غزة، جار السوء من سوء الطالع

علي أبو مريحيل – رئيس التحرير

 

لا شيء يبعث على الشعور بالعجز وقلّة الحيلة أكثر من التمعن في مواقف دول لا تربطنا بها صلات دم، أو دين، أو قرابة، من الإبادة الجماعية التي يرتكبها جيش الاحتلال الإسرائيلي بحق الفلسطينيين في قطاع غزّة. فالدولة الوحيدة التي تجرّأت على رفع قضية في المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي ضد إسرائيل هي جنوب أفريقيا، والدولة الوحيدة التي قطعت علاقاتها الدبلوماسية مع الكيان الإسرائيلي على خلفية حرب الإبادة في غزّة هي بوليفيا. أما الزعيم البرازيلي، لولا دا سيلفا، فهو الرئيس الوحيد الذي غرّد خارج السرب، حين شبّه أفعال الاحتلال الإسرائيلي بالإبادة النازية. لم تنطلق هذه المواقف الشجاعة من حسابات ودوافع سياسية داخلية وخارجية، بل كانت صرخة في وجه الصمت والخذلان الدولي والعربي والإسلامي، وانتصاراً لآخر القضايا الاستعمارية في العصر الحديث، باعتبارها رمزاً للنضال والتحرّر الوطني.

في المقابل، بات تتبّع مسار مجاهرة دول عربية بالتخاذل أمراً باعثاً على الرغبة في الانسلاخ عن الهوية العربية. ويأتي في مقدمة هذه الدول النظام المصري الذي لم يكتفِ بدور المتفرّج، بل كان شريكاً في إحكام الحصار على أكثر من مليوني فلسطيني في غزّة بواسطة إغلاق معبر رفح، المنفذ البري الوحيد للقطاع مع دولة عربية شقيقة.

المتابع لطريقة تعاطي مصر مع الملف الفلسطيني منذ سيطرة حركة حماس على غزّة عام 2007، يدرك جيداً أنّ هذا الملف يُدار من منظور أمني بحت يفترض بأنّ حركة المقاومة الإسلامية ليست سوى امتداد لجماعة الإخوان المسلمين، وأنّ أيّ نشاط لها على حدودها الشمالية الشرقية من شأنه أن يشكّل تهديداً لأمنها القومي. هذه الهواجس الأمنية ساهمت في اختزال القضية الفلسطينية وأسقطتها من سلّم الأولويات في السياسة الخارجية المصرية. ونظراً لارتباط قطاع غزّة جغرافياً بمصر، استخدمت القاهرة منفذ رفح البري كورقة سياسية للضغط على حماس من جهة، ولرفع أسهمها على الساحة الدولية من جهة أخرى، خاصة في فترات الأزمات والحروب، إذ دأبت على تقديم نفسها كوسيط ولاعب أساسي في تهدئة الأجواء بين فصائل المقاومة الفلسطينية وجيش الاحتلال الإسرائيلي.

بات تتبّع مسار مجاهرة دول عربية بالتخاذل أمراً باعثاً على الرغبة في الانسلاخ عن الهوية العربية

ولفهم الحسابات المصرية، يكفي أن نلقي نظرة على كواليس المحادثات التي جرت في أعقاب الحرب التي شنتها إسرائيل على قطاع غزّة عام 2014، فقد كان أحد مطالب حركة حماس آنذاك أن يتم إنشاء ممر بحري يربط ميناء غزة بقبرص، وهو الأمر الذي رفضته إسرائيل في البداية خشية من عمليات تهريب السلاح إلى المقاومة، لكنها سرعان ما أبدت موافقة مبدئية بعد تقديم ضمانات غربية بشأن عمليات المراقبة، غير أنّ مصر رفضت المقترح في حينه، حيث كانت طرفاً في المحادثات، وبالرغم من أنّها لم تقدّم تفسيرات لذلك، كان واضحاً أنّها لا تريد أن تخسر ورقة سياسية هامة بتحرّر حماس من قبضتها الجيوسياسية.

اليوم تمارس مصر الدور نفسه، لكن بأدوات مختلفة. فهي تستخدم سلاح التجويع الإسرائيلي عن قصد أو غير قصد، من طريق منع إدخال المساعدات الإغاثية إلى القطاع، بذريعة أنّ دخول شاحنات المساعدات سيعرّضها للقصف من الجانب الإسرائيلي، وهي حجة لم تعد تنطلي على أحد، بمن في ذلك الشعب المصري. فنحن نتحدّث عن معبر يخضع للسيادة المصرية، لا علاقة لإسرائيل به، حتى إنّ الفريق القانوني الإسرائيلي أمام محكمة العدل الدولية دحض الرواية المصرية حين قال “إن الوصول إلى قطاع غزّة عبر معبر رفح تسيطر عليه مصر، وليس على إسرائيل أي التزام في ذلك بموجب القانون الدولي”. إذاً، لو كانت القاهرة جادة في إدخال المساعدات، لاستغلت تلك التصريحات في تسيير الشاحنات إلى القطاع، لأنّ أي استهداف لها آنذاك كفيل بكشف زيف الاحتلال وفضحه وإحراجه أمام المجتمع الدولي.

لم يكتف النظام المصري بدور المتفرّج، بل كان شريكاً في إحكام الحصار على أكثر من مليوني فلسطيني في غزّة

في السياق نفسه، صرّح الرئيس الأميركي جو بايدن، قبل أيام، في ردّه على سؤال بشأن الحرب على غزّة، بأنّ الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي لم يوافق على فتح معبر رفح لإدخال المساعدات، وأنّه أقنعه بذلك.

أيضاً في ذروة الحرب والمجازر الإسرائيلية، كان السيسي، قد تحدّث عن مخاوف بلاده من التهجير القسري للفلسطينيين، وقال مخاطباً دولة الاحتلال: “إن كان لا بد من التهجير، فهناك صحراء النقب إلى حين الانتهاء من العمليات العسكرية ضد الجماعات المسلحة”. وقد اعتبر مراقبون، آنذاك، أنّ تصريحات السيسي هذه تمثل مباركة ضمنية من أكبر وأقوى الدول العربية في المنطقة لاستمرار مجازر القتل الجماعي بحق الفلسطينيين في قطاع غزّة، فضلاً عن أنّها كشفت حقيقة الموقف المصري الرسمي الرافض للتهجير، حتى لو كان ذلك على حساب دماء الفلسطينيين.

أيضاً، كان لافتاً في الأسابيع الأولى من الحرب، استجداء القاهرة لتوسيع بنود اتفاقية كامب ديفيد بما يسمح تعزيز قدراتها العسكرية على الشريط الحدودي تحسباً لتسلّل نازحين فلسطينيين هاربين من فكي الموت. وقد أعقب ذلك بناء سياج أمني عازل داخل الأراضي المصرية على الحدود مع غزّة بنحو كيلومتر واحد، ولا تزال أعمال البناء مستمرة في وقت ترتفع فيه أصوات عربية ودولية تطالب السلطات المصرية بفتح معبر رفح والسماح بدخول المساعدات الإغاثية إلى القطاع.

على هامش دمعة فرّت عنوة من محجر العين أمام مشهد لطفل فلسطيني صغير يلوّح بعلم مصر في فناءِ خيمةٍ حجبَ الجدار الإسمنتي أشعة الشمس عنها، سألتني زوجتي، ابنة الصين الشعبية، عن سبب بقائنا تحت الاحتلال بعد 75 عاماً من النضال؟

وبعد فاصلٍ من الصمت أجبتها: لأنّنا لا نملك ترف اختيار جيراننا، ولأنّ القاهرة ليست لاباز أو برازيليا!

 

About Post Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظة © 2020 مجلة السفير | Newsphere by AF themes.