غادة السمان، الجزاء من جنس العمل

محمود عبد الواحد

 

لطالما أثارت إصدارات الكاتبة والروائية السورية غادة السمّان التي ساهمت عربياً في تأسيس ما يُعرف بأدب المراسلات، الكثير من الجدل والتساؤلات حول مدى مصداقية تلك الرسائل، خاصة أنها حرصت على نشرها بعد وفاة أصحابها في تحيّن واضح لرحيل من هم قادرون على مجابهتها بالحقائق. وما عزز من حالة الشك والريبة لدى القراء والمتابعين، نشر الرسائل من طرف واحد دون الكشف عن رسائل الكاتبة إلى الطرف الآخر بذريعة عدم امتلاكها، ليبدو الأمر وكأنه طعنة في ظهر العاشق بعد موته، وانتهاكاً صارخاً للأمانة الأخلاقية والأسرار الشخصية. أيضاً يستطيع القارئ الفطن أن يلاحظ بأن الرسائل المنشورة أقرب إلى نصوص وأسلوب غادة السمّان من لغة من يفترض أنهم كتّاب وأدباء بارزون ومعروفون بأسلوبهم ومدارسهم الأدبية المتفرّدة، أمثال: غسان كنفاني، وأنسي الحاج، الأمر الذي يثبت فكرة التلفيق بدافع نرجسي بحت وباعتماد كامل على الخيال القصصي والقدرة على استنطاق الكتاب بعد رحيلهم.

في هذه الأجواء التي رافقت إعلان السمّان مؤخراً اعتزامها نشر رسائل الشاعر الراحل نزار قباني إليها، في اجترارمستمر لفكرة الاستثمار بإرث الأدباء الراحلين ـ ربما لعودة منشودة إلى الأضواء بعد أفول نجم الكاتبة التي ذاع صيتها في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي ـ يأتي إصدار الكاتب الفلسطيني علي أبو مريحيل “خيط من رائحة التبغ المجبول بعبق الذكورة – رسائل غادة السمّان”، الصادر عن دار السفير، بمثابة انتقام ذكوري وصفعة أدبية، لأن الجزاء جاء من جنس العمل، فهو لم يرفق في كتابه الذي يقع على متن 68 صفحة ويتضمن نصوصاً نثرية من القطع الصغيرة لما يفترض بأنها رسائل موجهة إلى الكاتب موقعة باسم الأديبة السورية، ما يثبت صحتها ومصداقيتها. ولكن تشير النصوص إلى علاقة متوهجة بين السمان والكاتب حين أقام في العاصمة باريس صيف 2015، وبإحدى الرسائل تتحدث الأديبة المخضرمة عن اللقاء الأول بينهما على هامش مشاركتها في ندوة أدبية. وإن كنت شخصياً أميل إلى افتراض أن العلاقة مفتعلة لغاية في نفس أبو مريحيل، ربما انطلاقاً من هويته الوطنية وهواه الثوري الذي لم يغفر للسمان التجرؤ على صاحب رواية “رجال في الشمس”، بما يمثله من رمزية للقضية الفلسطينية.

ومع ذلك، كان الكاتب صريحاً في تعليقه على إصداره الجديد، بأنه لا يريد جرّ القارئ إلى لعبة التوقّع والتحقّق بقدر ما يرغب في تحقيق انتصار أدبي لضحايا من دأبت على تصوير عشاقها بأنهم متيمون هائمون يلهثون وراءها على غير هدى وصواب. وربما تجلى ذلك بنجاحه في اقتحام برجها العاجي وكسر حصانتها الأدبية، من خلال تقديمها للقارئ بصورة مغايرة عما عرفت به من صلابة وقوة ورفض الانكسار الأنثوي، وحب التسلط والتمرد على الرجل.

ففي رسالة بعنوان: “خذني معك”، تظهر الكاتبة وهي تستجدي حبيبها البقاء أو اصطحابها معه عند الرحيل في محفظة النقود وعلبة الثقاب:

 

لك أن تقدّر قلّة حيلتي

كي لا تمعن أكثر في عقابي

ما أن يعبر كفك في غابة شعري

وأشم رائحة التبغ المجبول

 بعبق الذكورة على أصابعك

حتى يسيل لعابي

ويحيلني الشبق إلى دمية

لا تجيد إلا خلع الثيابِ

 

في موضع آخر نراها تكشف عن كواليس خلوتها في اشتهاء الرجل، فتقول:

 

 

مع ارتخاء خاصرة الليلْ

أنزوي إليكَ

أنفرط فيكَ

حبة حبة

عرقاً يتصبب

من التلْ

يا جهد الإله فيَّ

من يصدّ هذا الهولْ.

 

وتستمر في بث رسائل الشبق الأنثوي، وتتساءل:

 

من لجوع القميص

يقدّه، يلوكه

لقمة لقمة

من لطلةٍ خجولةٍ

لبرعمٍ كهلٍ

وصهيلِ خيل

كامنٍ في جوف عتمة.

 

مثل هذه الصور الجريئة والانكشاف العاطفي لم نعهدها في كتابات غادة السمّان، ربما لأنها حرصت دائماً على أن تظهر بدور المعشوقة لا العاشقة، أو لأنها حبست نفسها في شرنقة النمطية فبات القارئ قادراً على توقع عناوين لوثائق قد تنشرها في وقت لاحق حتى وهي تدخل في عقدها الثامن، مثل: رسائل عمر بن أبي ربيعة إلى غادة السمان، وكذلك المتنبي وامرؤ القيس.

 

أخيراً، إن ما يمثل بدعاً في هذا المولود الجديد عما نشرته السمان، أن الكاتب لم ينتظر موتها لنشر رسائلها كما فعلت هي مع ضحاياها، فضلاً عن أنها المرة الأولى التي نتطلع فيها على رسائل غادة إلى الطرف الآخر بعد عقود من الحجر الذاتي رضوخاً لأنانية أنثوية مفرطة.

 

 

 

 

 

About Post Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظة © 2020 مجلة السفير | Newsphere by AF themes.