خطر ديمغرافي يحدق بالصين

علي أبو مريحيل – رئيس التحرير

 

ليست التوترات مع الولايات المتحدة أو الاضطرابات في مضيق تايوان وبحر جنوب الصين، أو حتى النزاع الحدودي مع الهند، ما يشغل صناع القرار في العاصمة بكين، وإنما خطر أكثر فتكاً من كل ما سبق، يتمثل في انخفاض أعداد المواليد الجدد في البلاد إلى مستويات غير مسبوقة، الأمر الذي من شأنه أن يؤدي إلى كارثة وطنية حقيقية.

فحسب دراسة حكومية حديثة، شهد عدد المواليد الجدد انخفاضاً حاداً خلال العام الماضي بنسبة 15 في المئة مقارنة بالعام السابق، وهو ثالث انخفاض متتال منذ عام 2018. ورجحت الدراسة أن يكون العدد الإجمالي للمواليد الجدد في عام 2020 أقل بكثير من 14 مليوناً، مقارنة بالمتوسط ​​السنوي البالغ 16 مليوناً. وتوقعت أن ينخفض ​​متوسط ​​المواليد السنوي للعقد الحالي إلى أقل من 12 مليوناً، وهو ما يعادل نصف متوسط فترة ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي.

وكانت السلطات الصينية قد استشعرت الخطر مبكراً ، فخففت في أواخر عام 2015 من سياسة الطفل الواحد التي استمرت لأكثر من ثلاثة عقود، وسمحت لجميع الأزواج بإنجاب طفلين. وبالرغم من ارتفاع عدد المواليد في العام التالي، فإنه انخفض بشكل حاد منذ ذلك الحين حتى الآن. ففي عام 2019  انخفض عدد المواليد لكل ألف شخص إلى 10.48 ، وهو أدنى مستوى على مستوى البلاد منذ عام 1952.

ووفقاً لتقديرات حكومية، يتوقع أن ينخفض ​​عدد سكان الصين إلى أقل من ثمانمئة مليون نسمة بحلول عام ألفين ومئة. كما يتوقع أن يصل عدد الذين تزيد أعمارهم عن 65 عاماً إلى ثلاثمئة مليون بحلول عام 2025 ، وهو ما يمثل حوالي عشرين في المئة من إجمالي عدد السكان. في الوقت نفسه، استمرت القوى العاملة في البلاد، التي تتراوح أعمارها بين 16 و 59 عاماً  في الانكماش للعام الثامن على التوالي إلى 896 مليوناً، ومن المتوقع أن تنخفض إلى 830 مليوناً بحلول عام 2030.

الأرقام أعلاه تشير إلى مدى سرعة دوران عجلة الشيخوخة في البلاد، في وقت تتراجع فيه أعداد القوة العاملة إلى معدلات غير مسبوقة، الأمر الذي استدعى إطلاق تحذيرات على مستوى الحكومات المحلية تنبه من خطورة المرحلة المقبلة، وتؤكد على ضرورة اتخاذ الإجراءات اللازمة قبل فوات الأوان.

ناقوس الخطر

لعل النداء الأحدث، بيان نشر على موقع لجنة الصحة الوطنية في شهر فبراير الماضي، يحث الحكومة المركزية على تخفيف جميع سياسات تحديد النسل في  ثلاث مقاطعات تشهد أدنى معدل مواليد، وهي مقاطعات لياونينغ، وجيلين، وهيلونغ جيانغ.

وتضمن البيان اقتراحات لتنفيذ دراسات اجتماعية واقتصادية مكثفة حول إزالة موانع الحمل والتوصل إلى مخططات تجريبية لمعالجة المخاوف الديموغرافية، بالإضافة إلى تحفيز النساء اللواتي تتراوح أعمارهن بين 21 و 29 عاماً على الولادة وتقديم مزايا متعددة للأزواج.

وتعتبر المقاطعات الثلاث الواقعة في الشمال الشرقي من البلاد، صاحبة أدنى معدلات ولادة في الصين، فخلال العام الماضي بلغت معدلات المواليد الجدد فيها 6.5 بالألف، مقارنة بالمعدل الوطني البالغ 10.5 بالألف.

وكان البيان قد أثار تكهنات برغبة بكين في اتخاذ مزيد من الإجراءات لتخفيف القيود على النسل ليس فقط في المقاطعات الثلاث ولكن أيضاً على مستوى البلاد.  غير أن اللجنة الوطنية للصحة أصدرت في أعقاب ذلك بياناً آخر قللت فيه من شأن أي احتمال لتغيير السياسات الحالية، وأشارت إلى أن الاقتراح يستحق الدراسة فقط.

جيل بلا جذور

من غير الواضح حتى الآن، ما إذا كانت الحكومة المركزية ستقدم على خطوات جديدة في هذا الاتجاه، على اعتبار أن أي تعديل في السياسات الحالية من شأنه أن يؤدي إلى تغييرات في مجالات أخرى حيوية مثل التعليم والرعاية الطبية والخدمات العامة. غير أن محللين صينيين يعتقدون بأنه حتى لو قررت بكين إلغاء جميع وسائل تحديد النسل الآن، فإن ذلك سيكون متأخراً للغاية ولن يعالج المشكلة. فبعد عقود من اتباع سياسة الطفل الواحد، فقد الأزواج الصينيون الرغبة في الإنجاب، ليس فقط بسسبب العوامل الاقتصادية بل هناك أسباب ثقافية لها علاقة بنمط وأسلوب الحياة. فالطفل الواحد الذي ولد لعامل مهاجر لن يكرر تجربة أبيه، ولن يقبل أن يكون مجرد أداة تعمل لإعالة أسرة لا يعيش معها، لذلك برزت ظاهرة العزوف عن الإنجاب وبدأت تتغلل داخل المجتمع الصيني. فحسب بيانات رسمية ترواح معدل العقم في البلاد خلال العقد الأخير ما بين 12 و15 في المئة. ما تقدم يشير إلى أننا أمام جيل بلا جذور، وأن الصين تتجه نحو أزمة ديمغرافية حقيقية، تسببت فيها استراتيجية التنمية التي اعتمدت خلال العقود الماضية على العمالة المهاجرة الرخيصة لتشغيل عمليات التصنيع والبناء، دون أن تأخذ في عين الاعتبار بأن التنين قد يشيخ ويمرض ويموت، وقد لا ينفث ناراً بعد حين.

About Post Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظة © 2020 مجلة السفير | Newsphere by AF themes.