غورباتشوف عرّاب البيريسترويكا الذي فكك الاتحاد السوفيتي

محمود عبد الواحد

يعد ميخائيل غورباتشوف، الذي توفي في الثلاثين من أغسطس الماضي بعد صراع طويل مع المرض، واحداً من أكثر الشخصيات جدلا في التاريخ المعاصر نظرا لدوره المحوري في تفكك الاتحاد السوفيتي عام 1991. ولد غورباتشوف في عام 1931 في منطقة ستافروبول الروسية الجنوبية، كان والداه يعملان في مزارع الدولة الجماعية، وبدأ غورباتشوف بقيادة آلات الحصاد الضخمة وهو ما زال في سن المراهقة.  تخرج من جامعة موسكو الحكومية في عام 1955 وفي نفس العام أصبح عضوا نشطا في الحزب الشيوعي السوفيتي، وبدأ نجمه بالصعود سريعا في التنظيم المحلي للحزب. وبفضل خبرته في مجال إدارة القطاع الزراعي، حصل على فرصة طرح مبادرات وابتكارات جديدة مما أكسبه نفوذا كبيرا في ستافروبول. توجه غورباتشوف عام 1978 إلى موسكو بوصفه عضوا في السكرتارية الزراعية التابعة للجنة المركزية، ولم تكد تمر سنتان حتى عين عضوا كاملا في المكتب السياسي المنبثق عن اللجنة المركزية للحزب. وخلال الفترة التي تولى خلالها يوري اندروبوف منصب الأمين العام للحزب، قام غورباتشوف بعدة رحلات إلى الخارج، منها زيارة لندن عام 1984 ترك خلالها انطباعا طيبا لدى رئيسة وزراء بريطانيا آنذاك مارغريت تاتشر. وكان من المتوقع أن يخلف اندروبوف عند وفاته في عام 1984، ولكن الحزب اختار بدلا منه قسطنطين تشيرنينكو أمينا عاما له. وتوفي تشيرنينكو بعد أقل من سنة من توليه المنصب، ومنها اختير خلفا له غورباتشوف أصغر أعضاء المكتب السياسي عمرا حينها. وسمحت سياسته في الانفتاح، للمواطنين السوفييت بانتقاد الحكومة بطريقة لم يكن من الممكن حدوثها في السابق، بالإضافة للشفافية في أنشطة جميع المؤسسات الحكومية في الاتحاد السوفيتي. وعندما طرح برنامجه الإصلاحي في عام 1985، كان هدفه الوحيد إحياء الاقتصاد السوفيتي الراكد وإصلاح نظام البلاد السياسي. وابتكر غورباتشوف عبارتين باللغة الروسية دخلتا إلى الاستخدام العام خارج الاتحاد السوفيتي أيضا، إذ قال إن البلاد بحاجة إلى “بيريسترويكا” أو إعادة هيكلة، وإن الأداة التي سيستخدمها لتحقيق هذا الهدف هي “غلاسنوست” أو الانفتاح، لكنه لم يكن يخطط أبدا لاستبدال سيطرة الدولة على الاقتصاد بنظام للسوق الحرة. وعلى الصعيد الدولي، توصل إلى صفقات للحد من التسلح مع الولايات المتحدة ورفض التدخل عندما انتفضت دول أوروبا الشرقية ضد حكامها الشيوعيين. ووقع مع الرئيس الأمريكي رونالد ريغان على معاهدة القوى النووية المتوسطة المدى عام 1987. كما أراد وضع نهاية للحرب الباردة، فأعلن عن خفض أحادي الجانب في القوات التقليدية السوفيتية، وأنهى التدخل الكارثي في أفغانستان. أدت خطوات غورباتشوف نحو تخفيف قمع النظام السوفييتي للمواطنين إلى تململ في صفوف القوميات المختلفة التي كان يتكون منها الاتحاد السوفيتي المترامي الأطراف، وأطلقت الاضطرابات التي شهدتها كازاخستان عام 1986 حقبة الاحتجاجات. وانطلقت المشاعر القومية والانفصالية في العديد من مناطق البلاد، والتي حاول غورباتشوف قمعها بالقوة أول الأمر. وكانت البداية في تفكك الاتحاد السوفيتي عبر جمهوريات بحر البلطيق (استونيا وليتوانيا ولاتفيا) في الشمال التي انفصلت عن موسكو مما أدى إلى انتشار الانفصال في مناطق أخرى. وبلغت الأمور ذروتها عام 1989 عندما سمحت السلطات في جمهورية ألمانيا الديمقراطية (الشرقية) أكثر حلفاء الاتحاد السوفيتي تشددا لمواطنيها بالعبور إلى برلين الغربية عبر جدار برلين الشهير الذي هدمته الجماهير فيما بعد. وبحلول عام 1991 كان الحرس الشيوعي القديم في موسكو قد مل من سياسات غورباتشوف، فقاموا بانقلاب عسكري، وألقي القبض على غورباتشوف أثناء إجازة خاصة عند ساحل البحر الأسود. ومنحت المحاولة الانقلابية زعيم الحزب في موسكو، بوريس يلتسين، الفرصة التي كان ينتظرها، فقمع الانقلاب وألقى القبض على المتظاهرين، وجرد غورباتشوف من كل سلطاته تقريبا مقابل الإفراج عنه. ولم تكد تمضي 6 أشهر على تلك الحادثة حتى أقيل غورباتشوف وحظر الحزب الشيوعي وبدأت روسيا في السير في اتجاه جديد، نحو عهد فلاديمير بوتين. ونتيجة لمساعيه في إنهاء الحرب الباردة فقد حصل على جائزة نوبل للسلام عام 1990 “لدوره القيادي في التغييرات الجذرية في العلاقات بين الشرق والغرب”، بحسب مانحي الجائزة. وقام بمحاولة واحدة فاشلة للعودة إلى الحياة السياسية في عام 1996، ولم يفز إلا بنحو 5 بالمئة من الأصوات في الانتخابات الرئاسية. تدهورت صحته في السنوات الأخيرة، وفي حزيران/ يونيو الماضي، ذكرت وسائل إعلام دولية أنه نقل إلى المستشفى بعد إصابته بمرض في الكلى، وما لبث أن توفي عن عمر يناهز 91 عاما بعد صراع طويل مع مرض خطير. بحسب الخبر الرسمي لوفاته. البعض يرى أن غورباتشوف غير مجرى التاريخ، وبأنه رجل بدأ تحولات تاريخية فتحت الطريق لأوروبا حرة، كما هو الحال مع الرئيس الأمريكي جو بايدن الذي وصف غورباتشوف بـ”قائد نادر” ساهم في “جعل العالم أكثر أمانا”. لكن العديد من الروس لم يغفروا لهذا السياسي المنفتح التسبب في الاضطرابات التي أعقبت انهيار الاتحاد السوفيتي. رغم أنه كان يخطط إلى إصلاح الاتحاد السوفيتي وليس تدميره وتفكيكه. كان غورباتشوف منتقدا قويا للرئيس بوتين الذي اتهمه بترؤس نظام قمعي، وقال بهذا الصدد “إن الحياة السياسية تتحول بشكل متسارع إلى ديمقراطية زائفة يحمل فيها الجناح التنفيذي (الرئيس) كل السلطات”، كما اتخذ موقفا رافضا وناقدا للتدخل الروسي في أوكرانيا. لذلك لن يحظى غورباتشوف بحضور بوتين لجنازته الذي اكتفى بوضع باقة من الزهور الحمراء على التابوت.

 

 

About Post Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظة © 2020 مجلة السفير | Newsphere by AF themes.