قصة نجاح طالب فلسطيني تجسّد الحلم الصيني

– توجه المهندس الفلسطيني صلاح الجزار إلى الصين من أجل استكمال دراسته العليا، بعدما حصل على منحة حكومية في برنامج ماجستير الهندسة البيئية من معهد بكين للتكنولوجيا، كما يقول مضيفا :”قررت بعد سنوات من العمل والمثابرة تغيير الاختصاص الأكاديمي ناحية عمليات إنتاج المحتوى والتسويق الرقمي، وعملت في شركة “بايت دانس- تيك توك” مسؤولاً عن إنتاج المحتوى في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وفي عام 2020 انتقلت الى أكبر شركة ترفيهية في الصين (آي تش يي) المتخصصة في إنتاج الدراما الصينية والآسيوية، وعملت مديرا لعمليات إنتاج المحتوى، وخلال العام الجاري انتقلت للعمل في شركة يلا المحدودة Yalla Group Limited، المسجلة في بورصة نيويورك، وأشغل منصب مدير العمليات التقنية في الشركة”.

ويعد الجزار ورفاقه من الطلاب الأجانب الدارسين في الصين خلال العقد الأخير، والذين ارتفع عددهم من 328 ألف طالب في عام 2013 إلى نحو نصف مليون طالب في عام 2019، بينما احتلت الصين في عام 2020 المرتبة الرابعة على مستوى العالم في استقطاب الطلاب الأجانب بنسبة 9 في المائة من إجمالي المبتعثين إلى الخارج، فيما حافظت الولايات المتحدة على مركزها الأول بنسبة 20 في المائة، لكن الفجوة بين البلدين بدأت تتقلص تدريجياً، ويأتي معظم الطلاب الذين يختارون الصين بشكل رئيسي من آسيا، بالإضافة إلى عدد أقل من الدول الغربية، وتعتبر كوريا الجنوبية أكبر بلد مصدر للطلاب الوافدين في الصين بعدد 50 ألف طالب كوري جنوبي بنسبة 22 في المائة من إجمالي الطلاب الأجانب في البلاد خلال عام 2019، وتليها تايلاند بـ 28.6 ألف طالب يمثلون 13 في المائة، ومن ثم باكستان بواقع 28 ألف طالب، بحسب دراسة صادرة في عام 2021 عن معهد شوان جان للأبحاث والدراسات (مؤسسة بحثية تمد الحكومة بدراسات الجدوى).

يصف الدكتور تسانغ وو، نائب عميد شؤون الطلبة في جامعة صن يات سن، تدفق الطلاب الأجانب على الجامعات الصينية خلال السنوات الأخيرة بأنه تجسيد لرؤية رئيس البلاد في تحويل الصين إلى قبلة الباحثين عن تحقيق أحلامهم وطموحاتهم الأكاديمية والعلمية.

وظهر مصطلح الحلم الصيني لأول مرة في كلمة للرئيس شي جين بينغ، خلال زيارة لمعرض “الطريق إلى التجديد”، بعد أيام قليلة من انتخابه أميناً عاماً للحزب الشيوعي في المؤتمر الوطني الثامن عشر للحزب الذي عقد في نوفمبر/تشرين الثاني من عام 2012، وما لبث أن أصبح شعاراً ومذهباً سياسياً خاصاً بالقائد الجديد الذي استخدم هذا المصطلح عدة مرات في أول خطاب له كرئيس للبلاد أمام نواب المجلس الوطني المنعقد في مارس/آذار عام 2013، ومنذ ذلك الحين دأبت وسائل الإعلام الصينية الرسمية على الترويج لما يسمى بالحلم الصيني ووصفه بأنه عنوان مرحلة جديدة من بناء وتجديد الأمة.

وتكمن جاذبية المصطلح في أنه غير محصور بإطار محدد، ويمكن وصفه بأنه كل ما من شأنه إعلاء قيمة الصين من حيث قيم التقدم والازدهار والابتكار في شتى المجالات، كما يقول وانغ تشي يوان، الباحث في معهد لياونينغ للدراسات السياسية، قائلا إن “الحلم الصيني في جوهره، التزام بجلب الرخاء والسعادة للبلاد والأمة”.

يفضل الطلاب الوافدون دراسة الإدارة، ومن ثم تأتي الهندسة، وفي المرتبة الثالثة يأتي المجال التكنولوجي الذي قطعت فيه الصين أشواطاً كبيرة، كما يقول الدكتور تسانغ وو، مشيرا إلى أن الصين لديها العديد من عوامل جذب الطلاب الأجانب وعلى رأسها جودة التعليم العالي، ورسوم الدراسة المعقولة، وتنوع المنح الدراسية، إلى جانب البيئة الاجتماعية والابتكار التكنولوجي، والعديد من فرص التدريب والتوظيف، مشيرا إلى أن الطلاب الأجانب في الصين أصبحوا سفراء للتبادل الثقافي والشعبي بين الصين والدول الأجنبية إذ تنظر لهم بكين باعتبارهم لاعبين أساسيين في مسألة التسويق للصين في الخارج.

وتقدم الدولة الصينية في كل عام 450 ألف منحة، عبر 289 جامعة حكومية، بالإضافة إلى معهد كونفوشيوس (منظمة غير حكومية)، وكذلك شركات تجارية تقدم منحا خاصة بمبادرة “الحزام والطريق”، كما يوضح تسانغ وو، نقلا عن بيانات مجلس المنح الدراسية، مشيرا إلى أن أكثر 10 دول استئثاراً بالمنح الصينية في عام 2020 هي باكستان ومنغوليا وروسيا وفيتنام وتايلاند والولايات المتحدة ولاوس وكوريا الجنوبية وكازاخستان ونيبال كما أن نسبة طلاب المنح الدراسية من البلدان الواقعة على طول مبادرة الحزام والطريق تبلغ 61 في المائة، بزيادة قدرها 8.4 في المائة عن العام السابق.

على الرغم من تدفق الطلاب الأجانب على الصين، فإن بنية البلاد التشريعية لا تسمح باستيعاب ودمج الأجانب مثل الولايات المتحدة التي تمنحهم الجنسية، ويعزو الباحث وانغ تشي يوان، ذلك إلى سببين، الأول أن المادة الثالثة من قانون الجنسية تنص على أن الصين لا تعترف بالجنسية المزدوجة، وتشترط أن يتنازل من يحصل على جنسيتها عن جنسيته الأولى، والسبب الثاني عدد سكان الصين الهائل البالغ 1.4 مليار نسمة، وبالتالي ليس من الوارد، حسب رأيه، أن تفتح الصين الباب على مصراعيه لتقديم تسهيلات بخصوص الحصول على الجنسية كما فعلت أميركا.

وشهدت الصين طفرة كبيرة في عدد دارسي الصينية من غير الناطقين بها، إذ تعلم 25 مليون أجنبي اللغة حتى نهاية عام 2021، كما أن تعلُم اللغة الصينية كان متاحا في 180 دولة ومنطقة حول العالم بنهاية العام، وأُدرجت الصينية في أنظمة التعليم الوطني لـ 76 دولة، كما حصل ما يقرب من 200 مليون شخص على تدريب عليها، حسب إحصاءات وزارة التعليم الصينية، والتي لفتت إلى وجود 3012 مؤسسة للتعليم العالي في جميع أنحاء البلاد، ولا تشمل هذه القائمة الصادرة في سبتمبر/أيلول عام 2021، مؤسسات التعليم العالي في تايوان وهونغ كونغ ومنطقة ماكاو الإدارية الخاصة.

وحلت سبع جامعات صينية في قائمة أفضل مائة جامعة على مستوى العالم، وجاءت جامعة تسينغهوا في المرتبة العاشرة بينما حلت جامعة بكين في المرتبة الخامسة عشرة، حسب تصنيف مجلة التايمز لمؤسسات التعليم العالي الصادر في أكتوبر/تشرين الأول من عام 2021، وكان لافتاً أن جميع الجامعات الصينية التي ظهرت في تصنيف العام السابق، إما تتقدم في جدول الترتيب أو تحتفظ بمواقعها للعام الثاني على التوالي، بينما ظهرت خمس جامعات جديدة في الترتيب، ما منح الصين 17 جامعة في القائمة الدولية، ولكن في المقابل استحوذت الولايات المتحدة على أعلى الجامعات تصنيفاً بواقع 7 جامعات ضمن المراكز العشرة الأولى.

وخلال العام الماضي احتلت الصين المرتبة الثانية في قائمة أكثر الدول التي لديها جامعات مصنفة عالميا بعدد 253 جامعة، وفق ما جاء في قائمة “يو إس نيوز آند وورلد ريبورت” المتخصصة في التصنيف التعليمي، بينما احتفظت الولايات المتحدة بالمرتبة الأولى برصيد 271 جامعة.

ويحلل الدكتور دونغ يي، عميد كلية الاقتصاد السابق في جامعة جينان النتائج السابقة قائلا، تواصل الجامعات الصينية في البر الرئيسي اكتساب مكانة مرموقة في الاعتراف العالمي، ويؤكد دخول الصين إلى المراكز العشرة الأولى أن تفوقها يتزايد بشكل مطرد، وبالتالي قد نشهد تحولاً في ميزان القوى بجال التعليم خلال السنوات القادمة إذ باتت الصين أكثر جاذبية للأكاديميين والطلاب الباحثين عن الدراسة والعمل.

وتعتمد خطط الصين الاستراتيجية على تحديث مناهجها وتحسين جودة التعليم بما يتلاءم مع المتطلبات والمعايير العصرية، من أجل تحقيق هدف التفوق على الغرب والولايات المتحدة، في ظل مؤشرات على تقلص الفجوة مع أميركا، كما يقول دونغ يي مشيرا إلى بيانات بأن أهم عشر جامعات صينية أعدت خلال الخمس سنوات الماضية 428 ألف ورقة بحثية، بينما أعدت أهم عشر جامعات في الولايات المتحدة 443 ألف ورقة بحثية، ما يعني أن الفجوة بين البلدين 15 ألف ورقة بحثية فقط، مقارنة بـ37 ألف ورقة في أعوام سابقة، بحسب بيانات نشرتها وكالة أنباء شينخوا الرسمية.

شهد الإنفاق السنوي على البحث والتطوير في الصين، قفزة كبيرة من 14 مليار يوان (2.2 مليار دولار) في مطلع تسعينيات القرن الماضي، وصولا إلى 2.4 تريليون يوان (356 مليار دولار) في عام 2020، كما يقول تشي لو مينغ، الباحث الزميل في معهد العلوم الوطنية بمقاطعة غوانغ دونغ جنوب البلاد، مضيفا :”على مدار أربعة عقود، شهد العالم تغيرات وقفزات كبيرة في مجال العلوم والتكنولوجيا، ولكن لا يمكن لأي منها أن يضاهي وتيرة التغيير السريع الذي طرأ على حياة الصينيين”.

وبعد أن كانت طلبات تسجيل براءات الاختراع الخاصة صفرا في ثمانينيات القرن الماضي، بلغت 68 ألف إيداع في عام 2020، وفق تشي لو مينغ والذي قال إن الصين تمكنت في عام 2019 من تجاوز الولايات المتحدة لأول مرة في عدد إيداعات براءات الاختراع، وتابع أن “الصين باتت بالفعل أرض الفرص بدليل عمل شركات عالمية على أراضيها من بينها آبل الأميركية العملاقة بالإضافة إلى شركاتها العالمية مثل هواوي عملاق الاتصالات الصينية، ومجموعة علي بابا للتجارة الإلكترونية، في ظل أن الابتكار والاستقلال التكنولوجيين جزء أساسي من الهدف المئوي للحزب الحاكم، القائم على بناء صين قوية اشتراكية حديثة بحلول عام 2049”.

 

نقلاً عن صحيفة العربي الجديد اللندنية – تحقيق: علي أبو مريحيل

 

About Post Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظة © 2020 مجلة السفير | Newsphere by AF themes.