فهم الصين من خلال أولمبياد بكين

شوي تشينغ قوه بسام

 

اختتمت مؤخراً الدورة الـ24 للألعاب الأولمبية الشتوية في بكين، والجدير بالذكر أن الألعاب الأولمبية ليست مجرد ألعاب في السياق الصيني، بل كانت فرصة سانحة لفهم الصين، ماضياً وحاضراً ومستقبلاً.

قبل أن أسرد علاقة الصين بالألعاب الأولمبية، ينبغي أن أعود إلى عام 1896، حيث استخدم كاتب بريطاني في مقالة نشرها في صحيفة بشانغهاي تعبير «الرجل المريض في شرق آسيا» لوصف الإنسان الصيني، في إشارة إلى الصيني المتعاطي للأفيون والضعيف معنوياً وجسمانياً، وسرعان ما انتشر هذا التعبير بحيث استخدمها بعض المثقفين الصينيين الذين أقلقهم واقع الصين المتخلف وقضّ مضجعهم هاجس اللحاق بركب العالم.

في خضم هذا الواقع المؤلم، لم تكن الألعاب الأولمبية إلا نوعاً من الترف بالنسبة إلى الشعب الصيني آنذاك، ولم تشارك الصين فيها إلا في عام 1932، حيث أرسلت لاعباً واحداً فقط للمشاركة في أولمبياد لوس أنجليس، الذي عاد إلى الوطن، كما هو المتوقع، خالي الوِفاض. وفي أولمبياد لندن عام 1948، أرسلت الحكومة وفداً مكوناً من 42 لاعباً وإدارياً، وكان ضيق ذات اليد حال دون سكنهم في القرية الأولمبية فاضطروا إلى السكن في مدرسة ابتدائية.

ومع تأسيس جمهورية الصين الشعبية عام 1949، أدرك الزعيم ماو تسي تونغ الذي كان مولعاً بالسباحة، أهمية الرياضة فأطلق حملة على نطاق البلاد لتطوير الرياضة البدنية وتقوية بنية الشعب، كما استغل الألعاب الرياضية كوسيلة لكسب الأصدقاء وكسر العزلة المفروضة عليها من الدول الغربية. وقد تتوج ذلك بزيارة فريق كرة الطاولة الأميركي للصين عام 1971، باعتباره أول وفد أميركي رسمي لزيارة الصين الشعبية. ويُعرف هذا الحدث لاحقاً بدبلوماسية «بينغ بونغ» (كرة الطاولة). ومهدت هذه الزيارة الطريق لزيارة الرئيس نيكسون للصين عام 1972 للإعلان عن إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، الأمر الذي غيّر مسار التاريخ العالمي في القرن العشرين، وقد صدق من قال إن الكرة الصغيرة نجحت في تحريك الكرة الكبيرة (الأرضية)!

وفي عصر الإصلاح والانفتاح الذي انطلق منذ عام 1978، أصبح يُنظر إلى الألعاب الرياضية باعتبارها رمزاً لنهضة الصين واندماجها في العالم. فكان نجاح الصين في أولمبياد لوس أنجليس عام 1984، بفوزها بـ15 ميدالية ذهبية، إرهاصاً بعودة الصين القوية إلى المسرح العالمي. وما زلتُ أتذكر أنه في إحدى الليالي الصيفية عام 2001، بعد الإعلان عن فوز بكين في طلب استضافة أولمبياد عام 2008، امتلأت شوارع المدينة بالناس الفرحين بهذا الخبر السعيد، بل شمل جو الاحتفال كل أرجاء البلاد. ولكن هذا النصر الصيني لا يسرّ بعض الغربيين، فكانت مسيرات التتابع لشعلة الأولمبياد في عدة عواصم أوروبية تتعرض لمحاولات إطفائها وخطفها، قامت بها بعض القوى المعادية للصين. لذا، عندما كان بطل الجمباز لي نينغ المكلّف إشعال المرجل الأولمبي في الاستاد الوطني، ينهي المشوار الأخير لمسيرة الشعلة، عبر الركض معلّقاً في الهواء مخلّفاً وراءه مشاهد مسيرة التتابع في أنحاء العالم، كان كثير من الصينيين، وأنا منهم، تفيض أعينهم بالدموع، وهم يستعيدون المشقات في مسيرات تتابع الشعلة، التي ليست إلا رمزاً لمسيرة نهضة الصين الحديثة.

أتوقع أن الجمهور العربي لا يتذكر عن أولمبياد بكين 2008 إلا حفل الافتتاح الهائل الذي قام بإخراجه المخرج السينمائي الكبير تشانغ إيمو، الحفل الذي يعتبره كثير من الناس أروع حفل في التاريخ الأولمبي. وكأن القائمين بأمر الحفل يحرصون على إبلاغ رسالة مفادها: ما هي الصين ومن أين قدمت؟ فنجحوا بأسلوب فني مبدع، وبأعداد قياسية من الممثلين، في تقديم صورة الصين ذات حضارة عريقة وحاضر مشرق إلى خُمس سكان العالم الذين كانوا يتابعون الحفل.

في غضون الأيام الماضية احتضنت بكين الألعاب الأولمبية الشتوية لتصبح أول مدينة في العالم تحتضن الدورتين الصيفية والشتوية للأولمبياد. تفصل بين الدورتين 14 سنة، هي حقبة لا تُذكر في تاريخ الأمم، ولكن، شدّ ما تغيرت الصين وتغير العالم في هذه الحقبة القصيرة، كانت الصين تواصل فيها مسيرة نهضتها بهدوء، متمركزة حول التنمية الداخلية، وخطت خطوات كبيرة يمكن تجسيدها بأرقام تالية: كان إجمالي الناتج المحلي للاقتصاد الصيني يشكل 31 في المائة من الاقتصاد الأميركي عام 2008، ليصبح الرقم 77 في المائة عام 2021 (و70 في المائة في عام 2020). الأرقام تفسّر كل شيء. وأكاد أسمع ما يردّده بعض الساسة الأميركان فيما بينهم في كواليس السياسة: «أيها السادة، آن الأوان لنستيقظ. ها قد استيقظ المارد الصيني!»، وليست المقاطعة الدبلوماسية لأولمبياد بكين الشتوي التي كانت تدّعي بها أميركا وحلفاؤها الأقربون إلا أحد التجليات الجديدة لهذه «اليقظة».

الآن، وقد أسدل أولمبياد بكين الشتوي ستاره، مختتماً دورة ناجحة وصفها رئيس اللجنة الأولمبية الدولية توماس باخ بـ«دورة استثنائية حقاً… القرى الأولمبية رائعة، والملاعب مدهشة، والتنظيم منقطع النظير». أظن أن حفل افتتاح هذه الدورة الذي أشرف على إخراجه السيد تشانغ إيمو أيضاً، سيبقى في ذاكرة الجمهور لوقت طويل. كان حفلاً خفيفاً بالمقارنة إلى حفل بكين 2008، ولكنه لا يقلّ عنه روعة وإبداعاً، وكأن القائمين بأمر الحفل يريدون نقل رسالة جديدة إلى العالم: إلى أين تتّجه الصين؟ وكيف؟

نجد جواب ذلك في مشاهد رمزية عديدة في الحفل، منها شيوع استخدام التكنولوجيا العالية في كل تفاصيله: الذكاء الآلي، تقنية الجيل الخامس، الحوسبة السحابية، والشاشة فائقة الحجم والوضوح… ومنها تكريس مفهوم حماية البيئة، الذي يتجسد في وضع شعلة صغيرة في المشعل بدلاً من إيقاد مرجل ضخم كما في كل الدورات السابقة… ومنها الاهتمام بعامة الشعب، إذ يخلو الحفل من كبار نجوم الفن، وحلّ محلّهم أطفال المدارس وطلاب الجامعات والممثلون من قوميات ومهن مختلفة… ومنها، وهو الأهم في رأيي، تأكيد مفهوم مجتمع المستقبل المشترك للبشرية، الذي يتجسد في تصميم الشعلة الرئيسية المتكونة من نتف ثلجية تحمل كل نتفة اسم فريق مشارك في هذه الدورة، كما يتجسد في شعارها: «معاً للمستقبل المشترك».

أقيمت هذه الدورة الأولمبية في ظروف استثنائية يعاني فيها العالم من مخاوف جائحة «كورونا» والانقسامات الخطيرة وكابوس الحرب. ويأتي الأولمبياد كأنه فضاء يوتوبي في هذا العالم الواقعي المرير، ليذكر الإنسان بأهمية الروح الأولمبية. فينبغي لقادة العالم، كما قال السيد توماس باخ في كلمته الاختتامية، أن «يستلهموا من روح التضامن والسلام التي جسّدها اللاعبون أروع التجسيد».

أختتم مقالتي بقضية وقعت مؤخراً على هامش الدورة الأولمبية: تتناقل وسائل التواصل الاجتماعي الصيني مقطع فيديو لأم لـ8 أطفال محبوسة في كوخ بقرية، ومربوطة من عنقها بسلسلة حديدية، يقال أنها مصابة بمرض عقلي بعد أن اشتراها صاحب المنزل من ريف ناءٍ لتكون زوجة له. أثارت القضية غضباً عارماً في المجتمع الصيني، ولا يزال الجميع ينتظرون نتيجة التحقيق الرسمي ليعرفوا حقيقتها. ومهما كانت النتيجة فإنها تكشف عن وجه آخر للصين اليوم، غير ذلك الوجه المتألق للصين مضيفة الأولمبياد، وتذكّر الناس في داخل الصين وخارجها، بأن همّها الأساسي، سيبقى همّاً داخلياً لفترات طويلة: مكافحة الفقر والتخلف، تحقيق التنمية المستدامة والمتوازنة، تعزيز سيادة القانون، تحسين الحوكمة والإدارة… وباختصار، إن همّ الصين الأساسي هو تحقيق الرفاهية والسعادة للشعب الصيني، وليس زعامة العالم أو التوسّع الخارجي كما يتوهّمه البعض.

 

 

About Post Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظة © 2020 مجلة السفير | Newsphere by AF themes.