قمة بايدن وشي.. فرصة لفتح خطوط الاتصال

من المقرر أن يلتقي اليوم الأربعاء، في مدينة سان فرانسيسكو بولاية كاليفورنيا الأميركية، الرئيسان الأميركي والصيني جو بايدن وشي جين بينغ، وذلك على هامش قمة منتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادئ “أبيك”، حيث سيكون اللقاء هو الثاني بينهما منذ وصول بايدن إلى الرئاسة، ومنذ عام حين التقيا في نوفمبر/ تشرين الثاني 2022، على هامش قمّة مجموعة العشرين في بالي الإندونيسية.

منذ ذلك الحين، شهدت العلاقات بين الولايات المتحدة والصين توترات متصاعدة، لا سيما مع أزمة المنطاد الصيني فوق الأراضي الأميركية، والذي أعلنت وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) في فبراير/ شباط الماضي إسقاطه، موجهة اتهامات للصين باستخدامه للتجسس، وهو ما نفته الأخيرة. وتسببت هذه الأزمة حينها في إرجاء زيارة كانت مقررة لوزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن إلى الصين بعد أيام قليلة من الحادثة.

تبع ذلك إلغاء اجتماع كان مقرّراً في يونيو/ حزيران الماضي بين وزيري دفاع البلدين، لويد أوستن ولي شانغفو (أقيل من منصبه أخيراً)، على هامش حوار شانغريلا الأمني الذي عقد في سنغافورة. وبينما سعى مسؤولون من البلدين إلى تهدئة التوترات أخيراً بزيارات متبادلة، يعتقد خبراء صينيون أن القمة بين بايدن وشي اليوم قد تشكّل فرصة للطرفين من أجل إعادة فتح خطوط الاتصال، ومناقشة العديد من الملفات والقضايا السياسية والأمنية والاقتصادية.

استئناف الحوار العسكري
في هذا السياق، يعرب الباحث الصيني في العلاقات الدولية وانغ تشي بينغ، عن اعتقاده بأن إعادة فتح خطوط الاتصال تعتبر أولوية بالنسبة للصين، خصوصاً بعد تأزم مسار التواصل على مستوى القيادات العليا خلال عام كامل. ويلفت وانغ إلى أن كلاً من بكين وواشنطن دفعتا باتجاه تذليل العقبات لإنجاح القمة من خلال تكثيف تبادل الزيارات لمسؤولين رفيعي المستوى خلال الأشهر القليلة الماضية.

وكان مسؤولون صينيون وأميركيون قد عقدوا جولات متعددة من الاجتماعات، كان آخرها اجتماع نائب رئيس مجلس الدولة الصيني خي لي فنغ، ووزيرة الخزانة الأميركية جانيت يلين، في سان فرانسيسكو الأسبوع الماضي، حيث اتفقا على معالجة التحديات المشتركة بشكل مشترك، بما في ذلك الاستقرار الاقتصادي والمالي والقضايا التنظيمية.

ويرى وانغ أن القمة المرتقبة اليوم ستكون تتويجاً لسلسلة من التفاعلات ومؤشراً على الجهود المشتركة لإدارة الخلافات وتحقيق الاستقرار في العلاقات بين البلدين. لكنه يستبعد أن تتم خلال القمة مناقشة قضايا حسّاسة مثل التوترات الأمنية في مضيق تايوان، لافتاً إلى أن الاجتماع سيكون فرصة للاتفاق على تجنب المواجهة وسوء التقدير، وإعطاء توجيه استراتيجي للمضي قدماً في ملفات أخرى، من بينها استئناف الحوار العسكري، متوقعاً أن يتم ذلك بعد أيام قليلة من انعقاد القمة. ويضيف أنه “بمجرد أن يتم استئناف الحوار العسكري، فسينفتح الطرفان على مناقشات أعمق تتعلق بمسألة تايوان والصدامات العسكرية المتكررة في بحر الصين الجنوبي.

أساس التفاوض
من جهته، يقول أستاذ الدراسات السياسية في معهد قوانغ دونغ، لين تشين، إن بكين تريد من خلال القمة أن تؤكد واشنطن التزامها بمبدأ صين واحدة، بعد شعورها بتهتك هذا المفهوم من خلال الممارسات والسلوكيات الأميركية الأخيرة، لافتاً إلى استمرار قيام الولايات المتحدة في بيع الأسلحة إلى سلطات الجزيرة وتعزيز الاتصالات العسكرية والاقتصادية مع حكومة تايبيه، فضلاً عن تكثيف الحراك العسكري في المنطقة.

ويعتبر الأكاديمي الصيني أن أيّ شيء يمكن تجاوزه في خلافات البلدين، ما دام هناك احترام أميركي لهذا المبدأ الذي نظّم العلاقات بين الجانبين على مدار العقود الماضية. ويضيف أن مسألة تايوان بالنسبة للصين تتعلق بالكرامة والسيادة الوطنية، وأن إعادة التوحيد أمر حتمي، وبالتالي فإن أي مساس بهذا المبدأ قد يدفع بكين باتجاه حرب مفتوحة. كما يؤكد لين تشين أن الصين منفتحة على كل الخيارات في ما يتعلق بإدارة الأزمة مع الولايات المتحدة، ومستعدة للتعاون معها في قضايا وملفات مهمة، طالما أن أساس التفاوض، مبدأ صين واحدة، قائماً ويحظى بتقدير والتزام الإدارة الأميركية. هذا ولا تعترف معظم الدول، بما في ذلك الولايات المتحدة، بالجزيرة المتمتعة بالحكم الذاتي كدولة مستقلة. ومع ذلك، يعارض الكثيرون أي محاولة من جانب بكين للاستيلاء عليها بالقوة.

أزمة ثقة
في المقابل، يستبعد أستاذ الدراسات السياسية السابق في جامعة تايبيه الوطنية جين توي، أن تشهد القمة المرتقبة اليوم بين شي وبايدن، تحقيق اختراقات في المسائل الجوهرية والقضايا الخلافية، ويقول في هذا الإطار إن الخلافات الكبرى لا تزال قائمة، والتدابير التي اتخذتها الولايات المتحدة ضد الصين باعتبار الأخيرة تمثل تهديداً لأمنها القومي، هي بنود واستراتيجيات تمّ إدراجها في بروتوكولات سياسية وعسكرية وأمنية، وبالتالي يصعب تجاوز كل ذلك بمجرد لقاء على هامش قمة تُعقد لغايات وأهداف سياسية.

ويشدّد جين توي على أن هناك أزمة ثقة كبيرة بين البلدين لا يمكن إغفالها عند الحديث عن العلاقات بين قوتين كبيرتين متنافستين. ويلفت إلى أن القمة الأخيرة التي عقدت بين الرئيسين في بالي العام الماضي، لم تضع حداً للخلافات على الرغم من الإعلان عن توجيهات استراتيجية لإدارة العلاقات على جميع المستويات، وقد تبعت ذلك أزمة منطاد التجسس التي كانت بمثابة صفعة لكل الحالمين بمستقبل مزدهر للعلاقات الأميركية الصينية، بحسب قوله.

وكان متحدث رفيع المستوى في الإدارة الأميركية قد صرح قبيل القمة المرتقبة، بحسب ما نقلت وكالة “فرانس برس”، أن الولايات المتحدة لا تبحث عن صراع مع الصين، ولا تنوي الدخول في حرب باردة جديدة معها. وأضاف: أود أن أؤكد أننا في منافسة مع الصين، ولكننا لا نبحث عن صراع أو مواجهة، نحن ندير هذه المنافسة بمسؤولية. ورداً على ذلك، قالت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الصينية ماو نينغ إن التنافس بين الدول الكبرى يتعارض مع اتجاه العصر، ولن يحل مشكلات الولايات المتحدة الخاصة والتحديات العالمية. ولفتت إلى أن الصين لا تخشى المنافسة، لكنها لا توافق على أن العلاقات الصينية الأميركية يجب أن تحدد من خلال المنافسة، مضيفة أنه يتعين على الولايات المتحدة احترام مخاوف الصين وحقوقها المشروعة في التنمية، بدلاً من التركيز فقط على مخاوفها الخاصة والإضرار بمصالح الصين.

About Post Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظة © 2020 مجلة السفير | Newsphere by AF themes.