف عن التستر على مشاكلهم الداخلية بالصراعات المتطرفة. ولفتت إلى أن ذلك يستدعي الأخذ بزمام المبادرة من أجل تنفيذ إصلاحات حقيقية، بدلاً من تسويق شعارات فارغة من مضونها لخداع الناخبين.

وشددت الصحيفة على أن الإصلاح الذاتي ليس مجرد مسألة تتعلق بالبلدان النامية. مشيرة إلى أن الولايات المتحدة والغرب بحاجة إلى أن يكونا مغامرين ومتطلعين إلى الداخل مثل البلدان النامية، لأن تطور المجتمع البشري يتطلب من جميع البلدان أن تكون متواضعة وأن تتعلم من نقاط القوة لدى بعضها البعض.

أما صحيفة تشيانا ديلي، فقالت إن رفض ترامب الاعتراف بالهزيمة، لاقى صدى كبيراً لدى شريحة واسعة من مؤيديه، مما جعل العديد من أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريين يتبنون روايته عن تزوير الانتخابات، حتى وإن كان ذلك يخالف دستور البلاد. ولفتت الصحيفة إلى أنه لا يمكن اعتبار حادث اقتحام الكونغرس مجرد مهزلة أثارها ترامب بتأثيره الشخصي على مناصريه، كما لا يمكن التنبؤ بأن الفوضى التي سببتها الانتخابات ستنتهي في غضون أسبوعين بعد تنصيب جو بايدن، مشيرة إلى أن الآثار بعيدة المدى لهذا الانقسام والتدهور قد لا يمكن السيطرة عليها في المستقبل المنظور، بل أكثر من ذلك ستشكل تحدياً للإدارة القادمة، وستضعف قوتها التحفيزية.

سلطة مركزية

حظيت الأحداث الأخيرة في واشنطن بمتابعة كبيرة أيضاً على وسائل التواصل الاجتماعي الصينية، وحققت حسب مراقبين ما لا يقل عن ستمئة مليون مشاهدة على منصة ويبو المعادل الصيني لموقع تويتر، حيث عمت موجة واسعة من الاستهزاء والتشفي والسخرية.

وتمحورت جميع التعليقات حول المقارنة بين أحداث الكابيتول والاحتجاجات المناهضة للحكومة في هونغ كونغ، وتداول مغردون صينيون صورة لأحد مناصري ترامب وهو يجلس على مكتب نناسي بيلوسي، وتساءلوا إذا كانت رئيسة مجلس النواب تستمتع الآن بهذا المنظر، في إشارة إلى تعليقها على احتجاجات هونغ كونغ بأنها مشهد جميل.

كما سخر نشطاء في البر الرئيسي الصيني، من حظر فيس بوك وتويتر وانستغرام، حسابات دونالد ترامب، بسبب منشورات وصفت بالمحرضة على العنف. وقالوا يبدو أن الولايات المتحدة لا تتمتع بالقدر الكافي من حرية الرأي التعبير. علماً أن هذه المواقع والتطبيقات محظورة في الصين.

واعترف عدد كبير من مستخدمي الإنترنت في البلاد، بأن الأحداث التي تشهدها الولايات المتحدة بمثابة انتقام وعقاب إلهي، بسبب الفوضى التي تثيرها واشنطن في العالم من خلال تدخلاتها غير المحدودة في شؤون الدول الأخرى بذريعة الدفاع عن الحرية والديمقراطية. واندفع بعضهم إلى صفحة السفارة الأمريكية لدى بكين، وتساءلوا بتهكم عن سبب التزامها الصمت حيال ما يحدث في الولايات المتحدة، متسائلين: لماذا لا تتحدثون بصوت عال عن الديمقراطية والقيم الأمريكية.

وربما كان السلوك الأكثر طرافة، قيام شاب بعرض المنبر الخاص برئيسة مجلس النواب الأمريكي نانسي بيلوسي والذي كان قد سرق من الكونغرس، للبيع على موقع تاو باو، بمبلغ عشرة آلاف يوان، قبل أن يتم حذف الإعلان في وقت لاحق.

أما ما يمكن أن نختم به، فهو تعليق لصديق صيني يعمل باحثاً في الشؤون الدولية، قال لي في أعقاب أحداث الكابيتول: آن الأوان لأن تتعلم الدولة الغربية قيم الديمقراطية الإشتراكية من الصين (سلطة مركزية تعمل لصالح الشعب). ودون أن يمهلني فرصة التعقيب، أضاف: الديمقراطية ليست أثاثاً أو ديكوراً، ولكنها وسيلة لحل المشكلات.

About Post Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظة © 2020 مجلة السفير | Newsphere by AF themes.