قراءة في زيارة وزير الخارجية الأمريكي إلى الصين

لم تحقق زيارة وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن إلى الصين، التي انتهت ظهر الجمعة بعدما استمرت ثلاثة أيام، اختراقات مهمة، تحديداً في ما يتعلق بالملفات الخلافية والعالقة بين البلدين، لكنها تبقى ضرورية من وجهة نظر بكين وواشنطن. وتعد زيارة بلينكن إلى الصين الثانية خلال عام، وسط مخاوف متزايدة من تصاعد التوترات بين بكين وواشنطن. وتأتي زيارة بلينكن إلى الصين التي تخللها لقاء نظيره الصيني وانغ يي، ووزير الأمن العام وانغ شياو هونغ، والرئيس شي جين بينغ، في إطار احتفاء البلدين هذا العام بالذكرى السنوية الخامسة والأربعين لإقامة العلاقات الدبلوماسية بينهما. وقالت وزارة الخارجية الصينية، في بيان، إن البلدين اتفقا على مزيد من الاتصالات على جميع المستويات، بما في ذلك العسكرية وتغير المناخ والتبادلات الشعبية.

ودعا شي جين بينغ الولايات المتحدة إلى أن تكون شريكاً للصين وألا تقول شيئاً وتفعل شيئاً آخر. وحذر الرئيس الصيني، واشنطن، خلال اجتماعه مع بلينكن في بكين الجمعة الماضي، من تشكيل تكتلات صغيرة ضد بلاده، مشدداً على أن العلاقات لا يمكن أن تستقر وتتحرك للأمام إلا إذا نظرت الولايات المتحدة إلى التنمية في الصين بشكل إيجابي. وأكد شي أن بلاده مستعدة للتعاون، ولكن التعاون يجب أن يكون في اتجاهين، فالصين تصرّ على عدم الانحياز، حسب قوله، ولا ينبغي للولايات المتحدة أن تنخرط في التكتلات الصغيرة. وأضاف: يمكن أن يكون لكلا الطرفين أصدقاء وشركاء، ويجب ألا يستهدفوا أو يعارضوا أو يؤذوا بعضهم البعض. وأشار إلى أن البلدين حققا بعض التقدّم الإيجابي في مختلف المجالات، منذ اجتماعه وجهاً لوجه مع الرئيس الأميركي جو بايدن في سان فرانسيسكو في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، لكنه قال إن هناك مجالاً لمزيد من الجهود بشأن المشاكل التي لا تزال دون حل.

من جانبه، أثار بلينكن مخاوف بلاده بشأن توريد الصين للسلع ذات الاستخدام المزدوج – التي لها استخدامات عسكرية ومدنية – إلى روسيا. وقال، في مؤتمر صحافي عقب لقائه مع شي: “أكدت مجدداً قلقنا البالغ بشأن توفير جمهورية الصين الشعبية للمكونات التي تحرك حرب روسيا العدوانية الوحشية ضد أوكرانيا”.

وكان تقارب الصين المتزايد مع روسيا في أعقاب غزوها لأوكرانيا سبباً في تفاقم انعدام الثقة بالولايات المتحدة. وذكرت صحيفة وول ستريت جورنال قبل زيارة بلينكن إلى الصين الأربعاء الماضي أن الولايات المتحدة قد تهدد بإزالة بعض البنوك الصينية من النظام المالي العالمي إذا لم تحد بكين من تدفق المكونات ذات الاستخدام المزدوج إلى روسيا. وقال بلينكن إن الولايات المتحدة مستعدة تماماً لاتخاذ إجراءات إضافية إذا لم نشهد تغييراً.

ووجّه بلينكن، في مقابلة مع شبكة “سي أن أن” الأميركية في ختام الزيارة إلى بكين، انتقاداً للصين، واتهمها بأنها تريد التدخل في الانتخابات الرئاسية في بلاده، والتي ستجرى في نوفمبر المقبل. وقال بلينكن إن الولايات المتحدة رأت أدلة على محاولات صينية “للتأثير والتدخل المحتمل” في الانتخابات الأميركية المقبلة. وأوضح أنه كرّر رسالة وجهها الرئيس جو بايدن إلى شي جين بينغ خلال قمتهما في سان فرانسيسكو بعدم التدخل في الانتخابات الرئاسية الأميركية لعام 2024. وأشارت الشبكة إلى أن شي جين بينغ تعهد وقتها بأن الصين لن تفعل ذلك.

وقال بلينكن، رداً على سؤال عما إذا كانت الصين تنتهك التزام شي تجاه بايدن: “لقد رأينا، بشكل عام، أدلة على محاولات للتأثير والتدخّل، ونريد التأكد من إيقاف ذلك في أسرع وقت ممكن”. وأضاف: “أي تدخل من جانب الصين في انتخاباتنا هو أمر غير مقبول تماماً بالنسبة لنا، لذلك أردت التأكد من أنهم سمعوا هذه الرسالة مرة أخرى”، موضحاً أن هناك قلقاً بشأن الصين ودول أخرى تلعب على الانقسامات الاجتماعية القائمة في الولايات المتحدة. وقال بلينكن: “نحن نركز (الآن) على المجالات التي نعمل على التعاون فيها، لكننا أيضاً صريحون للغاية بشأن خلافاتنا، وهذا أمر مهم إذا أردنا تجنّب تحول المنافسة إلى صراع”.

وفي تعليقه على الزيارة وأبرز ما جاء فيها، قال الباحث الصيني في العلاقات الدولية وانغ تشي بينغ، إنه بالرغم من اتفاق الجانبين على مواصلة الاتصال، بما في ذلك المحادثات في الأسابيع القليلة المقبلة حول الذكاء الاصطناعي، لكن يبدو أنهما لم يحرزا تقدماً يذكر في القضايا الأكثر تحدياً، مثل الأزمة الأوكرانية، ومسألة تايوان، والتوتر في بحر الصين الجنوبي، وكذلك النزاع في منطقة آسيا والمحيط الهادئ. وأضاف: لطالما عارضت الصين العقوبات الأميركية أحادية الجانب، حيث تم إدراج نحو 100 كيان صيني على القائمة السوداء، كما انتقدت الدعم العسكري والمالي الغربي لأوكرانيا باعتباره يطيل أمد الصراع، وحثت واشنطن على عدم إلقاء اللوم على بكين بينما تواصل دعم كييف بكميات كبيرة من المساعدات، وهو ما وصفته بأنه نفاق وسلوك غير مسؤول. ولفت إلى أن إدارة بايدن كانت وافقت قبل أيام على حزمة تمويل بقيمة 61 مليار دولار لأوكرانيا، وهو الأمر الذي تراه بكين تناقضاً بين أقوال واشنطن وتصرفاتها.

ولفت وانغ تشي بينغ إلى أن التوتر في منطقة آسيا والمحيط الهادئ كان أيضاً ضمن الملفات الشائكة التي تبادل فيها الجانبان وجهات نظر مختلفة. وأوضح أن بكين انتقدت الأنشطة الأميركية في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، وحثت واشنطن على التوقف عن مطالبة الدول الأخرى باختيار جانب على حساب آخر، كما طالبت بوقف نشر الصواريخ الأرضية متوسطة المدى في المنطقة. وكانت البحرية الأميركية قد أجرت مناورة عسكرية مشتركة مع الفيليبين الأسبوع الماضي، فيما شهدت الأشهر الماضية تقارباً كبيراً بين واشنطن ومانيلا على خلفية اشتباك الأخيرة مع بكين بشأن السيادة على الجزر المتنازع عليها في بحر الصين الجنوبي.

من جانبه، قال الخبير في العلاقات الدولية بمركز تايبيه للدراسات السياسية وان زانغ، إن زيارة بلينكن إلى الصين مناسبة لإدارة الخلاف بين بكين وواشنطن، والحفاظ على قنوات اتصال رسمية في ظل تصاعد التوتر بينهما وتأزم الخلافات في العديد من الملفات والقضايا الدولية والإقليمية. وأضاف أن الجانبين لا يرغبان في خروج الخلافات عن نطاق السيطرة، خصوصاً في هذا التوقيت، الذي تستعد فيه الصين لرفع معدلات التنمية وتحقيق استقرار اقتصادي بعد سنوات من الاضطرابات التي خلفتها جائحة كورونا، فيما تواجه الولايات المتحدة تحديات داخلية وخارجية غير مسبوقة، في ظل الأزمة في الشرق الأوسط ومخاوف امتداد الصراع بين الفلسطينيين والإسرائيليين إلى حرب إقليمية حقيقية.

وأوضح أن هناك مصلحة لتبريد التنافس والخلاف بينهما بما لا يخرج عن قواعد الاشتباك المتفق عليها. ولفت، في هذا الصدد، إلى أن بلينكن حث بكين على استخدام نفوذها لدى طهران ووكلائها لمنع توسع الصراع في الشرق الأوسط. وفي ما يتعلق بمسألة تايوان، قال وان زانغ، إن تايوان هي أبرز الملفات الشائكة بين الجانبين، ومن الصعب التوصل إلى أرضية مشتركة في هذا الملف، الذي سيظل بؤرة توتر شديدة الحساسية، نظراً لما تعتبره الولايات المتحدة مساً بقيمها الديمقراطية، في حين تنظر الصين إلى الأمر على اعتباره شأناً سيادياً.

هذا وكان وزير الخارجية الصيني وانغ يي حذر الولايات المتحدة، خلال زيارة بلينكن إلى الصين من استخدام الجزيرة كأداة لاحتواء الصين، وحثها على التوقف عن تسليح تايوان، بعد أن وافقت إدارة بايدن مؤخراً على حزمة مساعدات لأوكرانيا تضمنت تمويلاً بقيمة ثمانية مليارات دولار لتايوان. من جهته، قال بلينكن إنه شدد على الأهمية الحاسمة للحفاظ على السلام في مضيق تايوان وحرية الملاحة في بحر الصين الجنوبي. وتعتبر الصين تايوان جزءاً لا يتجرأ من أراضيها ويجب إعادة توحيدها مع البر الرئيسي بالقوة إذا لزم الأمر. يشار إلى أن الولايات المتحدة مثل معظم الدول لا تعترف بتايوان كجزيرة مستقلة، لكنها تعارض أي محاولة للاستيلاء عليها بالقوة، وتعتبر نفسها ملزمة قانوناً بتزويدها بالأسلحة.

 

About Post Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظة © 2020 مجلة السفير | Newsphere by AF themes.