عن حوكمة الإنترنت وشيطنة الصين

د. عبد الله جودة

غريب أمر بعض مثقفي أمتنا العربية فهم يهاجمون الصين بمناسبة وبغير مناسبة، وذلك من خلال مقالات ولقاءات وبرامج تظُهر الصين بمظهر الدكتاتورية المقيتة، متناسين أن هذه القوة العظمى والتي تسير نحو القمة بخطوات ثابتة ومدروسة وغير آبهين بما تنادي به الصين وممثلوها في كل مكان من العالم من مبادئ وقيم جديدة تنطلق من احترام تنوع الثقافات الإنسانية والاجتماعية والحضارة التراكمية للبشرية جمعاء ،فمثلا مفاهيم الفوز المشترك والمنفعة المتبادلة وتبادل المعرفة والتنمية المستدامة في كافة نواحي الحياة العامة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول كلها مفاهيم” صنع في الصين”.

إلى من يهاجم برنامج تيك توك مدعيا أن الصين تسمح بنشر محتوى هابط وفاسد للعالم بينما تُشدد الخِناق على ما يُنشر داخل الصين، هل على الصين مسؤولية تجاه العالم أجمع إم تريد منها أن تفتح فضاءها لِيُستباح من غرب ينتحر ويتهاوى بوتيرة متسارعة في كافة نواحي الحياة العامة، ثقافة الشذوذ وثقافة الكلاب البشرية، عنصرية وجنون ترامب، فساد وفشل جونسون، ضعف و عنصرية كامرون، والقائمة تطول. يتهاوى الغرب في أفكاره وأفعاله وعلى كل عاقل أن يتحصن ضد هذا التسونامي المدمر، ما ينُشر في تيك توك الخارج ما تسمح به ديمقراطيتهم والحرية التي ينادي بها الغرب ،والممنوع داخليا في الصين ما يناسب ويتوافق مع هذه الثقافة التي تمتد إلى آلاف السنين.

يقودنا  هذا إلى محاولات عديدة لحوكمة الإنترنت والتي كانت أمريكا تقف سدا منيعا رافضة ذلك بوضوح إلى حين القضية الأشهر قضية الوثائق السرية المسربة للمخابرات الأميركية. تعد المشاركة في حوكمة الإنترنت أمرا مهما حيث لا يوجد شخص واحد أو منظمة أو شركة أو حكومة تتحكم وحدها بالإنترنت. ويتشكل تطور الإنترنت من قبل أصحاب المصلحة المتعددين من خلال المبادئ المشتركة وإجراءات عمليات صنع القرار. ونتج عن ذلك وضع معايير عالمية مثل تلك الموجودة لدى فريق عمل هندسة الإنترنت IETF بشأن معلمات البروتوكول أو عنوان IP في سجلات الإنترنت الإقليمية APNIC في منطقتنا أو سياسات اسم النطاق في ICANN.

لم تكن أميركا التي أنشئت على أرضها شبكة الإنترنت، توافق على فكرة الجلوس على طاولة المفاوضات مع الأطراف ذات المصلحة، للاتفاق على مستقبل إدارة الشبكة. ظلت الدعوات المتتالية تتلاحق، وتدعو إلى تغيير واقع الإدارة لتمثل فيها جميع الأطراف في ظل توجهات إقليمية سعت ونجحت في بناء شبكاتها الخاصة، فالصين سعت جاهدة إلى تصميم وبناء شبكتها الخاصة، وأوروبا هي الأخرى، هددت باللجوء إلى تأسيس شبكتها الأوروبية، وكل من روسيا والهند والبرازيل تطمح إلى دور محوري في إدارة الإنترنت. ولم يكن الصراع القائم بين دول العالم بشأن إدارة الإنترنت ودور أميركا المركزي في الإشراف على الشبكة وليد لحظة فضيحة التجسس الأميركي على شبكة الإنترنت. إذ ان دولا ومؤسسات عديدة، وحتى الأمم المتحدة ظلت طالبت الولايات المتحدة الأميركية، لفترة كبيرة من الزمن، بالتخلي عن سيطرتها الكاملة على إدارة الإنترنت، من خلال هيئة (الآيكان) (ICANN) التي تعتبر الجهة الضابطة للإنترنت، والمتخصصة في توزيع أسماء المجال ونطاقات الإنترنت. ويرى الناشطون المعنيون بحقوق الإنسان، أن حوكمة الإنترنت، من منظورهم، هي حرية التعبير وضمان الخصوصية، على الرغم من أن الأخير أصبح مفهوما لا وجود فعليا له في الواقع.

إن دولاً كثيرة لا تبحث عن إنترنت حرّ ومفتوح، بل تسعى إلى مزيد من الرقابة والتحكم في شبكة الإنترنت عبر ممارساتٍ، لا تنسجم مع أبسط المعايير الإنسانية لحقوق الإنسان، في حرية الرأي والتعبير. وهو ما دفع المشرّعين الأميركيين إلى التقدم بمشروع قانون، لإعاقة مسيرة انسحاب الولايات المتحدة عن دورها المركزي، في الإشراف على شبكة الإنترنت.أشارت إدارة الشؤون الاقتصادية والاجتماعية (DESA) إلى أن الافتقار إلى “المساءلة على الإنترنت” قد سمح بانتشار خطاب الكراهية والتحريض والتطرف العنيف والمعلومات المضللة والترويح للشذوذ والانحلال الأخلاقي

قال السيد غوتيريش: “لا يمكننا مواجهة هذه التحديات إلا بشكل موحد، من خلال تعزيز التعاون. من خلال وضع قواعد واضحة لحماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية، واستعادة السيطرة على بياناتنا، ومكافحة المعلومات المضللة وخطاب الكراهية، وربط الجميع بالإنترنت بحلول عام 2030.” إن الأمن والسلامة العامة أحد أهم عوامل الاستقرار الاجتماعي والسياسي والاقتصادي للدول، فهو ضمن العوامل المهمة في تحقيق الازدهار الاقتصادي للبلدان، فغياب الأمن في الدول يعيدها لمصاف الدول التي تعاني من انتشار الفوضى، كما يعم فيها الخطر، وتفكك النسيج المجتمعي، الصين لا تدعي أنها سيدة العالم ولم تقم يوما بتصدير اشتراكاتها ذات الخصائص الصينية للعالم هناك من يسميها دكتاتورية وهم يقولون اشتراكية ذات الخصائص الصينية.إذا كانت الدكتاتورية تجلب لشعبها الأمن والأمان والازدهار الاقتصادي والاجتماعي والسياسي فأهلا وسهلا بالجميع الدكتاتوريين. نحن لا نحرم الآلية بل نحرم المحتوى، المشكلة ليست بتطبيق تيك توك ولكن المشكلة في المحتوى الهابط الذي يتناوله البعض، ومطلوب وضع ضوابط عاملة تناسب البشرية وخاصة تناسب الخصوصية.

في فيس بوك هل تستطيع أن تشكك في الهولوكوست سوف يتم إغلاق حسابك فورا. في يوتيوب هل تستطيع أن تمنع الشواذ جنسيا سوف تمنع أنت. اسأل جوجل عن فلسطين الأجوبة صهيونية بامتياز.. ما هو الهدف يا ترى من هذه الازدواجية الصينية؟ الجواب باختصار هو الصين تحمي شعبها تحمي أمنها واستقرارها وتطوير اقتصادها الوطني والتنمية المستدامة في كافة المجالات الحيوية التي توفر بيئة آمنة وتحافظ على نسيجها الاجتماعي وتحمي الأمن والسلم الاجتماعي.

السؤال المهم هل هذه المقالات والأفكار في سياق ممنهج يتماهى ويتماشى مع سياسة أمريكية تستهدف شيطنة الصين، أم هي محاولة للفهم؟ أليس الأجدر التعلم من التجربة الصينية الرائدة في التطور والازدهار الصيني وهي التي حققت المعجزة الاقتصادية الأعظم في التاريخ البشري وتستحق من مثقفينا وقادتنا السياسيين والاقتصاديين محاولات أكثر للفهم والتعلم.

نكرر ما قلناه في مقالات سابقة، على أمتنا العربية استخلاص الدروس والعبر من هذه التجربة الفريدة، والتعامل والتعاون وتجديد الفكر ينبثق عنه نهضة حقيقة في كافة المجالات.

 

About Post Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظة © 2020 مجلة السفير | Newsphere by AF themes.