في يوم الأرض، تراب فلسطين يرتوي بدماء الشهداء

إعداد رولا ضاهر

 

يحيي الفلسطينيون في الثلاثين مارس/ آذار من كل عام ذكرى يوم الأرض الذي تعود أحداثه لعام 1976 حين صادرت قوات الاحتلال الإسرائيلي مساحات شاسعة من أراضي الجليل المحتل، فيما أطلق عليه الاحتلال  تطوير الجليل. وصادر الاحتلال الإسرائيلي أكثر من عشرين ألف دونم من الأراضي التي تعود ملكيتها لفلسطينيين، وكانت بمثابة الشرارة التي أدت إلى انطلاق المظاهرات، والاحتجاجات، حيث أعلنت مدن وقرى الجليل والمثلث إضرابًا عامًا، وحاولت السلطات الإسرائيلية كسره بالقوة، فأدى ذلك إلى مواجهات بين الفلسطينيين وقوات الاحتلال، كانت أعنفها في قرى سخنين وعرابة ودير حنا.

وقد أحيت الفصائل الفلسطينية في قطاع غزة على مدار أسبوع كامل ذكرى يوم الأرض، التي اكتسبت هذا العام خصوصية أكبر، في ظلّ دخول فلسطينيّي الداخل المحتلّ على خطّ المواجهة، عبر عمليات فردية تخشى إسرائيل من تمدّدها، بقدْر ما تعتبرها المقاومة نتاجات يمكن البناء عليها في المرحلة المقبلة.

ووضعت سلسلة العمليات المسلحة التي نفذها شبان داخل الخط الأخضر، منظومة الأمن الإسرائيلية أمام تحديات كبيرة، الأمر الذي من شأنه أن يؤدي إلى مواجهة شاملة تنذر باحتدام الصراعات الداخلية بين التيارات السياسية اليهودية، وذلك في ظل تعزز الشعور للإسرائيليين بفقدان الأمن والأمان وغياب الردع للأجهزة الأمنية.

ومع تنامي شعور فقدان الأمن في إسرائيل على مستوى القيادة والشعب، وفي محاولة لاستعادة الردع بظل العمليات المسلحة في بئر السبع والخضيرة وبني براك والتي أسفرت عن مقتل 11 إسرائيليا، رفعت شرطة الاحتلال حالة التأهب للدرجة القصوى، على غرار ما كان بأحداث هبة الكرامة والعدوان الإسرائيلي على غزة في مايو/أيار من العام الماضي. وما يشير إلى عدم جاهزية أفراد الشرطة وإخفاق أجهزة الأمن بجمع المعلومات الاستخباراتية ورصد أي مؤشرات لتنفيذ عمليات مسلحة داخل إسرائيل، تصريح مسؤول كبير في الشرطة الإسرائيلية قبل أيام بأن ما يحدث في الداخل هو أكثر ما كنا نخشاه، لافتاً أن انضمام فلسطينيين من الضفة إلى سلسلة الهجمات المسلحة،  يستوجب القيام بخطوات تصعيدية.

هذا وقد أبدت المؤسسة الأمنية الإسرائيلية قلقها من سلسلة الهجمات المسلحة داخل الخط الأخضر، وذلك في ظل غياب الردع والمخاوف من فقدان السيطرة وتعزيز سيناريو اندلاع مواجهات شاملة مع الفلسطينيين، وتشير التقديرات الأمنية إلى أن هجوما آخر يمكن أن يخلق جوا متفجرا في شهر رمضان، داخل الخط الأخضر وبالضفة الغربية والقدس المحتلتين وقطاع غزة.

وتسعى إسرائيل منذ احتلالها الأراضي الفلسطينية عام 1948 إلى القضاء على الوجود الفلسطيني من خلال الاستيلاء الممنهج على الأراضي وتقطيع أوصالها وهدم البيوت وتهجير ساكنيها لإقامة مستوطنات مكانها وتهويد معالم فلسطين التاريخية، حتى تجاوز عدد المستوطنات 400 مستعمرة أقام فيها نحو 800 ألف مستوطن. وخلال العام الماضي، أنشأ الاحتلال 25 مستعمرة و10 بؤر استيطانية، مستوليًا على مساحة من الأراضي تُقدَّر بـ1280 دونمًا، بينما أقام منذ بداية العام الحالي بؤرتين استعماريتين، وفق “هيئة مقاومة الجدار والاستيطان”.

وفي نهاية عام 2021، هدمت سلطات الاحتلال واستولت على 187 مبنى في شتى أرجاء الضفة الغربية وشرقي القدس، مما أسفر عن تهجير 226 فردًا وإلحاق الضرر بسبل عيش نحو 3000 آخرين أو بإمكانية وصولهم إلى الخدمات.

وحسب بيانات لجنة المتابعة العليا (الهيئة القيادية العليا لفلسطينيي 48) فإن إسرائيل استولت على نحو مليون و500 ألف دونم منذ احتلالها فلسطين حتى عام 1976، ولم يبق بحوزتهم سوى نحو نصف مليون دونم، إضافة إلى ملايين الدونمات الأخرى من الأراضي التي استولت عليها بعد سلسلة المجازر المروّعة وعمليات الإبعاد القسّري التي مورست بحق الفلسطينيين عام 1948. ويشير باحثون إلى أن الاستيلاء على الأراضي بهدف التهويد بلغ ذروته في مطلع 1976، بذرائع مختلفة تجد لها مسوغات في “القانون” و”خدمة الصالح العام”، أو في تفعيل ما يُعرف بـ”قوانين الطوارئ” الانتدابية.

كما تُظهر المعطيات والإحصاءات الرسمية أن الاحتلال استولى على مليونين و380 ألف دونم منذ عام 1967، ويسعى إلى زيادة عدد المستوطنين حتى نهاية عام 2030 إلى مليون في الضفة ومناطق (ج)، وبذلك تصبح المناطق الفلسطينية عبارة عن جزر مفككة، وبالتالي تقطيع أوصال القدس وغزة والضفة والقضاء على حلم إقامة الدولة الفلسطينية وإحكام السيطرة الاقتصادية على المناطق الفلسطينية.

ومنذ تبنّي القرار (2334) الصادر عن مجلس الأمن عام 2016 الذي ينص على أن المستوطنات الإسرائيلية تشكل “انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي”، ارتفع عدد المستوطنين في الضفة الغربية والقدس بنسبة 12 في المائة. وكانت أرض “المثلث” التي تبلغ مساحتها 60 ألف دونم، تُستخدم في السنوات 1942-1944 منطقة تدريبات عسكرية للجيش البريطاني أثناء الحرب العالمية الثانية مقابل دفع بدل استئجار لأصحاب الأرض. وبعد عام 1948، أبقت إسرائيل على الوضع نفسه إذ كان يُسمح للمواطنين بالوصول إلى أراضيهم لزراعتها بتصاريح خاصة.

وفي عام 1956، قامت سلطات الاحتلال بإغلاق المنطقة بهدف إقامة مخططات بناء مستوطنات يهودية ضمن مشروع تهويد الجليل والنقب. وفي عام 1976، أصدر متصرف لواء الشمال في وزارة الداخلية الإسرائيلية (يسرائيل كيننغ) وثيقة سرية سُمّيت لاحقًا باسمه، تستهدف إفراغ الجليل من أهله الفلسطينيين والاستيلاء على أراضيهم وتكثيف الاستيطان اليهودي والتضييق الاجتماعي والاقتصادي على العائلات العربية، وكانت هذه واحدة من مسببات الاتجاه نحو الإضراب.

وكان الرد الإسرائيلي عسكريًّا شديدًا على هبّة “يوم الأرض”، باعتبارها تحدٍّ للمرة الأولى بعد احتلال الأرضي الفلسطينية عام 1948، حيث دخلت قوات معززة من الجيش الإسرائيلي مدعومة بالدبابات والمجنزرات إلى القرى الفلسطينية وأعادت احتلالها، وأوقعت شهداء وجرحى في صفوف المدنيين العزل، فكانت حصيلة الصدامات استشهاد 6 فلسطينيين 4 منهم قُتلوا برصاص الجيش واثنان برصاص الشرطة.

وسعت إسرائيل إلى إفشال الإضراب لما يحمله من دلالات تتعلق بسلوك الأقلية الفلسطينية كأقلية قومية حيال قضية وطنية ومدنية من الدرجة الأولى، ألا وهي قضية الأرض. وعقدت الحكومة الإسرائيلية اجتماعًا استمر أربع ساعات، تقرر فيه تعزيز قوات الشرطة في القرى والمدن الفلسطينية للرد على الإضراب والمظاهرات، كما قامت قيادة اتحاد العمال الإسرائيلي (الهستدروت) بتحذير العمال وتهديدهم باتخاذ إجراءات انتقامية ضدهم إذا شاركوا في الإضراب. وبالرغم من مرور 46 عامًا على هذه الذكرى، لم يَملَّ فلسطينيو أراضي 48 الذين أصبح عددهم نحو 1.3 مليون نسمة بعدما كانوا 150 ألف نسمة فقط عام 1948، من إحياء ذكرى يوم الأرض الذي يُجمعون على أنه أبرز أيامهم النضالية، وأنه انعطافة تاريخية في مسيرة بقائهم وانتمائهم وهويتهم منذ نكبة 1948 تأكيدًا على تشبثهم بوطنهم وأرضهم.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

About Post Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظة © 2020 مجلة السفير | Newsphere by AF themes.