عن الموهبة والتدريب الأكاديمي

ميسي يحسم الجدل حيال منافسة تاريخية مع غريمه التقليدي

 

علي أبو مريحيل

 

دعونا نتفق أولاً، بأن النجم الأرجنتيني ليونيل ميسي، لم يكن في حاجة إلى التتويج بالكرة الذهبية السابعة ليحسم منافسة تاريخية مع غريمه التقليدي كريستيانو رونالدو استمرت 15 عاماً. لاشك في أن المنافسة المتزامنة بين النجميين المتوّجين معاً باثنتي عشرة كرة ذهبية، هي الأشهر والأطول في تاريخ كرة القدم، على اعتبار أن المنافسة بين بيليه ومارادونا كانت في حقبتين مختلفتين لكل منها ظروفها الخاصة.

ولكن ليس خافياً أيضاً بأن الإعلام لعب دوراً كبيراً في خلق وتأجيج هذه المنافسة لدوافع تسويقيه، بالرغم من فارق الموهبة والمهارة الفردية بين أسلوبين في اللعب مختلفين تماماً، لا يجمعهما سوى شغف الفوز بالألقاب الفردية والجماعية. فليونيل ميسي لاعب موهوب بالفطرة، لديه القدرة على اختراق دفاعات الخصوم ببراعة وتلقائية تامة، بينما يعتبر كريستيانو رونالدو نتاج تدريب أكاديمي وصقل لحس تهديفي تحول مع مرور الوقت إلى ماكينة أهداف قادرة على تحويل أنصاف الفرص إلى أهداف محققة.

ربما يوضح هذا الفارق، تصريح خورخي فالدانو نجم ريال مدريد السابق، بأن ميسي من عباقرة كرة القدم الذين لديهم القدرة على ابتكار حلول فردية غير تقليدية في المباريات، بينما كريستيانو رونالدو من طينة اللاعبين الجيدين أمثال كيليان مبابي، وإيرلينج هالاند. بالإضافة إلى فالدانو، تحدث العديد من نجوم كرة القدم العالميين عن تفضيلاتهم بين النجمين، وكان لافتاً بأن الآراء التي فضلت رونالدو على سبيل المثال، كانت نابعة من عاطفة خاصة وعلاقة شخصية بعيداً عن المنطق الكروي، بينما صدرت معظم الآراء التي فضلت ميسي، عن شخصيات تحدثت بناء على معطيات فنية لا علاقة لها بالمجاملات في عالم الرياضة.

ولتأكيد ذلك، نعطي بعض الأمثلة: العديد من النجوم الذين زاملوا كريستيانو رونالدو، غيّروا رأيهم به لمجرد انتقالهم إلى ناد آخر، مثل قائد ريال مدريد السابق سيرجيو راموس. وكذلك المدرب الإيطالي كارلو أنشيلوتي الذي  لم يكتف بإسقاط رونالدو من قائمة الأفضل، بل سخر من فكرة رجوعه إلى النادي الملكي في أثناء فترة الانتقالات الصيفية. قبل الغوص أعمق في أسلوب اللاعبين، علينا أن نحسم أولاً مسألة المعيار في تقييم الأداء، هل يكفي أن يكون اللاعب هدافاً ليصبح أسطورة؟ وهل كرة القدم مجرد أهداف؟ الإجابة دون أدنى شك: لا، دييغو مارادونا على سبيل المثال، لم يكن هداف الدوريات التي لعب فيها، ولم يسجل لمنتخب بلاده خلال مسيرته الطويلة سوى 34 هدفاً، لكنه استطاع بفضل موهبته أن يحفر اسمه كواحد من أفضل من لمس كرة القدم، إن لم يكن أفضلهم.

وكذلك أيضاً الظاهرة البرازيلية رونالدو نازاريو، الذي لم يتوقف أحد عند أرقامه وسجله التهديفي، لأن ذلك يبدو مسألة هامشية أمام سطوة موهبته وطريقته المذهلة في تجاوز الخصوم ودك حصون المدافعين وإسقاطهم أرضاً واحداً تلو الآخر.  ولكن في المقابل شهدت فترة ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، بروز هدافين من طراز رفيع من بينهم: سكيلاتشي، وزامورانو، وباتستوتا، غير أنهم لم يصنفوا كأساطير، ولم يقارنوا بنجوم من الصف الأول أمثال: بيليه، ودي ستيفانو، ودييغو مارادونا.

يحيلنا ذلك إلى دور الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي في صناعة النجم ورفعه إلى مكانة لا يستحقها، تماماً كما حدث مع كريسيتيانو رونالدو الذي ساهمت وسامته ورشاقة جسمه في جعله أكثر الرياضيين متابعة على منصات التواصل الاجتماعي، وهو ميدان بعيد عن المستطيل الأخضر، فضلاً عن أن جلّ متابعيه لا تعنيهم كرة القدم بالضرورة (أظهرت أرقام نشرها موقع إم تي زد المتخصص بأخبار المشاهير أن 45 في المائة من متابعي صفحة كريستيانو رونالدو على الفيس بوك من الإناث، أي ما يعادل 67 مليوناً من أصل 150 مليون متابع).

ولكن قد يقول محب للنجم البرتغالي، بأنه تخطى قبل أيام حاجز الـ 800 هدف، وبالتالي فإننا نقلل من قيمته كلاعب حين ننسب الفضل في وصوله إلى هذه المكانة، لمجرد أنه شخص وسيم مفتول العضلات، لكني ببساطة أعتقد أن أي لاعب لديه حس تهديفي وقدرة على البقاء طوال 15 عاماً في منطقة جزاء الخصم، إلى جانب تجنيد 10 لاعبين من أجل إيصال الكرة إليه مع كل هجمة، ربما يسجل أكثر من ألف هدف. وجميعنا لاحظ كيف تحرّر المهاجم الفرنسي كريم بنزيما بعد خروج رونالدو من ريال مدريد، حيث أن دوره لم يكن سوى تمرير الكرة للنجم الأوحد في الفريق، وهو سلوك يصعب معه  بروز نجوم آخرين، لأن سطوة الشمس تطفئ كل الكواكب.

أين تكمن المتعة، حين يُسكن المهاجم كرة مرتدة على خط المرمى في الشباك، ولماذا تبالغ الصحافة في الإطراء على لاعب قد يغيب طيلة المباراة ويكون الأسوأ بين 22 لاعباً، قبل أن يسجّل هدفاً في الدقيقة الأخيرة من الوقت بدل الضائع، ببساطة لأنه كريستيانو رونالدو.

أما في الحديث عن المتعة، فيحضر هدف ميسي المارادوني في مرمى خيتافي، وأهداف أخرى مسجلة بنفس الماركة، تبدأ جميعها من خارج منطقة الجزاء وبعضها من منتصف الملعب، وتعتمد بصورة أساسية على تفكيك حصون الخصوم بمراوغات وحلول فردية تختصر كتباً وقواميس في معنى المتعة بعالم كرة القدم.

أخيراً قد يختزل المقال، فصل التصريحات الذي يأخذنا إلى علم النفس وتحليل الشخصية، ولا أصوب من الاستدلال على ذلك، بما كشفه قبل أيام اللاعب الإيطالي السابق أنطونيو كاسانو، من أن كريستيانو رونالدو بعث رسالة إليه يطالبه بالاحترام بعد تصريحه بأن ميسي أفضل منه. فكان رده بأنه عليك أن تأخذ الأمور ببساطة، وأن تهدأ بشأن ما يقوله الناس عنك.. يجب أن تكون أكثر استرخاء مثل ليونيل ميسي.

في المقابل، ظهر النجم الأرجنتيني أكثر تواضعاً حين قال في مقابلة صحفية أجرتها معه مجلة فرانس فوتبول في أعقاب فوزه بالكرة الذهبية السابعة، بأنه لا يعتبر نفسه الأفضل، لكنه سعيد في وضعه بهذه المكانة.

هذه المفارقة تختصر كل ما يمكن أن يقال عن المفاضلة بين نجمين، أحدهما يبدو مسترخياً تماماً لأنه ليس في حاجة لإثبات شيء لأحد، وآخر شديد الانفعال إلى حد التشكيك في كل تقييم لا يضعه في المقدمة.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

About Post Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظة © 2020 مجلة السفير | Newsphere by AF themes.